تكشف العقوبات الأوروبية الأخيرة المرتبطة بالذهب السوداني والمواد المستخدمة في استخراجه عن تحول مهم في مقاربة الاتحاد الأوروبي للحرب في السودان. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، يبدو أن أوروبا أصبحت أكثر إدراكا لحقيقة أن استمرار النزاع لا يعتمد على السلاح وحده، بل على اقتصاد حرب معقد يوفر للأطراف المتحاربة الموارد اللازمة لمواصلة عملياتها العسكرية.
من هذه الزاوية، تبدو القيود المفروضة على الذهب وبعض المواد المرتبطة بعمليات استخراجه خطوة منطقية. فقد أصبح الذهب، خلال سنوات الصراع وعدم الاستقرار، أحد أهم الموارد الاقتصادية في السودان، ودخلت تجارته ضمن شبكات معقدة من الشركات والوسطاء ومسارات التمويل والتجارة العابرة للحدود.
لكن العقوبات تطرح سؤالا أكثر تعقيدا من مجرد قدرتها على تقليص موارد الأطراف المتحاربة: من يدفع تكلفتها الفعلية؟ هل تنجح في إضعاف اقتصاد الحرب، أم تستطيع الشبكات المرتبطة بالنزاع التكيف معها، بينما تنتقل بعض آثارها الاقتصادية إلى المدنيين الذين يعانون أصلا من انهيار الاقتصاد والخدمات واتساع دائرة الفقر والنزوح؟
هذا السؤال لا يعني رفض العقوبات من حيث المبدأ، لكنه يفرض النظر إليها ضمن السياق الأوسع للحرب السودانية. ففاعلية العقوبات لا تقاس بعدد الشركات والأفراد والموارد التي تستهدفها، بل بقدرتها على تغيير حسابات الأطراف المتحاربة، وتفكيك شبكات التمويل، من دون إضافة أعباء جديدة على السكان.
استمرار الحرب لأكثر من ثلاث سنوات يوضح أن الأطراف المحلية لا تخوض النزاع بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها
الذهب واقتصاد الحرب
لا يمثل الذهب في السودان مجرد مورد اقتصادي أو سلعة تصديرية. فقد أصبح، خلال سنوات النزاع وعدم الاستقرار، جزءا من بنية اقتصادية تتداخل فيها المصالح العسكرية والسياسية والتجارية. فالحروب الطويلة تحتاج إلى موارد مستمرة، وتحتاج الأطراف المتحاربة إلى المال لشراء السلاح وتمويل العمليات العسكرية والمحافظة على شبكاتها السياسية والأمنية.
لكن الذهب لا يتحول إلى مصدر لتمويل الحرب بمجرد استخراجه من الأرض. إنه يحتاج إلى شركات ووسطاء وأسواق ومسارات نقل وشبكات مالية وتجارية تسمح بتحويله إلى أموال وقدرات عسكرية. وهنا تكمن أهمية الإجراءات الأوروبية، ولكن أيضا حدودها.
فاستهداف الذهب أو المواد المستخدمة في استخراجه يمكن أن يرفع تكلفة الوصول إلى بعض الموارد، ويحد من حركة بعض الشركات والشبكات. لكن اقتصاد الحرب لا يعمل داخل الحدود السودانية وحدها، بل يعتمد على علاقات تجارية ومالية إقليمية ودولية قادرة على التكيف مع القيود والعقوبات.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاتحاد الأوروبي يستطيع فرض عقوبات، بل ما إذا كانت هذه العقوبات قادرة على الوصول إلى البنية الفعلية لاقتصاد الحرب.
حرب تتجاوز حدود السودان
منذ اندلاع القتال في أبريل/نيسان 2023، أصبح من الصعب تفسير استمرار الحرب من خلال الصراع الداخلي وحده. فموقع السودان على البحر الأحمر، وموارده الطبيعية، وأراضيه الزراعية، وامتداداته الجغرافية بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل، جعلت منه ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة.
