• تخطى إلى المحتوى الرئيسي

الجزيرة

تصفح في التطبيق

حمل التطبيق
البث الحي
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • رياضة
  • رأي
  • ميدان
  • متخصصة
  • محليات
  • فيديو
الحسابالبث الحي
فلسطينانتخابات أمريكااليمنإيران
شعار قسم مدونات

مع رضوى في غرناطة

د.خولة حطاب
17 ديسمبر 2017

وقت القراءة: 7 دقائق

مدونات - رواية ثلاثية غرناطة
كان لقائي الأول بها بعد وفاتها -رحمها الله- بأشهر قليلة، ظلّت روايتها على مكتبي بضعة أشهر في مشروع قراءة مؤجَّل، وكلما كنت أنظر إليها كنت أشعرها تنظر إليّ نظرات لا أستطيع تفسيرها، حتى فجعنا بخبر وفاة صاحبتها، تألَّمت كثيراً، ولمت نفسي؛ لتأجيلي ذلك اللقاء، وذات مساء ثلجي تناولت الثلاثية. قد آن أوان لقاء تأجَّل كثيراً.
 
رحت أنتقل بين صفحات الرواية بسلاسة، صفحة صفحة، وحدثاً يتلو حدثاً، شعرت لفترة أنني أعيش ذلك الزمن بين شخصياته، أعاني وأفرح معهم، أكاد أشمُّ رائحة طهي طعامهم، وأشمُّ رائحة الخزامى تفوح من بيوتهم، لأكتشف فيما بعد أنَّ هذه ميزة اختصَّت بها رضوى في كلِّ أعمالها، والتي عكفتُ على قراءتها تباعاً؛ حتى أنهيتها جميعاً. وتأتي هذه الكلمات بعد القراءة الثانية ل "ثلاثيَّة غرناطة".
 
تتكوَّن رواية "ثلاثيَّة غرناطة" من أجزاء ثلاثة (غرناطة، ومريمة، والرحيل). في الفترة الزمنية الممتدة منذ سقوط غرناطة، بتوقيع معاهدة الاستسلام التي سلَّم بموجبها الأمير أبو عبد الله الصغير، آخرُ ملوك بني الأحمر غرناطة سنة 1492م، ويمتدُّ الجزء الأول حتى سنة1527 م بحرق سليمة، أما الجزء الثاني فيبدأ بعد مُضيِّ ما يقارب 15 عاماً من نهاية الجزء الأول، وينتهي سنة 1579م، بعد سحق ثورة البشرات الثانية، في حين يمتدُّ الجزء الثالث حتى سنة 1906م، وصدور قرار بترحيل العرب المنتصرين من الأندلس.
 

تنقلنا رضوى لذلك العصر الذي شهد سقوط غرناطة، آخر معاقل العرب والمسلمين في الأندلس، ولكن بتمرُّد على المألوف، فقد أخذت كاميرتها الخاصة بعيداً عن القصور، ودموع الأمير أبي عبد الله الصغير لحيِّ البيازين أحد أحياء غرناطة، حيث أبو جعفر الورّاقي الذي يرعى عائلة مكوَّنة -بالإضافة له- من زوجته أم جعفر، وأرملة ابنه جعفر "أم حسن"، وحفيديه سليمة وحسن، وطفل رعاه صغيراً، وعلَّمه حرفة التجليد "نعيم"، وينضمُّ لهذه الأسرة سعد المالقي الذي يرعاه، بعد أن فقد أسرته في مالقا، ليتزوَّج فيما بعد حفيدته سليمة التي يحكم عليها بالموت حرقاً، بعد اتهامها بممارسة السحر؛ نتيجة شغفها بقراءة الكتب، والاطِّلاع على ما خلَّفه الآباء والأجداد من علوم ومعارف أسهمت في علاج الكثيرين من أهل غرناطة، لكنها وبشغفها هذا خالفت القوانين التي منعت تداول الكتب العربية، وتموت سليمة حرقاً في الجزء الأول، ويموت زوجها كمداً عليها، كما مات جدُّها قهراً، حين شاهد الكتب والمؤلَّفات تُحرق في مشهد مؤثر أبدعت رضوى في وصفه، حتى تكاد تموت قهراً، وأنت تقرأ المشهد، فإن كنت من محبي الكتب فعليك أن تتخذ احتياطاتك، وأنت تمرُّ بين سطوره.
 

