بعيدا عن الضجيج الإعلامي والخطابات السياسية المتبادلة، تشير التطورات الأخيرة في المنطقة إلى أن مسار الانزلاق الإقليمي قد بدأ بالفعل، وهو في مراحله الأولى. فمنذ الأيام الأولى للتصعيد ظهرت مؤشرات واضحة على انتقال الأزمة من مستوى المواجهة المباشرة بين أطراف محددة إلى دائرة أوسع قد تشمل أطرافا إقليمية ودولية متعددة.
فقد أدت الاعتداءات الإيرانية على بعض دول المنطقة إلى خلق حالة من التوتر الأمني المتزايد، الأمر الذي دفع بعض الدول الأوروبية إلى التحرك سريعا، ولو بشكل غير معلن في بعض الحالات، لضمان حرية الملاحة الدولية وحماية مواطنيها ومصالحها وحلفائها في المنطقة. ويعكس هذا التحرك إدراكا أوروبيا مبكرا لاحتمال توسع دائرة الصراع وتأثيره المباشر على طرق التجارة والطاقة العالمية.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مسار الحرب الحالية، بل في احتمال انزلاق أطراف إقليمية أخرى إلى مواجهة مباشرة مع إيران؛ ففي حال تعرضت إيران لهجمات إضافية من دول أخرى قد يؤدي ذلك إلى فقدان التوازن الإستراتيجي لدى القيادة الإيرانية
في المقابل، يبدو أن الإستراتيجية الإيرانية تسعى إلى استنزاف القوة المعادية عبر توسيع نطاق التفاعل مع الأزمة، ودفع دول المنطقة إلى الانخراط فيها بشكل غير مباشر.
فكلما اتسعت دائرة المتضررين من التصعيد زادت الضغوط السياسية على القوى الرئيسية المتورطة في الحرب، بشكل قد يدفعها إلى وقف العمليات العسكرية دون أن تضطر إيران إلى تقديم طلب مباشر لوقفها. وفي كثير من الأحيان تعتمد مثل هذه الإستراتيجية على خلق واقع إقليمي يجعل استمرار الحرب مكلفا للجميع.
أما من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، فيبدو أن التصعيد العسكري والتأجيج الإعلامي يسيران بالتوازي في محاولة لاستثمار الوضع القائم لتحقيق أهداف سياسية أوسع، من بينها إضعاف النظام الإيراني أو الدفع نحو تغييره.
ومع ذلك تظل قدرة إسرائيل على الاستمرار في حرب طويلة الأمد محل تساؤل، خاصة في ظل التجارب السابقة التي أظهرت محدودية القدرة على إدارة صراعات ممتدة، كما حدث في مواجهات لم تتجاوز بضعة أيام أو أسابيع.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مسار الحرب الحالية، بل في احتمال انزلاق أطراف إقليمية أخرى إلى مواجهة مباشرة مع إيران؛ ففي حال تعرضت إيران لهجمات إضافية من دول أخرى قد يؤدي ذلك إلى فقدان التوازن الإستراتيجي لدى القيادة الإيرانية، والدخول في مرحلة تصعيد غير محسوب قد تتحول معها الأزمة إلى حرب إقليمية مفتوحة يصعب احتواؤها.
تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حقيقي: فإما أن تنجح الجهود الدولية والإقليمية في احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب واسعة، أو أن يستمر مسار الانزلاق التدريجي نحو صراع أكبر
والأخطر من ذلك ما قد يحدث بعد انتهاء الحرب؛ فحتى لو توقفت العمليات العسكرية، فإن تداعياتها السياسية والإستراتيجية قد تكون عميقة وطويلة الأمد.
إذ إن فقدان الثقة بين دول المنطقة وإيران سيطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقات الإقليمية، وكيفية إعادة بناء منظومة الأمن الإقليمي، فضلا عن كيفية إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الصراع.
في هذا السياق تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حقيقي: فإما أن تنجح الجهود الدولية والإقليمية في احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب واسعة، أو أن يستمر مسار الانزلاق التدريجي نحو صراع أكبر قد يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي في المنطقة لعقود قادمة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.