كما أن العلاقات الخارجية لا تقتصر على طرف واحد من أطراف النزاع. فقد ارتبط طرفا النزاع، ضمن سياقات ودرجات وأشكال مختلفة لا يمكن بالضرورة مساواتها، بعلاقات مع قوى خارجية، واستفادا من أنماط متفاوتة من الدعم السياسي أو العسكري أو الاقتصادي. ولا يعني ذلك أن طبيعة هذه العلاقات أو حجمها أو تأثيرها متساوية.
لكن استمرار الحرب لأكثر من ثلاث سنوات يوضح أن الأطراف المحلية لا تخوض النزاع بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها. فكلما امتلك أحد أطراف الحرب مصادر مستمرة للمال أو السلاح أو الدعم السياسي، تراجعت الحوافز التي تدفعه إلى تقديم تنازلات أو القبول بتسوية سياسية.
ومن هنا تظهر إحدى المعضلات الأساسية في التعامل الدولي مع الأزمة السودانية. فالمجتمع الدولي يطالب الأطراف بوقف الحرب والعودة إلى المفاوضات، بينما تستمر البيئة المحيطة بالنزاع في توفير الموارد والشبكات التي تساعد على إطالة أمده.
إذا تجاوزنا مشكلة الانتقائية في تطبيق العقوبات، يبقى السؤال المتعلق بقدرتها الفعلية على تغيير مسار الحرب. فاقتصادات النزاعات تمتلك قدرة كبيرة على التكيف
مفارقة السياسة الأوروبية
تبنى الاتحاد الأوروبي منذ بداية الحرب خطابا يؤكد ضرورة وقف القتال، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والعودة إلى مسار سياسي يقود إلى حكم مدني.
كما فرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بالنزاع، واتجه إلى استهداف بعض مكونات اقتصاد الحرب. لكن الإجراءات الأخيرة تطرح سؤالا حول مدى اتساق هذه السياسة.
فإذا كانت أوروبا ترى أن الموارد الاقتصادية والتدخلات الخارجية تمثل عوامل أساسية في استمرار الحرب، فلماذا يبدو استخدام أدوات الضغط أكثر سهولة عندما يتعلق الأمر بالشركات والأفراد والسلع، وأكثر حذرا عندما يصل إلى القوى الخارجية المؤثرة في مسار النزاع؟
ترتبط الدول الأوروبية بعلاقات اقتصادية واستثمارية وأمنية واسعة مع عدد من القوى الإقليمية الفاعلة في الشرق الأوسط والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. وفي الوقت نفسه، وجهت إلى بعض هذه القوى اتهامات بالمساهمة، بدرجات وأشكال مختلفة، في دعم أطراف الحرب السودانية. ولا يعني استمرار العلاقات الأوروبية مع هذه القوى أن أوروبا توافق بالضرورة على سياساتها، كما لا يمكن اعتبار المصالح المشتركة دليلا على المشاركة في الحرب.
لكن القضية الأساسية تتعلق بحدود استخدام النفوذ. فمن الأسهل سياسيا فرض عقوبات على شركة أو فرد أو مورد اقتصادي من ممارسة ضغوط على شريك يمتلك استثمارات ضخمة وعلاقات تجارية وأمنية وإستراتيجية واسعة.
وهنا تظهر المفارقة. فالاتحاد الأوروبي يمتلك أدوات اقتصادية وسياسية مؤثرة، لكن استخدام هذه الأدوات يخضع، مثل غيره من القوى الدولية، لحسابات المصالح وتكلفة المواجهة. ويمكن وصف هذا السلوك بـ"التسامح الإستراتيجي الانتقائي"، أي استخدام درجات مختلفة من الضغط وفقا لطبيعة المصالح المرتبطة بالأطراف المعنية.
ولا يعني ذلك الموافقة الصريحة على التدخلات الخارجية، لكنه يظهر عندما تصبح الاستجابة أقل حزما كلما ارتفعت التكلفة الاقتصادية والسياسية لمواجهة الطرف المتهم بالمساهمة في النزاع.
