باريس- من ساحة الكونكورد الباريسية، افتتحت أروقة قصر البحرية، أو فندق "دو لا مارين"، كنوزا تاريخية من مجموعة الشيخ حمد بن عبد الله آل ثاني في 4 صالات عرض.
تحت عنوان "كنوز من مجموعة آل ثاني" تتكون هذه التشكيلة الاستثنائية من 120 تحفة فنية تمثل ثقافات وحضارات من العالم القديم حتى يومنا هذا، وتعكس شغف جامعها وعشقه للثقافة الفرنسية.
أخبار مقترحة
صُمم هذا المعرض على شكل فضاء حميمي خافت الإضاءة ليكشف عن كنز قديم يضم أواني ذهبية وفضية وقطعا حجرية منقوشة بدقة، ومجوهرات ومخطوطات ثمينة.
كنوز فنية
في جو ساحر وسينوغرافيا معاصرة، تتكشف هذه الأعمال بأناقة على طول 4 قاعات عرض. تضم أولاها قطعا رمزية من عصور مختلفة لكل منها حكاية خاصة ترويها، مثل رأس فرعون منحوت من اليشب الأحمر يرجع تاريخه إلى ذروة الحضارة المصرية القديمة.
بالإضافة إلى كأس اليشم للإمبراطور المغولي جهانكير، وتمثال برونزي من عهد أسرة هان الصينية على شكل دب، وقلادة خشبية نادرة على شكل قناع من حضارة المايا (200ـ600 ق.م).
وتتميز الغرف الأخرى بديكور بسيط ومميز، تضم ثانيتها تمثالا نصفيا من العقيق الأبيض للإمبراطور هادريان، صنع في ورشة بلاط فريدريك الثاني، ملك شوابيا، ورأس ذخائر فانغ من الغابون (1770ـ 1850).

روائع بلاد الإسلام
تستضيف صالة العرض الثالثة، المخصصة للمعارض المؤقتة، روائع من بلاد الإسلام من عصر الخلافة الأموية إلى إمبراطورية المغول، بما في ذلك سيوف عثمانية ومخطوطات ومنسوجات ومجوهرات وقطع من السيراميك، وكأس الإمبراطور جهانكير، الذي يعتبر أقدم إناء من اليشم يمكن ربطه بإمبراطور مغولي ويعود تاريخه إلى عام 1607.
كما تعتبر ورقة من المصحف الشريف، التي يرجع تاريخها إلى القرن الخامس الهجري، من القطع الأيقونة في هذه المجموعة، خاصة وأن أصولها أثارت جدلا واسعا لأكثر من قرن. بالإضافة إلى فستان حريري من القطن والفراء صنع في آسيا الوسطى أو إيران.

وتضم الغرفة الرابعة والأخيرة تحفا ثمينة من أهمها: خدمة الطاولة التبتية بالذهب والفيروز لسلالة يارلونغ (600ـ800 م)، كأس ذهبي من مارليك، شمال غرب إيران. فضلا عن طبق فضي وذهبي من عهد سلالة الساسانيين يزن أكثر من كيلوغرام واحد يصور مشهد صيد للملك شابور الثاني، سوار يوناني على هيئة عقدة هيراكليس تنتهي خيوطها برؤوس سوداء (300 ق.م).
يقول أمين جعفر كبير أمناء مجموعة آل ثاني للجزيرة نت إن الشيخ حمد بن عبد الله آل ثاني اختار القطع المعروضة بنفسه والأكثر قربا إلى قلبه. وهو ما يعني أن هذه المجموعة تختلف عن المتاحف الكلاسيكية لأن نهجها موسوعي ويعتمد على اختيار شخصي يعكس مدى تنوع اهتمامات الشيخ وذوقه الرفيع، فضلا عن أنها تغطي فترة زمنية طويلة وتحتفل بالإبداع والقوة العالمية للفن عبر العصور.
وقد صممت صالات العرض من قبل شركة الهندسة المعمارية الباريسية "إيه تي تي إيه" ATTA، تحت إشراف الياباني تسويوشي تان، والذي أوصى به المصور والمهندس الشهير هيروشي سوجيموتو للشيخ حمد.
عاشق للفن
يذكر أن الشيخ حمد بن عبد الله كان يجمع قطع أثاث من القرنين الـ 17 والـ 18 المتميزة بذوق فرنسي فاخر منذ سن 18 عاما، ثم بدأ في اقتناء قطع فنية من المتاحف عام 2011، إلا أنه في البداية لم يفكر في عرضها أو افتتاح متحف.
وقال جعفر إن التحول جاء من اجتماع "حاسم" مع توماس كامبل مدير متحف متروبوليتان للفنون آنذاك الذي "أدرك على الفور أن المجموعة تستحق أن تُعرض على الجمهور".
عام 2014، نظم متحف نيويورك أول معرض للمجوهرات المغولية في المجموعة، والتي انتقلت لاحقا إلى متحف فيكتوريا وألبرت في لندن ثم قصر دوجي في البندقية عام 2017. وبعد ذلك بعامين، بيعت أكثر من 300 قطعة من تلك المجوهرات الهندية في مزاد كريستيز بنيويورك مقابل 109 ملايين دولار.
وبما أن كنوز مجموعة آل ثاني تسافر من متحف إلى آخر وفي كل أنحاء العالم، وبعضها لا يزال معروضا في متحف الأرميتاج الحكومي في سانت بطرسبرغ حتى 15 يناير/كانون الثاني، فقد كان من الضروري والبديهي إيجاد منزل دائم لها للمرة الأولى على الإطلاق.
وعليه، وقّعت مؤسسة آل ثاني اتفاقية مع مركز الآثار الوطنية، وهي الهيئة العامة التي تدير ما يقرب من 100 نصب تذكاري في جميع أنحاء فرنسا، لتخصيص 400 متر مربع من مساحة العرض في فندق "دو لا مارين" طوال العشرين عاما القادمة، مقابل رسوم إيجار تقدر بمليون يورو سنويا.
كما ساهمت المؤسسة في عمليات ترميم النصب التذكاري بقيمة 132 مليون يورو، وشراء خزانة تعود إلى القرن الـ 18 صممها جان هنري ريزنر، صانع الخزائن المفضل لدى ماري أنطوانيت، مقابل أكثر من مليون يورو.
يذكر أن منظمة مجموعة آل ثاني منظمة غير ربحية تتمثل مهمتها الأساسية في النهوض بالفن والثقافة والترويج لهما من خلال مبادرات فنية عامة تشمل مشاريع المتاحف والمعارض وبرنامج القروض الدولية والمنشورات الأكاديمية، وتكريم الإنجاز الفني.

نسخة مصغرة من قصر فيرساي
بعد أكثر من 4 سنوات من أعمال الترميم، أضافت باريس نصبا تذكاريا جديدا إلى مشهدها الثقافي حيث استعاد قصر البحرية رونقه في يونيو/حزيران الماضي.
يعود تاريخ تأسيس هذا القصر إلى القرن الـ 18 عندما وضع أنج جاك غابرييل، كبير المهندسين المعماريين للملك لويس الـ 15، خطة للميدان الملكي الشاسع المعروف حاليا باسم ساحة الكونكورد تكريما للملك بعد نهاية حرب الخلافة النمساوية.
وحتى عام 1789، كان يضم مخازن أثاث ومجوهرات التاج الفرنسي قبل أن يصبح المقر الرئيسي للقوات البحرية الفرنسية لأكثر من مئتي عام.
كما شهد القصر أحداثا محورية في التاريخ الباريسي، مثل توقيع مذكرة وفاة ماري أنطوانيت عام 1793، إقامة حفل زفاف نابليون الأول وماري لويز عام 1810. بالإضافة إلى نقل نصب مسلة الأقصر من مصر، التي يبلغ عمرها 3 آلاف عام، وسط الميدان عام 1833، وتحرير باريس من الاحتلال النازي عام 1944.
يقول مدير قصر البحرية جوسلين بورالي، في حوار للجزيرة نت، إن الرابط الملكي التاريخي حاضر بقوة في مجموعة آل ثاني، إذ يقام المعرض في صالات أنشئت لتقديم كنوز المجموعات الملكية الفرنسية. ففي عهد الملك لويس الـ 16، كانت تفتح للجمهور كل يوم ثلاثاء واحد في الشهر ما بين أبريل/نيسان ونوفمبر/تشرين الثاني، لتصبح مخازن أثاث قصور ملوك فرنسا أول متحف في باريس.



















