- مجزرة "شارع علي الوحش".. ما تزال حاضرة في ذاكرة الفلسطينيين والسوريين
إن كل المجازر، بلا استثناء، هي وصمة عار أبدية في جبين البشرية، مهما اختلفت هوية الضحايا أو تباينت ملامح الجناة. إنها الذروة القصوى للوحشية، واللحظة التي ينخلع فيها المرء من رداء إنسانيته، ليتحول إلى كائن سادي لا يرتوي إلا بمرأى الدماء.
في تلك اللحظات القاتمة، تستباح أرواح المدنيين العزل، وتمارس ضدهم فنون من التعذيب الوحشي، الذي لا يكتفي بسلب الروح، بل يسعى لإذلال الكرامة الإنسانية قبل إزهاقها.
لكن المفارقة الأكثر إيلاما اليوم أننا نعيش بين بشر جفت في عروقهم حمرة الخجل، يحولون هذا المشهد الدموي الجنائزي إلى مجرد استعراضات همجية بائسة.
وفي وعيهم المشوه، تخرج المجزرة من إطارها الإجرامي لتلبس ثوب البطولة، وتقدم كضرورة حتمية لمواجهة مؤامرات وهمية أو واقعية، وكأن الدم البريء أصبح مجرد وقود رخيص لمحركات الصراع الممنهج.
لذلك، لم تكن الحرب السورية مجرد صراع مسلح بين أطراف متباينة، بل كانت في أحلك زواياها مختبرا لأساليب الإبادة الممنهجة. وتبرز محرقة "شارع الشهيد علي الوحش"، في 5 يناير/كانون الثاني 2014، لا كجريمة حرب فقط، بل كذروة للوحشية وسنام للغدر، حيث استخدمت الحاجة الغريزية للبقاء وسيلة للتصفية الجسدية الشاملة.
الخامس من يناير/كانون الثاني 2014 تاريخ نقش بالدم والجوع على حاجز "علي الوحش" جنوبي دمشق. هناك تحول الممر الآمن إلى محرقة بشرية حصدت أرواح ومصير قرابة 1500 فلسطيني وسوري، في جريمة جسدت ذروة الوحشية خلال حصار مخيم اليرموك والبلدات المجاورة.
واليوم، لا نستذكر المحرقة لمجرد الرثاء، بل لفتح ملف الحصار الذي استخدم سلاح التجويع والبرد لتركيع المحاصرين في مخيم اليرموك والبلدات المجاورة، وللتأكيد أن ذاكرة الضحايا الذين غيبوا قسرا على يد النظام ومليشياته الطائفية لا تسقط بالتقادم، مهما طال الزمن.
عندما نوثق سقوط 1033 ضحية بالاسم من أصل قرابة 2000 معتقل، فنحن لا نتحدث عن أرقام إحصائية، بل عن تمزيق لنسيج ديمغرافي كامل
سلاح الجوع كطعم
في علوم الحروب، يفهم الحصار كوسيلة للضغط العسكري، لكنه في جنوبي دمشق (مخيم اليرموك، يلدا، ببيلا) تحول، على يد النظام السوري والمليشيات الموالية له، إلى مصيدة للموت، بعد عملية "دبيب النمل" وتضييق الخناق على 150 ألف مدني، حتى وصل بهم الحال إلى أكل أعشاب الأرض.
ولم يكتفِ النظام بالقتل جوعا، بل استخدم ذلك الجوع كأداة استدراج. فما حدث في شارع "الشهيد علي الوحش" لم يكن عفويا، بل بنيت الجريمة على ركيزة الغدر العسكري، بعد بث شائعات عبر مكبرات الصوت تعد بالخبز والأمان، ودفع المنهكين جسديا ونفسيا نحو "ممر آمن"، تبين لاحقا أنه ليس سوى بوابة لمسلخ ومحرقة بشرية.
هذا النمط من الإجرام يضرب جوهر الثقة الإنسانية في مقتل، ويحول الممرات الإنسانية المفترضة إلى كمائن للموت.
حين يتحدث الرماد
عندما نوثق سقوط 1033 ضحية بالاسم من أصل قرابة 2000 معتقل، فنحن لا نتحدث عن أرقام إحصائية، بل عن تمزيق لنسيج ديمغرافي كامل. إن وجود 45 طفلا و15 امرأة، بينهن رضيعة لم تتجاوز العام، و18 مسنا بين الضحايا، ينفي أي صبغة عسكرية عن العملية.
لقد كانت محرقة شارع "الشهيد علي الوحش" تصفية على الهوية المكانية؛ الفلسطيني السوري بمخيم اليرموك، بجانب ابن يلدا والبويضة وغيرهما من المناطق الأخرى، انصهرت أجسادهم في خنادق الحرق لتمحو ملامح الجريمة.
إن إحراق الجثث، كما ورد في شهادات الناجيات القلائل، لم يكن مجرد سادية، بل كان قرارا أمنيا بامتياز لطمس الأدلة المادية، ومنع ذوي الضحايا من الوصول إلى حق المعرفة، أو حتى إكرام موتاهم بدفن لائق.
إن الصمت عن محرقة شارع "الشهيد علي الوحش" هو مشاركة في إحراق الحقيقة مرة ثانية. لقد مات الضحايا وهم يبحثون عن رغيف خبز، وأقل ما يمكن تقديمه لأرواحهم هو العدالة
الغدر كجريمة دولية
من الناحية القانونية، نحن أمام انتهاك صارخ للمادة 37 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، التي تحظر قتل الخصم أو المدنيين باللجوء إلى الغدر. وإن استغلال الثقة في ممر إنساني جريمة مركبة، تضع القادة الميدانيين وضباط الحواجز تحت طائلة الملاحقة الدولية وفق نظام روما الأساسي.
هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم، وحرق الجثث يضيف بعدا جرميا مستمرا يتمثل في الإخفاء القسري، مما يضاعف معاناة آلاف العائلات التي لا تزال تعيش معلقة بين أمل كاذب ويقين مر.
استحقاقات العدالة
إن العدالة لا تتحقق بالرصد والتوثيق فحسب، بل بالتحرك الإجرائي.
اليوم، وأمام المحاكم التي تعتمد الولاية القضائية العالمية، تبرز شهادات الناجيات الإحدى عشرة كأدلة حية لا تقبل التأويل.
ولذلك يطالب أهالي الضحايا المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية باعتبار محرقة "شارع علي الوحش" قضية دراسية لجرائم الغدر في النزاعات المسلحة، وتعميم أسماء الضباط والأفراد المسؤولين عن حاجز "الشهيد علي الوحش" في تلك الفترة عبر الإنتربول، وكذلك الضغط للكشف عن المقابر الجماعية في حجيرة والسيدة زينب، للسماح بالتعرف على الرفات عبر فحص DNA.
إن الصمت عن محرقة شارع "الشهيد علي الوحش" هو مشاركة في إحراق الحقيقة مرة ثانية. لقد مات الضحايا وهم يبحثون عن رغيف خبز، وأقل ما يمكن تقديمه لأرواحهم هو العدالة. وإن تحويل موقع تلك المجزرة إلى نصب تذكاري مستقبلي ليس مجرد حلم، بل ضرورة أخلاقية لضمان ألا يتكرر ممر الموت في أي بقعة أخرى من العالم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.