قدرة اقتصاد الحرب على التكيف
حتى إذا تجاوزنا مشكلة الانتقائية في تطبيق العقوبات، يبقى السؤال المتعلق بقدرتها الفعلية على تغيير مسار الحرب. فاقتصادات النزاعات تمتلك قدرة كبيرة على التكيف. عندما يغلق مسار تجاري، قد تظهر مسارات بديلة. وعندما تفرض عقوبات على شركة، يمكن أن تنتقل الأنشطة إلى شركات أو وسطاء جدد. وعندما تخضع بعض التحويلات المالية للرقابة، قد تتوسع شبكات التهريب والأسواق غير الرسمية.
وتزداد هذه المشكلة في الدول التي تعاني من ضعف المؤسسات وانهيار أجهزة الرقابة وانتشار الاقتصاد غير الرسمي، كما هو الحال في السودان. وهذا يعني أن الأطراف المسلحة وشبكاتها الاقتصادية قد تكون أكثر قدرة على التكيف مع العقوبات من المواطنين العاديين.
فالقوى المنخرطة في اقتصاد الحرب تمتلك شبكات خارجية وموارد وقدرة على استخدام مسارات غير رسمية للتجارة والتمويل. أما المواطن الذي يعتمد على النشاط الاقتصادي المشروع أو التحويلات المالية أو الأسواق المحلية، فلا يمتلك بالضرورة القدرة نفسها على تجاوز القيود.
وهنا ينتقل النقاش من فاعلية العقوبات إلى تكلفتها الإنسانية.
إن التحدي الحقيقي أمام الاتحاد الأوروبي لا يتمثل في فرض مزيد من العقوبات فقط، بل في تحسين قدرتها على الوصول إلى الجهات المستهدفة مع حماية الاقتصاد المدني
تكلفة العقوبات على المدنيين
يعاني السودان أصلا من أزمة اقتصادية وإنسانية عميقة نتيجة الحرب. فقد تعطلت قطاعات الإنتاج، وتضررت البنية التحتية، واتسعت البطالة والفقر، وتراجعت قيمة العملة، واضطر ملايين الأشخاص إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار.
في مثل هذه البيئة، يمكن لأي قيود اقتصادية إضافية غير مصممة بعناية أن تنتج آثارا تتجاوز الجهات المستهدفة. فزيادة تعقيد المعاملات المالية والتجارية قد ترفع تكاليف الاستيراد والتحويلات، وتحد من قدرة بعض الشركات المشروعة على العمل، وتدفع مزيدا من الأنشطة الاقتصادية نحو الأسواق غير الرسمية.
وهنا تظهر مفارقة أخرى؛ فقد تستطيع الأطراف المسلحة تجاوز العقوبات من خلال شبكات التهريب والعلاقات الخارجية، بينما يتحمل المدنيون جانبا من آثار تراجع النشاط الاقتصادي وتعقيد التجارة والتحويلات المالية.
بل إن إضعاف الاقتصاد المشروع يمكن، في بعض الحالات، أن يؤدي إلى نتيجة عكسية. فعندما تتراجع فرص العمل والنشاط الاقتصادي القانوني، قد يصبح مزيد من السكان معتمدين على الأسواق غير الرسمية وشبكات التهريب والاقتصادات المحلية التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة.
وبذلك يمكن لعقوبات تهدف إلى إضعاف اقتصاد الحرب أن تسهم، إذا لم تكن مصممة بدقة، في توسيع البيئة الاقتصادية التي تسمح له بالاستمرار.
