عمّان – وسط صخب الأسواق وحركة السيارات والمارة في قلب العاصمة الأردنية، تقف بقايا بناء حجري ضخم شاهدة على عمّان أخرى، كان الماء فيها جزءا من هندسة المدينة وحياتها اليومية، وكانت النوافير والرخام والتماثيل تحيط بمكان يجتمع فيه الناس للراحة والاستجمام.
إنه "سبيل الحوريات" أو "النمفيوم" (Nymphaeum)، أحد أبرز المعالم الباقية من مدينة فيلادلفيا الرومانية، والذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي. وفي شارع قريش، المعروف شعبيا بمنطقة "سقف السيل"، يحتفظ المكان بما تبقى من حكاية تمتد لنحو ألفي عام، تعاقبت خلالها الحضارات وتبدلت ملامح عمّان، بينما ظل البناء شاهدا على جانب من حياتها القديمة.
أخبار مقترحة
تقول دائرة الآثار العامة الأردنية، في تصريح للجزيرة نت، إن سبيل الحوريات يعد من أكبر المباني العامة التي شُيدت في مدينة فيلادلفيا خلال القرن الثاني الميلادي، وكان مكانا للراحة والاستجمام وممارسة نشاطات مختلفة، إلى جانب دوره في توفير المياه.
وتشير الدائرة إلى أن المبنى أُقيم على حافة المجرى المائي، وكان يتزود من مياه الينابيع العذبة دائمة الجريان، في علاقة وثيقة بين العمارة والماء؛ إذ كانت المياه تنساب من الجزء العلوي للمبنى على هيئة شلالات، قبل أن تتجمع في الحوض الرئيسي وتتدفق إلى الجزء السفلي.

حمّام الأميرات
ولم يكن سبيل الحوريات مجرد منشأة لتجميع المياه. فوفق المعلومات التي قدمتها دائرة الآثار العامة للجزيرة نت، ارتبط المكان أيضاً بالاستحمام والاستجمام، وكان يُستخدم حمّاما للأميرات وعلية القوم في العصر الروماني، قبل أن يستمر استخدامه في عصور لاحقة.
وتكشف تفاصيل البناء مقدار الفخامة التي كان يتمتع بها المكان. فالسبيل عبارة عن مبنى ذي تصميم متماثل يبلغ طوله 68 مترا، وأقيم جزؤه السفلي على أقبية أسطوانية، بينما يتكون المستوى العلوي من ثلاث حنايا كبيرة وصفين من الحنايا الصغيرة.
ويرجح أن تلك الحنايا كانت تحتضن تماثيل رخامية تزين الواجهة، وهو ما تعززه الاكتشافات الأثرية في الموقع، إذ عُثر على عدد من تماثيل حوريات الماء التي تُعرض حاليا في متحف الآثار الأردني.
ولم تتوقف مظاهر الفخامة عند التماثيل، إذ كانت الجدران الداخلية والحنايا الكبيرة والصغيرة مكسوة بالرخام. وتدل فتحات مستديرة ومربعة ما زالت ظاهرة في حجارة المبنى، إلى جانب بقايا رخام بقي بعضها مثبتا على الجدران، على الطريقة التي استُخدمت لتثبيت تلك الكسوة.
أما الجزء السفلي، فيُعتقد أنه كان يضم المسابح والحمامات والمرافق الصحية، بينما كانت النوافير والأعمدة المرتفعة تكمل المشهد المعماري لمكان صُمم ليجمع بين الوظيفة والجمال.

