ما طرحه نتنياهو في الآونة الأخيرة ليس جديدا من حيث الجوهر، لكنه يكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف الإقليمية والدولية الراهنة؛ فهذه الظروف تمنحه حيزا أوسع للمناورة، خصوصا مع الحروب الداخلية التي تشهدها الدول العربية، والانشغال بالخلافات والأزمات الاقتصادية والسياسية، وغياب الإرادة لمواجهة الاحتلال عسكريا أو سياسيا.
فمنذ وعد بلفور المشؤوم 1917، والمشروع الصهيوني يمضي قُدما بخطوات ثابتة نحو ترسيخ وجوده وتوسيعه، مستغلا التناقضات العربية، والدعم الأميركي غير المحدود، والصمت الغربي والعربي المخزي.
برز مصطلح "إسرائيل الكبرى" بقوة بعد حرب يونيو/حزيران 1967، حين احتلت "إسرائيل" مساحات واسعة من الأراضي العربية شملت القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان
في مقابلة مع قناة "آي 24″، قال نتنياهو إنه يشعر بأنه في "مهمة تاريخية وروحية" مرتبطة برؤية "إسرائيل الكبرى". وعندما سُئل عما إذا كان يرى نفسه في "مهمة نيابة عن الشعب اليهودي"، أجاب بأنه "في مهمة أجيال".
ووفقا للمزاعم "الإسرائيلية"، فإن هذه الرؤية تشمل السيطرة على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأجزاء من الأردن، ولبنان، وسوريا، ومصر، في إطار مشروع توسعي لا يخفي جذوره العقائدية والاستعمارية.
وأضاف: "لذلك، إذا كنتَ تسألني عما إذا كان لدي شعور بمهمة تاريخية وروحية، فالجواب هو نعم". وقدم المحاور لنتنياهو ما وصفه بأنه خريطة على شكل تميمة تُظهر "إسرائيل الكبرى".
لم يكن نتنياهو يطلق مجرد شعار سياسي أو عبارة دعائية، بل كان يستدعي مشروعا أيديولوجيا وإستراتيجيا ممتدا عبر قرن من الزمن.
لقد برز مصطلح "إسرائيل الكبرى" بقوة بعد حرب يونيو/حزيران 1967، حين احتلت "إسرائيل" مساحات واسعة من الأراضي العربية شملت القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان السورية.
ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا المفهوم جزءا من أدبيات التيار اليميني الصهيوني، مستندا إلى تفسيرات توراتية وروايات تاريخية مزورة تسعى لتبرير الاستيطان والاحتلال ورفض أي انسحاب.
في يناير/كانون الثاني الماضي، نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية خريطة دعائية تزعم وجود "مملكة يهودية" قبل آلاف السنين تمتد على مساحات واسعة تشمل فلسطين، والأردن، ولبنان، وأجزاء من سوريا، ومصر.
وقد رأى مراقبون في هذه الخطوة محاولة لتكريس الطموح التوسعي وإضفاء شرعية تاريخية زائفة على الاحتلال. وتعود جذور هذه الفكرة إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير؛ إذ تتشابك مع عقائد تأسيسية في الفكر الصهيوني مثل "نظرية الجدار الحديدي" و"عقيدة الأطراف". وهذه العقائد ليست مجرد أطروحات نظرية، بل هي خُطط عملية جرى تنفيذها على أرض الواقع عبر العقود.
بعد النكبة وحرب 1948، طبقت "إسرائيل" المرحلة الأولى من مشروعها وهي الإزاحة، عبر التطهير العرقي والتهجير الواسع للفلسطينيين
تعود أصول نظرية "الجدار الحديدي" إلى زئيف جابوتنسكي، أحد أبرز منظري الصهيونية في النصف الأول من القرن العشرين. وقد أوضح أن المشروع الصهيوني لا يمكن أن يستمر أو يتطور إلا تحت حماية سلطة مستقلة عن السكان الأصليين تقيم حوله "جدارا حديديا" يمنع العرب من اختراقه. وهذا الجدار ليس بالضرورة ماديا، بل هو سياسي وعسكري يهدف إلى أن يصل العرب إلى قناعة باستحالة إزالة الكيان الصهيوني فيقبلونه كأمر واقع.
وقدم موشيه ديان، أحد أبرز القادة العسكريين "الإسرائيليين"، تفسيرا عمليا للنظرية حين قال إن "إسرائيل"، بحكم وجودها، ستظل محاطة بأعداء سواء في زمن الحرب أو السلام، مما يستوجب تحصينها دائما.
بعد النكبة وحرب 1948، طبقت "إسرائيل" المرحلة الأولى من مشروعها وهي الإزاحة، عبر التطهير العرقي والتهجير الواسع للفلسطينيين.
لكن المرحلة التالية كانت التوازن، حيث سعت "إسرائيل" إلى تأمين نفسها من أي تهديد عربي عبر التحصين الدبلوماسي والعسكري. وهنا تحول "الجدار الحديدي" من فكرة إلى سياسة عملية تجسدت في التحالف مع الغرب، وبناء شبكة علاقات مع دول محيطة غير عربية، مستغلة الانقسامات الداخلية في المجتمعات العربية.
