- البحث عن الشغف المفقود
وأنا أتبادل الحديث مع أحد القلائل الذين لا يزال يهمني أمرهم ويهمهم أمري، وفي إطار حديثه النوستالجي عن زيارة مكان قديم كنا قد قضينا فيه وقتا لا بأس به، وكان من الأمكنة التي يحن إليها الإنسان بعد مغادرتها، اكتشفت للحظة أنني لم أعد أملك أي مشاعر تجاه هذا المكان، الذي كان يمثل حيزا مهما في ماضيّ الإنساني.
للحظة، اكتشفت أن علاقتي بالماضي بدأت تتحول إلى علاقة جامدة بليدة، لا أتفاعل معها سلبا ولا إيجابا، هي أقرب إلى الأحلام التي ينساها الإنسان بمجرد أن يفتح عينيه.
هل أدرك الناس أخيرا أن تعداد المشاكل لا يكفي لحلها، بل على العكس، قد يقضي على خاصية التجاوز البشرية، التي تساعد الإنسان على المضي قدما بعيدا عنها مهما عظمت وكبرت؟
أسندت الأمر في البداية لوصولي إلى سن يحتكم فيها البشر عادة إلى العقل أكثر من العاطفة. بدأت أتصفح ذاكرتي بحثا عن أوقات أجمل وأمتع، لعلي أتواصل معها روحيا أو أتمنى عودتها، ولو للحظة واحدة على الأقل، لكن ذلك لم يحدث.
أحسست أنني أرتكز على الفراغ؛ كنت أعتقد أن كل ما يعيشه الفرد يشكل الأرضية التي يستند إليها ليمضي قدما في حياته، لكنني لم أجد بين أسطر السنوات الثلاثين التي عشتها ما يوحي بذلك.
تذكرت حديثي، منذ فترة ليست بالبعيدة، مع أحد أساتذتي السابقين حول المجتمع والوطن، حين أخبرني عن مصطلح "اليأس الصامت"، الذي ذكره أحد أساتذة علم الاجتماع في بلدي، وبدأت بإسقاط أعراضه على ذاتي، لعلي أتمكن من تشخيص حالتي.
كان مما ذكره لي أستاذي عن هذا المصطلح أن الناس يفقدون حتى قدرة الشكوى والتذمر، التي مارستها شعوب العالم الجنوبي منذ النصف الثاني من القرن العشرين؛ تلك الرياضة الكلامية المحببة لهذه الشعوب في المقاهي والشوارع ومؤسسات العمل.
هل لظهور الهواتف الذكية دور في ذلك؟
هل أدرك الناس أخيرا أن تعداد المشاكل لا يكفي لحلها، بل على العكس، قد يقضي على خاصية التجاوز البشرية، التي تساعد الإنسان على المضي قدما بعيدا عنها مهما عظمت وكبرت؟
يبدو أن الهواتف الذكية وحالة الجمود الحضاري قد أسستا لهذا الإنسان الجديد في العالم المتخلف: إنسان يائس وصامت، لا يحن إلى ماضٍ ولا يتطلع إلى مستقبل، تائه في دائرة الحاضر المفرغة، يطارد حاجياته اليومية التي تكفي لجعله يعيش لحظته تلك لا أكثر؛ دون نوستالجيا ودون طموح استشرافي.
اللاشعور، الكامن في زاوية مظلمة داخل النفس البشرية، على حد تعبير فرويد، قد تمدد ليشغل جل النفس البشرية، في حين تراجع الشعور وتقلص، لتنعكس الأدوار في الجانب السيكولوجي لإنسان العالم الجنوبي
فما الحل؟ وأي النماذج العلاجية أصلح؟
تذكرت، وأنا أحاول أن أجد حلا لهذه المعضلة، إحدى حلقات مسلسل سوري كوميدي كنت قد شاهدته في بداية العشرينيات، اسمه "ضيعة ضايعة". في إحدى حلقاته، التي كان عنوانها "ظواهر غريبة"، يستيقظ سكان القرية الجبلية على نوع من فقدان الرغبة في ممارسة الحياة، في حالة تشبه حالة "ميرسو" الشعورية في رواية "الغريب"، حين جاءه خبر وفاة أمه في دار العجزة.
وتسعى السلطة، ممثلة في رئيس مخفر الشرطة، إلى إعادة سكان القرية إلى حالتهم الحياتية الأولى، التي كانوا فيها مقبلين على الحياة بكل جوارحهم، رغم بساطة عناصرها في قريتهم "ما قبل الحداثية". لكن حتى تهديد السلطة لهم بالعنف لم يجد نفعا.
يبدو أن هذه الحلقة من ذلك المسلسل، التي عرضت منذ أكثر من عشر سنوات، قد تنبأت بحالنا اليوم. فنحن اليوم، بين أعمالنا اليومية وهواتفنا الذكية وبعض لحظات التوقف للأكل، أصبحت حدود عقولنا، التي سعى كانط لمعرفة تخومها، ضيقة جدا.
وإن اللاشعور، الكامن في زاوية مظلمة داخل النفس البشرية، على حد تعبير فرويد، قد تمدد ليشغل جل النفس البشرية، في حين تراجع الشعور وتقلص، لتنعكس الأدوار في الجانب السيكولوجي لإنسان العالم الجنوبي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.