قلب اجتماعي لفيلادلفيا
لكن حكاية "سبيل الحوريات" تتجاوز صورة حمّام فخم للأميرات وعلية القوم. فالمبنى أدى وظيفة عامة في حياة فيلادلفيا، إذ كان ملتقى للسكان ومكانا للترفيه والاستجمام، وفي الوقت نفسه نقطة للحصول على إمداداتهم اليومية من المياه.
وهذا التعدد في الوظائف يمنح المعلم دلالة تتجاوز حجمه المعماري، إذ يقدم صورة عن طبيعة الحياة في المدينة الرومانية، حين لم تكن المنشآت المائية مجرد مرافق خدمية، بل جزءا من الفضاء الاجتماعي للمدينة.
وتشير المعلومات الواردة من دائرة الآثار إلى أن الموقع ارتبط كذلك بالحياة الثقافية والفكرية في قلب فيلادلفيا، بينما توحي ضخامة المبنى وما استُخدم فيه من رخام وتماثيل وأعمدة ونوافير بحجم المكانة التي احتلتها المدينة خلال تلك الحقبة.
ويكتسب الموقع أهمية إضافية من وجوده ضمن النسيج التاريخي لوسط عمّان، بالقرب من المدرج الروماني ومسرح الأوديون وجبل القلعة، في منطقة كانت تضم شوارع مرصوفة وساحات وأعمدة ومنشآت عامة، ما يجعل السبيل جزءا من مشهد حضري أوسع، لا معلما منفردا.

ألفا عام من التحولات
لم تنته حكاية المكان بانتهاء الحقبة الرومانية، بل واصل السبيل حضوره بأشكال مختلفة مع تعاقب العصور. وخلال الفترة الأموية، استُخدمت حجارة من المبنى في إنشاء خزان للمياه فوق الساحة المرصوفة أمامه، ثم أعيد استخدام أجزاء من حجارته مع عودة النمو السكاني والعمراني إلى عمّان خلال القرن التاسع عشر.
وتفيد المعلومات بأن المكان تحول في مرحلة من تاريخه إلى خان ينزل فيه المسافرون وتأوي إليه دوابهم، قبل أن تبدأ الأبنية الحديثة بالتوسع حوله والتداخل مع حدوده، مع التحولات العمرانية المتسارعة التي عرفتها العاصمة.
ومثل كثير من المواقع الأثرية، لم يسلم سبيل الحوريات من آثار الزمن. فقد تركت العوامل الطبيعية، من مياه ورطوبة وتغيرات مناخية، بصمتها على الحجارة، إلى جانب التلوث والتوسع العمراني والاستخدامات البشرية التي أحاطت بالموقع.

استعادة ما أخفاه الزمن
وخلال تسعينيات القرن الماضي، نفذت دائرة الآثار العامة أعمال تنقيب أثرية واسعة في سبيل الحوريات، استمرت حتى مطلع الألفية، وأسهمت في إظهار الموقع بصورة شبه كاملة، وكشفت عن تماثيل وقطع أثرية وعناصر معمارية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة.
كما شهد الموقع أعمال ترميم وصيانة شملت أجزاء من مجرى المياه السفلي والواجهة والأقواس والأعمدة، في محاولة للحفاظ على ما بقي من المعلم وإظهار قيمته التاريخية والمعمارية.
غير أن القيمة الحقيقية للمكان ربما لا تختصر بما بقي من حجارة وأقواس. ففي موقع تحيط به اليوم حركة وسط البلد الكثيفة، يبدو "سبيل الحوريات" كأنه يحتفظ في داخله بصورة مختلفة تماما للمكان ذاته: مياه تتدفق بين الرخام، وتماثيل تستقر في الحنايا، وأناس يقصدونه للماء والاستجمام واللقاء.
وبين فيلادلفيا القديمة وعمّان المعاصرة، ظل المكان يتغير كما تغيرت المدينة نفسها؛ حمّاما ومعلما عاما، ثم شاهدا أثريا تحاصره الأبنية الحديثة.
ولعل تلك المفارقة هي ما يمنح "سبيل الحوريات" سحره اليوم؛ فالمار في شارع قريش قد لا يرى سوى بقايا حجارة صمدت أمام الزمن، لكن خلفها تختبئ حكاية مدينة كان الماء يوما يجري في قلبها، وكانت الحياة تتجمع حوله قبل نحو ألفي عام.


