تصريحات نتنياهو، التي تمثل إعلانا صريحا عن مشروع استعماري طويل الأمد، قوبلت بصمت عربي رسمي مطبق تقريبا. بل إن بعض الأنظمة سارعت إلى اتخاذ خطوات تطبيعية مع الاحتلال، مستغلة الحروب التي تشهدها المنطقة والانقسامات العربية الحادة.
هذا الموقف، الذي يتأرجح بين الانبطاح والتواطؤ السياسي، مكن نتنياهو من المضي قدما في سياساته دون خشية من رد فعل عربي حقيقي.
والأدهى من ذلك أن بعض الدول العربية، التي يُفترض أن تكون في موقع المواجهة مع هذا المشروع التوسعي، انخرطت في تحالفات أمنية واقتصادية مع الاحتلال، متجاهلة أن "رؤية إسرائيل الكبرى" تضع أراضيها ضمن حدودها المزعومة.
لم تقتصر رؤية "إسرائيل الكبرى" على التحالفات، بل استهدفت المجتمعات العربية من الداخل. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، قام رؤوفين شيلواح، صديق بن غوريون وأول رئيس للموساد لاحقا، بزيارة العراق وإنشاء شبكة استخباراتية تركز على استقطاب الأقليات
تستغل حكومة الاحتلال مسار التطبيع العربي لترسيخ وجودها في المنطقة كشريك لا كعدو. وقد منحت هذه السياسة نتنياهو هامشا واسعا للاستمرار في الاستيطان وتهويد القدس وتوسيع السيطرة على الضفة الغربية، دون خشية من عزلة سياسية إقليمية.
وفي ظل هذا المناخ، يغتنم الاحتلال الفرصة لتعزيز نفوذه في مجالات الأمن والتجارة والتكنولوجيا على حساب الحقوق العربية والفلسطينية.
إن تمسك نتنياهو برؤية توسعية تشمل أراضي دول عربية يعني أن أي صفقات تطبيع أو اتفاقيات سلام ستظل رهينة لمشروع استعماري لا يعترف بالحدود، ولا يرى في العرب سوى فراغ جغرافي قابل للابتلاع.
وإذا لم يتحول الصمت العربي إلى موقف ردع فعلي، فإن العقود القادمة قد تشهد خطوات عملية نحو تنفيذ أجزاء من هذه الرؤية، سواء عبر الحروب المباشرة أو الهيمنة الاقتصادية والسياسية.
ولم تقتصر رؤية "إسرائيل الكبرى" على التحالفات، بل استهدفت المجتمعات العربية من الداخل. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، قام رؤوفين شيلواح، صديق بن غوريون وأول رئيس للموساد لاحقا، بزيارة العراق وإنشاء شبكة استخباراتية تركز على استقطاب الأقليات.
وفي 1948، اقترح عضو الكنيست باروخ أوزيل تحالفا بين "إسرائيل" وأقليات المنطقة: الموارنة والعلويون والأكراد والأرمن. ولاحقا، دعمت "إسرائيل" تمرد الأكراد في العراق عبر عملية "أثينا" 1963 بالتعاون مع "سافاك" الشاه.
وفي اليمن، والسودان، ولبنان، تكررت الإستراتيجية ذاتها: دعم تيارات انفصالية أو أقليات لخلق بؤر توتر دائمة تتيح لـ"إسرائيل" التدخل غير المباشر. فمن جابوتنسكي إلى نتنياهو، تتضح معالم مشروع "إسرائيل الكبرى" كخطة إستراتيجية لا مجرد حلم أيديولوجي.
إذا استمر الانقسام والصمت في المشهد العربي، فإن "رؤية إسرائيل الكبرى" قد تتحول من مجرد شعار إلى واقع جغرافي وسياسي مفروض بالقوة
إن "الجدار الحديدي"، و"عقيدة الأطراف"، والتحالف مع الغرب، وتفكيك المجتمعات العربية، كلها أدوات تصب في خدمة هدف واحد: تثبيت "إسرائيل" ككيان مهيمن وطبيعي في المنطقة، وإجبار العرب على القبول بوجودها.
تصريحات نتنياهو الأخيرة ليست إذن خروجا عن هذا المسار التاريخي، بل امتدادا له، وربما خطوة إضافية نحو تحويل "إرتز يسرائيل" من مجرد خريطة في الذهن الصهيوني إلى واقع ملموس على الأرض.
إنها ليست مجرد دعاية سياسية، بل إعلانا عن برنامج طويل الأمد يضع الاحتلال في مواجهة مباشرة مع الحقوق التاريخية للشعوب العربية. وبين التواطؤ العربي والدعم الغربي، يستمر هذا المشروع في التوسع، مستندا إلى خطاب ديني قومي يمزج بين الأسطورة والواقع، وبين القوة العسكرية والشرعية المزعومة.
وإذا استمر الانقسام والصمت في المشهد العربي، فإن "رؤية إسرائيل الكبرى" قد تتحول من مجرد شعار إلى واقع جغرافي وسياسي مفروض بالقوة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.