لا يعني احتمال تضرر المدنيين أن البديل هو الامتناع عن فرض العقوبات على الجهات التي تمول الحرب أو تستفيد منها. لكن هناك فرقا بين العقوبات الاقتصادية الواسعة والعقوبات المحددة التي تستهدف أفرادا وشركات ووسطاء وشبكات مالية مرتبطة مباشرة بالنزاع.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الاتحاد الأوروبي لا يتمثل في فرض مزيد من العقوبات فقط، بل في تحسين قدرتها على الوصول إلى الجهات المستهدفة مع حماية الاقتصاد المدني. ويتطلب ذلك مراقبة دقيقة لتأثير الإجراءات المفروضة، وحماية التحويلات المالية الإنسانية، وتسهيل التجارة المرتبطة بالاحتياجات الأساسية، ومنع المؤسسات المالية والشركات الدولية من تطبيق القيود بصورة أوسع مما تتطلبه العقوبات نفسها.
كما يتطلب الأمر التعامل مع الشبكات الخارجية التي تسمح لاقتصاد الحرب بالاستمرار. فالعقوبات التي تستهدف شركة داخل السودان، بينما تستطيع الشبكة المرتبطة بها مواصلة نشاطها عبر وسطاء وأسواق خارجية، لن تحقق أهدافها.
والعقوبات التي تزيد تكلفة النشاط الاقتصادي على المدنيين، بينما تستطيع الأطراف المسلحة الوصول إلى مسارات بديلة للتمويل والتجارة، قد تصبح جزءا من المشكلة بدلا من أن تكون أداة لحلها.
إذا استهدفت العقوبات شبكات التمويل والتجارة والتسليح بدقة، ورافقتها ضغوط متسقة على القوى الخارجية المؤثرة في النزاع، مع حماية الاقتصاد المدني والتحويلات الإنسانية، فقد تصبح أداة للمساهمة في تقليص قدرة الأطراف على مواصلة الحرب
يمكن القول إن تلك العقوبات الأوروبية الأخيرة ما هي إلا محاولة للتعامل مع أحد مكونات اقتصاد الحرب في السودان، لكنها تطرح أسئلة تتجاوز الذهب والمواد المستخدمة في استخراجه. فالقضية لا تتعلق فقط بقدرة أوروبا على فرض العقوبات، بل بمدى قدرتها على توجيهها نحو الأطراف والشبكات التي تستفيد من استمرار الحرب، ومنع انتقال تكلفتها إلى المدنيين.
كما تتعلق بمدى استعداد الاتحاد الأوروبي للانتقال من استهداف الشركات والأفراد والموارد إلى استخدام نفوذه تجاه القوى الخارجية التي توفر البيئة السياسية والاقتصادية لاستمرار النزاع.
وهنا تواجه السياسة الأوروبية اختبارين مترابطين. الأول هو اختبار الفاعلية: هل تستطيع العقوبات إضعاف اقتصاد الحرب في ظل قدرة شبكاته على التكيف والبحث عن مسارات بديلة؟
والثاني هو اختبار العدالة: هل تصل تكلفة العقوبات إلى الأطراف المستهدفة، أم يتحمل المدنيون الذين أنهكتهم الحرب جزءا متزايدا منها؟
الإجابة عن هذين السؤالين هي التي ستحدد القيمة الحقيقية للسياسة الأوروبية تجاه السودان.
فإذا استهدفت العقوبات شبكات التمويل والتجارة والتسليح بدقة، ورافقتها ضغوط متسقة على القوى الخارجية المؤثرة في النزاع، مع حماية الاقتصاد المدني والتحويلات الإنسانية، فقد تصبح أداة للمساهمة في تقليص قدرة الأطراف على مواصلة الحرب.
أما إذا تمكنت شبكات اقتصاد الحرب من التكيف معها، بينما انتقلت آثارها إلى المواطنين والأسواق والأنشطة الاقتصادية المشروعة، فإن النتيجة ستكون مفارقة يصعب الدفاع عنها.
عندها لن يكون السؤال ما إذا كانت أوروبا قد فرضت عقوبات كافية على السودان، بل سيكون السؤال الأكثر أهمية: هل عاقبت العقوبات اقتصاد الحرب بالفعل، أم أضافت عبئا جديدا على المدنيين الذين يدفعون أصلا الثمن الأكبر لاستمرارها؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.













