كشفت انتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 استمرار الارتباط بين قطاعات واسعة من اليهود الشرقيين وحزب الليكود بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رغم تراجع معسكره وخسارته الأغلبية البرلمانية، وصعود منافسه رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب "يشار" غادي آيزنكوت.
وأظهرت النتائج النهائية أن حملة آيزنكوت، التي أبرزت أصوله المغربية، لم تحقق اختراقا كبيرا على مستوى التصويت العام في عدد من معاقل الليكود بمدن الأطراف ذات الحضور الشرقي الواسع، حيث تجاوز الحزب نصف الأصوات في بعضها.
أخبار مقترحة
وتثير هذه المفارقة سؤالا عن دور الذاكرة الاجتماعية والتدين والمواقف الأمنية والولاء الحزبي في تشكيل السلوك الانتخابي، بعيدا عن الأصل الإثني للمرشح وحده.
مفارقة النتائج
منحت النتائج النهائية التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية في 4 نوفمبر/تشرين الثاني الليكود 27 مقعدا ومليونا و167 ألفا و589 صوتا، بنسبة 20.51%، مقابل 21 مقعدا و913 ألفا و630 صوتا، بنسبة 16.05%، لحزب آيزنكوت.
وخسر الليكود 5 مقاعد مقارنة بانتخابات 2022، وتراجعت حصته من 23.41%، لكنه أضاف نحو 52 ألف صوت إلى رصيده، مع ارتفاع المشاركة من 70.63% إلى نحو 77.9%، وزيادة عدد المصوتين بنحو 923 ألفا.

وتراجع معسكر نتنياهو من 64 إلى 53 مقعدا، مقابل 48 للمعارضة الصهيونية و19 للحزبين العربيين.
وبينما سجل آيزنكوت نسبا مرتفعة في مدن المركز الميسورة، حافظ الليكود على قوته في مدن التطوير ذات الحضور الشرقي الواسع.
وهكذا اختلفت قدرة نتنياهو على الاحتفاظ بمعاقله عن قدرته على ضمان أغلبية برلمانية.
معاقل اليمين
في بيت شان، حصل الليكود على 6042 صوتا، بنسبة 52%، متجاوزا معدله الوطني بأكثر من 31 نقطة، مقابل 652 صوتا و5.6% لآيزنكوت.
ونال شاس 16.6%، وحزب "عوتسما يهوديت" بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير 11%، وتحالف الصهيونية الدينية والهوية 5.1%؛ أي إن الأحزاب الأربعة جمعت 84.7% من أصوات المدينة.
وتكشف النتيجة أن التنافس الأكبر جرى بين قوى اليمين، وضعف حضور "يشار" مقارنة بها.

وفي ديمونا، حصل الليكود على 10 آلاف و886 صوتا، بنسبة 51.9%، مقابل 1779 صوتا و8.5% لآيزنكوت؛ بفارق يتجاوز 43 نقطة مئوية.
وحصد بن غفير 12.5% وشاس 6.1%، فبلغ مجموع الأحزاب الثلاثة 70.5%.
أما كريات شمونة، التي عانت تداعيات الحرب والإخلاء قرب لبنان، فمنحت الليكود 5887 صوتا و48%، مقابل 1306 أصوات و10.7% لمنافسه.
وفي سديروت، التي شهدت هجوم السابع من أكتوبر، حصل الليكود على 39.4% من الأصوات، والقوة اليهودية على 16.8%، وتحالف الصهيونية الدينية والهوية على 11.9%، مقابل 6.6% لآيزنكوت.
وتكشف هذه الفوارق اتساع قاعدة اليمين حتى في مدينة عانت مباشرة تداعيات الإخفاق الأمني.
وتتضح الصورة بالمقارنة مع مدن المركز، حيث حصد آيزنكوت 36.9% في رمات هشارون، و34.4% في هرتسليا، و34.2% في هود هشارون، وفق تقرير الصحفيين يارون دروكمان وساعر هيس في "يديعوت أحرونوت" يوم 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
ويظهر بذلك أن الانقسام الجغرافي كان أحد خطوط المنافسة الانتخابية، إلى جانب الانقسام الحزبي والقومي.
جذور تاريخية
بدأت علاقة اليهود الشرقيين باليمين قبل نتنياهو بعقود. فقد استقبلت إسرائيل خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي مئات آلاف المهاجرين اليهود من المغرب والعراق واليمن وتونس، وأسكنت كثيرا منهم في مخيمات انتقالية ومدن بعيدة عن المركز الاقتصادي.
وارتبطت تجربتهم بتفاوت فرص السكن والتعليم والعمل والتمثيل السياسي في عهد حزب مباي، سلف العمل، الذي هيمنت عليه نخب أشكنازية.

واستثمر مناحيم بيغن، زعيم الليكود ورئيس الوزراء الأسبق، هذه المظالم، وحول أصوات الاحتجاج إلى قاعدة لليمين مع فوزه التاريخي عام 1977. ثم عززت التنظيمات المحلية والعلاقات العائلية والبلدية هذا الانتماء، إلى جانب حزب شاس الذي تأسس عام 1984 واستقطب متدينين شرقيين.
ومع تعاقب الأجيال، أصبحت بعض الأسر تتعامل مع التصويت لليكود بوصفه تعبيرا عن موقعها الاجتماعي وتاريخها السياسي، لا مجرد تأييد لبرنامج انتخابي آني. لذلك واجه آيزنكوت تحدي تغيير انتماء مستقر، لا استمالة ناخبين يختارون مرشحيهم استنادا إلى الأصول العائلية فحسب.
ويربط يوآف بيلد، الباحث في علم الاجتماع السياسي، في دراسة منشورة بموقع جامعة رايخمان، التصويت اليميني بتداخل التجربة الإثنية والطبقة الاجتماعية والمنافسة على الموارد والمواقف القومية.
تدين ومحافظة
ويضيف التدين التقليدي تفسيرا لاختيارات قطاعات من الناخبين الشرقيين، مع أن الهوية الدينية ليست مرادفا للأصل الإثني.
ونقل شاحر إيلان، الصحفي المتخصص في الشؤون الحريدية شاحر إيلان، في "كالكاليست" يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن أبحاث الباحث أريئيل فينكلشتاين بالمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أن 47% من اليهود الذين عرّفوا أنفسهم بأنهم التقليديون المتدينون و46% من التقليديين غير المتدينين صوتوا لليكود عام 2022. وشكل التقليديون 57% من ناخبي الحزب، مقابل 32% علمانيين و10% متدينين قوميين.
لكن استطلاع "الصوت الإسرائيلي" لمركز فيتربي مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026 سجل نية تصويت لمعسكر نتنياهو لدى 46% من التقليديين المتدينين، مقارنة بتصويت فعلي بلغ 76% عام 2022، وتراجعت النسبة لدى التقليديين غير المتدينين من 60% إلى 39%.
وتقدم هذه الأرقام مؤشرا إلى تآكل التأييد على مستوى المعسكر، وإن لم تكن نتائج اقتراع نهائية لهذه الفئات.
اختبار آيزنكوت
سعى آيزنكوت إلى مخاطبة الجمهور الشرقي بأصوله المغربية؛ فوالده من مراكش ووالدته من الدار البيضاء، ونشأ في إيلات قبل أن يصبح رئيسا للأركان.
ونقل الصحفي آفي سولومون في موقع "والا" يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026 اتهامه نتنياهو بتهميش شخصيات شرقية في حملته عندما لا يخدم ظهورها مصالحه.

وكشفت الصحفية والمحللة السياسية موران أزولاي في "يديعوت أحرونوت" يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول أن "يشار" ركز حملته على 40 مدينة سماها "المدن الذهبية"، بينها إيلات وديمونا وبئر السبع والخضيرة والعفولة، واستخدم شعار "رئيس حكومة ديالنا" بالدارجة المغربية.
وبحسب التقرير، راهن مسؤولو الحملة على أن قبول بعض ناخبي الليكود لآيزنكوت، حتى دون تأييده، قد يحد من حماستهم للخروج والتصويت لنتنياهو.
لكن إيلات، المدينة التي نشأ فيها، منحت الليكود 11 ألفا و622 صوتا بنسبة 42.2%، مقابل 5660 صوتا و20.5% لآيزنكوت.
ورغم تجاوزه معدله الوطني بنحو 4.5 نقاط، ظل متأخرا عن الليكود بنحو 22 نقطة؛ وبلغت المشاركة المحلية 51.3%. وتوضح النتيجة أن التقارب العائلي والثقافي لم يتحول إلى ولاء انتخابي مماثل.
الأمن والولاء
ربط نتنياهو المنافسة بمواقف الحكومة المقبلة من الفلسطينيين، وحذر من اعتماد آيزنكوت على الأحزاب العربية لتشكيل ائتلاف.
في المقابل، استند آيزنكوت إلى خلفيته العسكرية وانتقاد مسؤولية الحكومة عن إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وبهذا جرت المنافسة حول الأمن والتحالفات وهوية السلطة، إلى جانب مسألة الأصل الشرقي.
وتكشف مقارنة 2022 و2026 تداخلا آخر: ارتفعت حصة الليكود في بيت شان من 47.9% إلى 52%، بينما انخفض شاس من 25% إلى 16.6%؛ وفي ديمونا ارتفع الليكود من 50.9% إلى 51.9% وتراجع شاس من 11.7% إلى 6.1%.
وعلى المستوى الوطني خسر شاس خمسة مقاعد، من 11 إلى 6، وانخفض من392 ألفا و964 صوتا إلى 299 ألفا و533، بفارق بلغ نحو 93 ألفا. وتوحي المقارنة بإعادة توزيع التأييد داخل اليمين، دون إثبات انتقال أصوات بعينها بين الحزبين.
وفي مقال بموقع "والا" في الأول من سبتمبر/أيلول 2026، أشار المسؤول السابق بوزارة الاقتصاد مردخاي إيش شالوم إلى أن نحو ثلاثة أرباع الأسماء المتقدمة في قائمة الليكود شرقية الأصل، بينما بقيت زعامة الحزب أشكنازية. وتبرز المفارقة أن التمثيل داخل الحزب والولاء له لا يتوقفان على الأصل العائلي لزعيمه.
وساهم ارتفاع مشاركة الناخبين العرب في تبدل التوازن البرلماني؛ إذ رصدت الباحثة مروة أبو فريح والباحث إريك رودنيتسكي، في دراسة للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، صعود المشاركة في مراكز الاقتراع بالبلدات العربية والدرزية من 53.2% عام 2022 إلى نحو 77% عام 2026، دون احتساب الناخبين العرب في المدن المختلطة ضمن هذا القياس.
في المحصلة تظهر الانتخابات أن ولاء قطاعات من اليهود الشرقيين لليكود يرتبط بتاريخ التهميش وشبكات الانتماء الحزبي والتدين والمواقف الأمنية أكثر مما يرتبط بأصل المرشح وحده.
وهكذا احتفظ نتنياهو بتفوق الليكود في عدد من معاقله التقليدية، رغم تراجع حصته الوطنية وخسارة معسكره الأغلبية البرلمانية.
















