في عالم تمزّقه الحروب وتُقيّده اللغات والحواجز الثقافية، تظهر تجارب لأشخاص قرروا ألا يستسلموا.. وقصة وليد خالد واحدة من تلك التجارب!
شاب سوري حمل في قلبه وجع بلاده، لكنه قرر أن يجعل من هذا الألم طريقًا لبناء مستقبل أفضل، ليس لنفسه فقط، بل لمجتمعه أيضًا.. وُلد وليد وترعرع في مُحافظة درعا السورية، ودرس التمريض في جامعة تشرين في اللاذقية، فقد كان جل حلمه خدمة الإنسان والمجتمع.
مع اشتداد الحرب في سوريا وفرض التجنيد الإجباري، وجد وليد نفسه أمام خيارين صعبين: إما أن يُجبَر على الالتحاق بجيش النظام والمشاركة في قتل أبناء وطنه، وهو ما كان يرفضه تمامًا، أو أن يهرب بحثًا عن حياة تحفظ مبادئه؛ فاختار الهروب حاملًا في قلبه وجع الجرحى وصدى صراخ المصابين، الذي ظل يرافقه حتى في غربته.
في ألمانيا، حيث تبدأ حياة جديدة غالبًا من نقطة الصفر، لم يكن الطريق معبّدًا، لكن وليد -الذي استبدل بسماعة التمريض لوحة مفاتيح الحاسوب- قرر أن يجعل من المهارات الرقمية وسيلة لتجاوز الحواجز.
بدأ بالدراسة والتعلم الذاتي في البرمجة والتسويق الرقمي، حيث حصل على منحة لدراسة البرمجة في جامعة لندن عن بعد، ثم بعد حصوله على دبلوم في البرمجة أخذ على عاتقه نقل هذه المعارف إلى الآخرين.
"إيراد" ليست مجرد أكاديمية، بل هي تجسيد حي لقوة التحول الإنساني! إنها مساحة يتصالح فيها الإنسان مع ماضيه، ويعيد تعريف مستقبله عبر المعرفة
ثمار العلم والتعليم للجميع
جاءت الفكرة من تعليق بسيط على فيسبوك.. شاب يبحث عن "كورس"، وصديقة تشير إلى وليد، ومن هنا بدأت الحكاية! لم يكن ذلك مجرد تدريب، بل بداية رؤية أوسع: تحويل المعرفة إلى جسور أمل.
أنشأ وليد أكاديمية "إيراد" لتعليم البرمجة والتكنولوجيا باللغة العربية، لتكون الأولى من نوعها المعترف بها في ألمانيا. بالنسبة لوليد، كانت الأكاديمية استمرارًا لروح الثورة السلمية، ولكن بشكل مختلف؛ فالكلمة هذه المرة ليست هتافًا في الشوارع، بل سطرًا برمجيًّا يفتح أبواب العمل والمعرفة للمهاجرين واللاجئين.
العائلة كحاضنة للأمل
لم يكن وليد وحده في رحلته؛ زوجته سُرى القدور (خريجة صيدلة من جامعة إيبلا) شاركته الفكرة والتأسيس. وتنتمي سُرى لعائلة ترى في العلم وسيلة للبقاء والتطور، فكانت البيئة التي دعمت فكرة "إيراد" من الجذور.
سُرى، التي عاشت مرارة الحرب، أرادت أن توفّر بيئة تعليمية تُراعي خصوصية المهاجرات، خصوصًا من تواجه منهن صعوبات في تعلم لغة جديدة.. تقول: "التعلم من المنزل لم يكن خيارًا ترفيهيًّا، بل ضرورة.. كثير من السيدات يحتجن إلى حلول مرنة تساعدهن على التطور دون أن يضحين بأدوارهن الأخرى".
كذلك، أكدت والدتها -المهندسة هالة حامض- على أهمية دور الأكاديمية في تمكين المرأة، مشيرة إلى أن المشروع لم يكن مجرد مبادرة فردية، بل حلمًا عائليًّا مشتركًا، نضج على نار التجربة وحب العلم ونقله للآخرين. وهذا ما أشار إليه أيضًا السيد محمود قدور، شقيق سُرى وخريج ريادة الأعمال، حيث ساهم في تطوير المشروع، معتبرًا أن الفكرة تجسّد جوهر الريادة الحقيقية: تقديم حل فعلي لحاجة مجتمعية مُلحّة، وهي توفير تعليم البرمجة باللغة العربية.
اليوم، تضم الأكاديمية عشرات الطلاب، وتفتح أبوابها لكل من يسعى لبناء حياة جديدة. إنها ليست مجرد منصة تعليمية، بل هي مجتمع صغير يؤمن بأن الثورة الحقيقية تبدأ من الفكر
الاعتراف الرسمي وتحقيق التأثير الاجتماعي
استغرق الحصول على الاعتراف الرسمي كأكاديمية تعليمية في ألمانيا وقتًا وجهدًا كبيرين، لكنه كان شرطًا أساسيًّا لضمان جودة التعليم والفرص. واليوم، تقدم الأكاديمية كورسات في البرمجة والتسويق والتصميم وصناعة المحتوى، بإشراف مدربين من أصول مهاجرة، يسعون بدورهم لتمكين غيرهم.
من بين الأهداف الاجتماعية التي وضعتها الأكاديمية:
- كسر حواجز اللغة أمام المهاجرين.
- تقديم تعليم عالي الجودة بلغة مألوفة.
- تمكين المرأة من التعلم والعمل من المنزل.
- مساعدة الطلاب في بناء سير ذاتية قوية والانخراط في سوق العمل.
وهنا، يتحوّل العلم إلى ملاذ، والمعرفة إلى أداة شفاء، والأمل إلى رسالة تُمنح بسخاء لكل من تقطعت به السبل.
هذا النموذج التعليمي لا يقتصر على نجاح شخصي، بل يعكس رؤية اجتماعية تُبرز أهمية التعليم باللغة الأم، كعامل رئيسي في تسهيل الاندماج وتعزيز فرص العمل
اليوم، تضم الأكاديمية عشرات الطلاب، وتفتح أبوابها لكل من يسعى لبناء حياة جديدة. إنها ليست مجرد منصة تعليمية، بل هي مجتمع صغير يؤمن بأن الثورة الحقيقية تبدأ من الفكر، وأن تمكين الإنسان هو أقوى أشكال المقاومة.
هذا النموذج التعليمي لا يقتصر على نجاح شخصي، بل يعكس رؤية اجتماعية تُبرز أهمية التعليم باللغة الأم، كعامل رئيسي في تسهيل الاندماج وتعزيز فرص العمل، لا سيما في مجتمعات اللجوء والاغتراب، وأن التغيير قد يبدأ بفكرة نافعة وإرادة حقيقية ومجهود مستمر، ليس فقط للوصول وإنما للتطوير والإبداع أيضًا.
"إيراد" ليست مجرد أكاديمية، بل هي تجسيد حي لقوة التحول الإنساني! إنها مساحة يتصالح فيها الإنسان مع ماضيه، ويعيد تعريف مستقبله عبر المعرفة.. هي شهادة حيّة على أن الألم -مهما اشتد- يمكن أن يتحوّل إلى مصدر إلهام وأمل، إذا قررنا أن نمنحه معنى، ونُهديه لغيرنا ليكون بداية لحياة جديدة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.