undefined
  
تعرض رضوى في روايتها للحالة الاجتماعية (مراسم الزواج، مواسم قطاف الزيتون، دفن الموتى)، والحياة الاقتصادية (الضرائب، الميراث)، والحياة السياسة (الثورات)، الحياة الدينية (طقوس العبادة، الطهور، إحياء الأعياد) كل هذه الممارسات التي كان يمارسها الناس هناك، ولكن تصبح تُهَماً -وبخاصَّة ما يرتبط بها بكلِّ ما هو عربي، ومسلم- تَفتح أبواب السجن، وتقول: هل من مزيد؟ تصوِّر رضوى ما وقع على الأهل هناك، مِن تطهير عرقيٍّ مُورس عليهم في أبشع صُوَره، فليس أبشع من حرمان المرء أن يتحدث، أو يكتب بلغته، وفي محاولة للحفاظ على إرثهم يُهرِّبون الكتب والمؤلفات إلى الكهوف والسراديب، يضيق الأهل فتقوم ثورة البشرات الأولى (1499-1502) الأمر الذي عُدَّ انتهاكاً للمعاهدة؛ فقامت على إثرها إيزابيلا بإلغاء كلِّ التعهدات التي تقضي بالتسامح مع المسلمين، والمُضي في إكراههم على التنصُّر، أو الطرد.
 
يشهد الجزء الأول موت أبي جعفر، وأم جعفر، وسليمة وسعد اللذين يتركان عائشة طفلة تتجاوز الثالثة بقليل، تتولى رعايتها مريمة وخالها، فتتزوج هشام وينجبان "علي" الذي تتولى جدته رعايته بعد وفاة أمه، وهروب والده. فيما كان حسن يحاول النأي بأفراد أسرته بعيداً عن كلِّ ما مِن شأنه أن يعرَّضهم للمحاكمة، حتى لو اقتضى الأمر أن يرفض إيواء أنسبائه. إلا أن زوجته مريمة تتألق في الجزء الثاني؛ شخصية شديدة اللماحية ترفض الرحيل، وتصرُّ على التمسُّك بعقيدتها، وهُويتها معتقدة أنَّ الظاهر لا يمكن أن يغير ممّا في القلب، وتحاول القبض على جمر الأمل، وتوظف ما تملكه من ذكاء وحنكة، حتى تقوم ثورة البشرات الثانية (1568-1571) بقيادة محمد بن أمية، ومن بعده ابن عبو، لكن مصيرها كسابقتها. "المشكلة أنَّ قادتنا كانوا أصغر منَّا، كنَّا أكبر وأعفى وأقدر منهم، ولكنهم كانوا القادة، انكسروا فانكسرنا". يأتي الأمر بالرحيل قاسياً، ترفضه مريمة فيضطر "علي" للتحايل على جدَّته لتنفيذه، لكنها تموت في الطريق في العراء.
 
 "الرحيل" عنوان الجزء الثالث تتألق فيه بالإضافة لشخصية "علي" شخصيةُ "عمر الشاطبي" رجل دين فقيه، كبير قرية الجعفرية التي يرحل إليها "علي" بعد أن عزَّ عليه المُقام في غرناطة مستقصياً أثر إحدى عمَّاته التي تزوَّجت هناك، ليجدها رحلت فيقيم بين الجعفرية وبالنسية.
 

تميَّزت رضوى بلغة جميلة، تنِمُّ عن معرفة، تمنحك رواية تاريخية، لكنها لا تكتب تاريخاً؛ فتندفع لبطون الكتب، تقرأ عن أمَّة هناك عاشت في الأندلس، واختفت
تميَّزت رضوى بلغة جميلة، تنِمُّ عن معرفة، تمنحك رواية تاريخية، لكنها لا تكتب تاريخاً؛ فتندفع لبطون الكتب، تقرأ عن أمَّة هناك عاشت في الأندلس، واختفت
 
يعلم عمر الشاطبي الفقه والدين لمن التمس فيهم النَّباهة؛ فيسرج لهم السراج، ليستمر حمل القنديل، في إشارة إلى تناقل العلم والدين والفقه جيلاً، إثر جيل سراً، ولا يقتصر دور عمر الشاطبي على نقل العلوم وإيداعها في قلوب الشباب، إنما يسعى لإصلاح ذات البين، وحقن الدماء بين العوائل المتنازعة، والتي دبَّ الخلاف بين أبنائها؛ حتى استحال عداء دامياً لسنوات، "وكأن همَّاً واحداً لا يكفي" وما أشبه اليوم بالبارحة! ففي الوقت الذي ينقضُّ على أمَّتنا الأعداءُ من كلِّ حدَب وصوب، ينهشونها ويمزِّقونها، ينشغل أهلُنا بنزاع بيني، يقضي على كلِّ أمل بالتغيير، فالنزاع بين الأخوة في فلسطين، والحروب الطائفية والخلافات في الخليج، كلُّها نزاعات نحن في غنىً عنها.
 
تكثر الشخصيات في الرواية، لكن رضوى تبدع في تجسيدها ومراعاة تطوُّرها، عبر الأحداث، وبرغم النهاية المأساوية لجميع الأبطال "الموت"، وبرغم كمِّ الحزن والعذابات التي ترويها السطور، إلا أنَّ رضوى تمنحك فسحة من خفَّة الروح في بعض المشاهد، لا تملك معها إلا أنْ تضحك، وربما يعلو صوتك عالياً.
 
تميَّزت رضوى بلغة جميلة، تنِمُّ عن معرفة، تمنحك رواية تاريخية، لكنها لا تكتب تاريخاً؛ فتندفع لبطون الكتب، تقرأ عن أمَّة هناك عاشت في الأندلس، واختفت، كانوا ينتظرون مددًا لم يصل من الشام والعراق ومصر، وطرحت أسئلة أكثر تجعلك تحكُّ رأسك وتتساءل: لماذا يحدث كلُّ هذا؟! ثمَّة الكثير ممَّا يمكن أن يقال، لكن في نهاية المطاف ترسل رسالة مفادُها أنَّ الصمود حياة، وأنَّ الموت، كلَّ الموت، في الرحيل. ولعلَّها رسالة تثبَّت فيها أهلُنا في فلسطين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

د.خولة حطاب

حول هذه القصة

  • كتاب ألفته / كتاب قرأته - الطنطورة - روايه : د. رضوى عاشور / كاتبه وروائيه مصرية - 25/01/2011

    رضوى عاشور: كل الروايات تاريخية

    20/1/2012
  • وفـاة الـكـاتـبـة والـروائـيـة الـمـصـريــة رضــوى عـاشـور عــن عـمــر نـاهــز 68

    الموت يغيّب الكاتبة المصرية رضوى عاشور

    1/12/2014
  • مراسم تشييع الكاتبة رضوى عاشور في القاهرة

    مصر والعرب يودعون الأديبة رضوى عاشور

    2/12/2014
  • غلاف كتاب الشتات الأندلسي

    الشتات الأندلسي.. محنة المسلمين بعد سقوط غرناطة

    27/10/2016

المزيد من المدونات

  • ثلاث رسائل من وحي فوز عبدول السيدماذا تقول تجربة عبدول السيد في سباق ميشيغان عن الدين والسياسة والحرية؟ ثلاث رسائل إلى شباب الإسلاميين والشعوب العربية والمرشح نفسه.. كيف تتحول أصوات الناخبين إلى عمل يغير حياتهم؟
  • كيف غيرت الجزيرة طريقتنا في متابعة أخبار سوريا؟اشترى جهاز استقبال ليشاهد الجزيرة، فإذا به يرى بلده خارج الرواية الرسمية. في ثلاثينية القناة، يستعيد الكاتب دهشة المشاهدة الأولى، وكيف تابع عبر شاشتها بدايات الثورة السورية..
  • ترمب بعد انتخابات التجديد النصفي.. هل جعل أمريكا "عظيمة"؟ماذا لو كانت أعظم خدمة قدمها ترمب لأمريكا هي هزيمته؟ قراءة ساخرة في رئيس اختبر صلابة مؤسساتها وكشف هشاشتها، وفي شعبوية لا تختفي من المشهد بمجرد خسارة الانتخابات..
  • مسلمو سريلانكا.. كيف يجمعون بين الهوية والمواطنة؟كيف يحافظ مسلمو سريلانكا على هويتهم ويشاركون في صنع مستقبل وطنهم؟ من حماية الحقوق الدينية إلى قضايا التعليم والعمل والعدالة، تستكشف التدوينة ما يضيفه فقه المواطنة إلى فقه الأقليات..

الأكثر تداولاً الآن

  1. 1إيران.. انفجارات غامضة في قشم وجاسك وواشنطن تعلن تشكيل قوة “البوابة الحديدية”رضا ياسين
  2. 2الرئيس الإسرائيلي يكلف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة
  3. 3لوكسمبورغ.. أغنى دول أوروبا تسهل هجرة أصحاب 20 مهنةمحمد صلاح
  4. 4شهادة ضابط استخبارات أمريكي: لماذا أخطأنا في فهم اليمن؟أحمد مولانا
  1. 5رسميا.. إقالة حسام حسن وتعيين علي ماهر مدربا لمنتخب مصر
  2. 6"جيه دي حبيبي".. كلمة عبدول الشهيرة تتحول إلى لجنة عمل سياسيأحمد عبد القوي
  3. 7هل بدأ القفز من سفينة ترمب؟.. الهزيمة الانتخابية تفتح الصراع داخل الحزب الجمهوريمحمود هدهود
  4. 8على دراجة برفقة طفليها.. أم مصرية تكافح لتوصيل الطلبات في شوارع القاهرةبشار أبو زكري

تابع الجزيرة نت على:

  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

تابع الجزيرة نت على:

من نحن
  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
تواصل معنا
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
شبكتنا
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
قنواتنا
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية