• تخطى إلى المحتوى الرئيسي

الجزيرة

تصفح في التطبيق

حمل التطبيق
البث الحي
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • رياضة
  • رأي
  • ميدان
  • متخصصة
  • محليات
  • فيديو
الحسابالبث الحي
فلسطينانتخابات أمريكااليمنإيران
شعار قسم مدونات

إدلب.. حينما تصدأ أقلامنا قهرا

محمود كريّم
16 فبراير 2020

وقت القراءة: 6 دقائق

blogs إدلب

في الملمات لا مكان للمقدمات.. إن ما يحدث لأهلنا في إدلب والشمال السوري يجعل كل ذي قلب وحس إنساني يتوارى خجلاً من ضعفه وعجزه، فكل ما نقدمه ونحاول تقديمه يتلاشى أمام هول المأساة. وليس أقسى على الإنسان من أن يجد نفسه مكبلاً، في الوقت الذي ينتظر منه الناس أن يفعل الكثير، وما يزيد الألم ألا يكون ذلك نتيجة ضعف، وإنما عن خجل وتصاغر أمام عظيم ما يحدث.

    

منذ الأزل لم يكن للكتّاب إلا أقلامهم، هي سلاحهم يقارعون به الظلم والطغاة، وهي جهدهم الذي يشفع لهم أمام الناس، ودليلهم على أنهم جزء لا يتجزأ عن مجتمعهم في السراء والضراء. أما أن يصل بك الحال إلى لحظة تشعر فيها أن سلاحك الوحيد الذي كنت تقارع به قد سُلب منك وبطل مفعوله في أشد حاجتك إليه، فذاك والله قهر الرجال، تحاول أن تقاطع الشبكات الاجتماعية والقنوات وتتجنّب مجالسة الناس، حتى لا تسمع المزيد من الأخبار التي ينفطر لها قلبك العاجز، ولكن عبثا تحاول.

   

يصل بك الحال إلى أن تتحاشى النظر في وجه طفلك حتى لا تتراءى لك صورة القهر والحرمان المرتسمة على وجوه آلاف الأطفال على امتداد الشريط الحدودي، تعاف نفسك الطعام الذي تغَص به وأنت تتخيل آلاف المهجرين الذين يتضورون جوعا، تحس بوخز الضمير من دفء جسدك، في الوقت الذي ترتعش آلاف الأجساد في العراء قهراً وبردا.

 

تصدأ أقلامنا قهراً لا عجزاً.. حين نرى الرجل يتنزّى قلبه ألماً وهو يرى قطع جسده أمام عينيه، يتضورون جوعاً وبرداً، ومنّا مَن لا يزال يتلذذ بنشر صور طعامه وشرابه ولباسه على شبكات التواصل

 

أينما توجهت تتراءى لك آلاف الصور والمشاهد التي تدينك وتذكرك بعجزك وتقصيرك. أين تذهب من كل تلك القيود التي تكبل عقلك وتعقد لسانك، فتترك كلماتك حبيسة قلبك الذي يكاد يتفطّر ألما، ثم تريد لقلمك بعد كل ذلك أن يبقى دفّاقاً ويقاوم الصدأ؟ نعم الصدأ، فالصدأ يكبل الأقلام كما ينخر العجز النفوس، نعم.. تصدأ أقلامنا قهراً لا عجزاً.. ونحن نرى ذلك العجوز السبعيني وهو يذرف دموع القهر بعد أن اضطر مكرهاً لترك أرضه ودياره التي قضى فيها عمره، ليبدأ رحلة النزوح والتهجير التي سبقه إليها ملايين السوريين؛ ولا زالوا.

   

نعم.. تصدأ أقلامناً قهراً لا عجزاً.. ونحن نرى ذلك الرجل الذي حمل طفلته على ظهره ذات صباح، ومشى بها ساعات في البرد القارس ليوصلها إلى المشفى، علّه يجد فيها العلاج والدفء اللذين عجَز عن توفيرهما لها، ليتفاجأ حين وصوله أن ابنته ميتة من البرد، وقد كان يحمل جثتها طول الطريق! كم يحتاج قلبك من الشجاعة للنظر في صورة تلك الطفلة؟ وكيف لقلمك أن ينطق أمام هول هذا المشهد؟ ومن أين له بتلك القوة لمواصلة النحت على الورق، وأنت تعلم أن كل قوى الأرض -ولو اجتمعت- لن تمده بقوة وعزيمة ذلك الرجل!

    

نعم.. تصدأ أقلامنا قهراً لا عجزاً.. أمام جسد ذلك الطفل المرتعش من البرد، وهو يلعب بالطين أمام خيمته التي أصبحت بالنسبة له بقايا وطن، وصورة مستقبل أشد مرارة من الحاضر، نعم.. تصدأ أقلامنا قهراً لا عجزاً.. حين يصبح الحصول على خيمة حلماً لآلاف الأسر المهجرة، في الوقت الذي يتفاخر فيه قوم من بني جلدتنا -زعموا- ويرفعون رؤوسهم بـ (مرحاض) مرصّع بالذهب الخالص!

   

نعم.. تصدأ أقلامنا قهراً لا عجزاً.. حين نرى طوابير الحافلات التي تحمل آلاف العائلات وملايين الذكريات، تنتظر أن تخرج من جحيم القصف إلى مناطق أقل رعباً، وقد حوصروا في شريط حدودي لا يتعدى الكيلومترات، وأوصدت أمامهم الأبواب من كل جانب، وكأنهم مرض معد، نعم.. تصدأ أقلامنا قهراً لا عجزاً.. وقد أضحى شهداؤنا أرقاماً لا أكثر، تزداد كل يوم، وإن قُتل جندي أو مرتزق من الغزاة تسير الطائرات لتلقي بحممها على الأبرياء العزّل من جديد، حتى صرنا نحمد الله إن مر يوم وكانت والغارات وحصيلة الضحايا فيه أقل من الأمس.

    

نعم.. تصدأ أقلامنا قهرا لا عجزا.. ونحن نشاهد أرضنا التي تحررت بدماء خيرة شبابنا تُقتَطع الواحدة تلو الأخرى، جراء مراهقات فصائلنا، وفي سبيل إثبات نظريات وعبقريات بعض القادة العسكريين التي فاقت عبقرية خالد والمثنى وعمرو بن العاص، نعم.. تصدأ أقلامنا قهراً لا عجزاً.. حين نرى الرجل يتنزّى قلبه ألماً وهو يرى قطع جسده أمام عينيه، يتضورون جوعاً وبرداً، ومنّا مَن لا يزال يتلذذ بنشر صور طعامه وشرابه ولباسه على شبكات التواصل، ويشبع عقد نقصه في استعراض الأماكن والمتنزهات التي زارها.

  

نعم.. تصدأ أقلامنا.. وحق لها أن تصدأ. فللقلم روح وأحاسيس مرهفة تضاهي أحاسيس الكثير من البشر، ولكن تلك الأقلام رغم صدئها ينبغي ألا تعجز وألا تتوقف، فهي الشاهد الوحيد للمستقبل على عظيم مأساتنا، وهي الدليل على انحطاط العالم -كلِّ العالم- وتآمره علينا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

محمود كريّم

حول هذه القصة

  • blogs سوريا

    لماذا باعت تركيا الثورة السورية؟!

    2/2/2020
  • blogs ثورة يناير

    الثورة فكرة.. والفكرة تموت

    7/2/2020
  • blogs تركيا

    هل يسقط اللعب التركي من فوق حبل السيرك السوري؟

    10/2/2020
  • blogs قبر عمر بن عبد العزيز

    الشام بين غراب يدفن وغربان طائفية تنبش

    12/2/2020

المزيد من المدونات

  • ثلاث رسائل من وحي فوز عبدول السيدماذا تقول تجربة عبدول السيد في سباق ميشيغان عن الدين والسياسة والحرية؟ ثلاث رسائل إلى شباب الإسلاميين والشعوب العربية والمرشح نفسه.. كيف تتحول أصوات الناخبين إلى عمل يغير حياتهم؟
  • كيف غيرت الجزيرة طريقتنا في متابعة أخبار سوريا؟اشترى جهاز استقبال ليشاهد الجزيرة، فإذا به يرى بلده خارج الرواية الرسمية. في ثلاثينية القناة، يستعيد الكاتب دهشة المشاهدة الأولى، وكيف تابع عبر شاشتها بدايات الثورة السورية..
  • ترمب بعد انتخابات التجديد النصفي.. هل جعل أمريكا "عظيمة"؟ماذا لو كانت أعظم خدمة قدمها ترمب لأمريكا هي هزيمته؟ قراءة ساخرة في رئيس اختبر صلابة مؤسساتها وكشف هشاشتها، وفي شعبوية لا تختفي من المشهد بمجرد خسارة الانتخابات..
  • مسلمو سريلانكا.. كيف يجمعون بين الهوية والمواطنة؟كيف يحافظ مسلمو سريلانكا على هويتهم ويشاركون في صنع مستقبل وطنهم؟ من حماية الحقوق الدينية إلى قضايا التعليم والعمل والعدالة، تستكشف التدوينة ما يضيفه فقه المواطنة إلى فقه الأقليات..

الأكثر تداولاً الآن

  1. 1لوكسمبورغ.. أغنى دول أوروبا تسهل هجرة أصحاب 20 مهنةمحمد صلاح
  2. 2خصم نتنياهو وشريكه في الإبادة.. من هو غادي آيزنكوت؟علي سعادة
  3. 3جاؤوا لطردها من شقتها فوجدوها هيكلا عظميا.. ما قصة طبيبة العيون المصرية؟
  4. 4شهادة ضابط استخبارات أمريكي: لماذا أخطأنا في فهم اليمن؟أحمد مولانا
  1. 5تكليف الرئيس لا يكفي.. 4 سيناريوهات أمام آيزنكوت لتشكيل الحكومة
  2. 6إيران.. اصطدام ناقلتي نفط بألغام بحرية وواشنطن تعطل سفينة بخليج عُمانرضا ياسين
  3. 7ما وراء ظهور رئيس حزب البشير والرسائل التي أطلقها؟النور أحمد النور
  4. 8"طالع نازل".. كيف تحول مثلث حب مكرر إلى ساحة محاكمة؟ياسمين عادل

تابع الجزيرة نت على:

  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

تابع الجزيرة نت على:

من نحن
  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
تواصل معنا
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
شبكتنا
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
قنواتنا
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية