بعد أسابيع قليلة، في الثامن من ديسمبر/كانون الأول، تكمل سوريا الجديدة،عامين من عمرها، على سقوط نظام بشار الأسد، حيث تبدو سوريا الجديدة وقد قطعت شوطا مهما في استعادة مكانتها الإقليمية والدولية، وإعادة بناء مؤسساتها، وبسط سيادتها على أجزاء واسعة من أراضيها، بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والتدهور الاقتصادي. وعلى الرغم من استمرار تحديات أمنية وسيادية واقتصادية كبيرة، فإن حصيلة العامين الأولين تشير إلى إنجازات ملموسة، تحققت في ظروف بالغة الصعوبة، وتفتح المجال أمام استكمال عملية إعادة بناء الدولة.
هذا ما يخلص إليه تقدير موقف لمركز الجزيرة للدراسات ، بعنوان «عامان على ولادة سوريا الجديدة: تحديات الأمن والسيادة والاقتصاد»، تناول فيه التحولات التي شهدتها البلاد منذ سقوط النظام السابق، وما تحقق من تقدم على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، إلى جانب العقبات التي لا تزال تعترض طريق التعافي.
أخبار مقترحة
وينطلق التقدير من أن القيادة الجديدة تسلمت سوريا في حالة من التمزق والدمار وانهيار المؤسسات والاقتصاد، مع وجود ملايين النازحين واللاجئين، وانتشار تشكيلات مسلحة محلية وقوات أجنبية في مناطق مختلفة. ولذلك فإن تقييم العامين الماضيين ينبغي أن يأخذ في الاعتبار حجم التحديات الموروثة، والظروف التي بدأت فيها عملية إعادة بناء الدولة.
ويرى المركز أن الحكم الجديد نجح في تحقيق اختراقات مهمة، أبرزها رفع العقوبات، وإعادة سوريا إلى محيطها العربي والإسلامي والدولي، وتأسيس علاقات وتحالفات جديدة، إلى جانب التقدم في معالجة الانقسام الداخلي واستعادة السيادة. غير أن هذه الإنجازات لا تزال بحاجة إلى استكمال، ولا سيما في المجال الاقتصادي الذي يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الدولة على تثبيت الاستقرار وإعادة بناء التماسك الوطني.
من العزلة الدولية إلى استعادة العلاقات والتحالفات
يضع تقدير الموقف استعادة سوريا مكانتها الدولية في مقدمة الإنجازات التي حققتها القيادة الجديدة خلال العامين الماضيين.
فقد تسلم الحكم الجديد دولة خاضعة لعقوبات تراكمت منذ سبعينات القرن الماضي، وتعاني عزلة سياسية واقتصادية ومالية، فضلا عن فقدان السيطرة على أجزاء واسعة من أراضيها.
لكن سوريا نجحت، خلال عامين، ولا سيما في العام الثاني، في رفع العقوبات المفروضة على الدولة ومؤسساتها والأشخاص، وإعادة الاندماج في النظام السياسي والمالي الدولي.
كما تمكنت من تأسيس علاقات تحالفية مع تركيا وقطر والسعودية، وإعادة بناء علاقاتها مع عدد كبير من الدول العربية والإسلامية.
وامتد هذا الانفتاح إلى الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، حيث أقامت دمشق علاقات وثيقة معها، دون أن يؤدي ذلك إلى خسارة علاقاتها التقليدية مع روسيا.
ويبرز التقدير أهمية هذه التحولات في أنها أعادت لسوريا القدرة على التحرك في محيطها الإقليمي والدولي، وفتحت أمامها فرصا جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي، بعد سنوات طويلة من العزلة والعقوبات.
ولم يقتصر التقدم على العلاقات الخارجية، بل شمل إعادة بناء بعض المؤسسات السياسية، ومن بينها مجلس الشعب الذي تشكل عقب انتخابات برلمانية غير مباشرة، ليكون أول برلمان بعد سقوط نظام الأسد.
وعلى الرغم من أن التقدير لا يتوقع للبرلمان دورا تشريعيا واسعا خلال السنوات الثلاث المتبقية من المرحلة الانتقالية، فإنه يرى أن وجوده يتيح تمثيلا للشعب، ويسمح بإيصال صوته إلى السلطة التنفيذية، ومتابعة التحولات المتعلقة بإعادة بناء الدولة.
كما ينتظر أن يؤدي مجلس الشعب دورا في رعاية عملية وضع الدستور الدائم، بما يجعله إحدى المؤسسات المرتبطة باستكمال البناء السياسي للدولة الجديدة.

الأمن والسيادة.. تقدم كبير في مواجهة إرث الانقسام
يرى تقدير موقف مركز الجزيرة للدراسات أن استعادة الأمن والسيادة كانت من أكثر المهام إلحاحا أمام الحكم الجديد.
ففي ديسمبر 2024، لم تكن الدولة السورية تسيطر على كامل أراضيها. وكانت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» تدير مناطق واسعة في الشمال والشمال الشرقي، بينما فرضت ميليشيات درزية سيطرتها على السويداء، إلى جانب وجود قوات أمريكية وتركية وروسية في مناطق مختلفة.
كما شهدت البلاد، عقب سقوط النظام، توغلا إسرائيليا في الجنوب الغربي، رافقته غارات جوية استهدفت ما تبقى من القدرات العسكرية السورية.
وكانت هذه الأوضاع تعني أن القيادة الجديدة لم تكن تواجه مجرد مهمة إعادة تنظيم مؤسسات الأمن والجيش، بل كانت مطالبة أيضا بإنهاء الانقسام الجغرافي والإداري، واستعادة السيطرة على الموارد والمرافق والمؤسسات التي خرجت عن سلطة دمشق.
ويشير التقدير إلى أن الحكومة الجديدة أحرزت تقدما ملموسا في معالجة هذه الملفات، وإن اختلفت النتائج من منطقة إلى أخرى.
فقد تمكنت من إنهاء تمرد الساحل، ودفعت المسألة الكردية نحو مسار الاندماج في الدولة، بينما ظهرت مؤشرات على إمكان تسوية أزمة السويداء.
أما التوغل الإسرائيلي، فيظل الملف الأكثر استعصاء، رغم ما يراه التقدير من فشل السياسة الإسرائيلية الرامية إلى تقسيم سوريا وإدامة تشظيها السياسي.
الساحل السوري.. احتواء التمرد ومهمة استعادة الثقة
شكلت أحداث الساحل في مارس 2025 اختبارا مبكرا لقدرة الدولة الجديدة على مواجهة التهديدات الأمنية.
فقد اندلع تمرد مسلح قاده ضباط وزعماء ميليشيات من النظام السابق، وتمكن المتمردون من السيطرة على عدد من البلدات والمناطق، بينها جبلة وبانياس وقرى القرداحة، وشنوا هجمات على قوات الأمن العام في اللاذقية وطرطوس، أوقعت مئات القتلى.
وتعاملت دمشق مع التمرد باعتباره تهديدا خطيرا لاستقرار الدولة ووحدتها، خصوصا في ظل مؤشرات على وجود صلات متفاوتة بين بعض قادته وأطراف مسلحة في مناطق أخرى.
ودفعت السلطات بوحدات إضافية من الجيش والأمن العام إلى مناطق التمرد، رغم أن إعادة تنظيم هذه القوات لم تكن قد اكتملت بعد.
كما شاركت أعداد كبيرة من المتطوعين المسلحين الذين اندفعوا إلى المنطقة في ظل المخاوف التي كانت تسيطر على قطاعات واسعة من المجتمع السوري.
وخلال أيام قليلة، تمكنت القوات الحكومية من إنهاء التمرد واستعادة السيطرة.
لكن التقدير لا يتجاهل التجاوزات الخطيرة التي رافقت العمليات، وتسببت في مقتل مئات المدنيين العلويين، وأثارت الخوف والرعب بين سكان المناطق المتضررة.
ومن ثم، فإن الإنجاز الأمني المتمثل في إنهاء التمرد لم ينه جميع التحديات المرتبطة بالساحل، إذ لا تزال هناك حاجة إلى تعزيز المصالحة، ومعالجة المخاوف، واستعادة الثقة بين مختلف مكونات المجتمع والدولة.
ويضع التقدير هذه المهمة ضمن الجهود الأوسع لإعادة بناء التماسك الوطني، الذي لا يتحقق بالسيطرة الأمنية وحدها.

المسألة الكردية.. التحول الأبرز نحو إعادة توحيد الدولة
يولي تقدير الموقف أهمية خاصة للتقدم الذي تحقق في معالجة المسألة الكردية، باعتباره أحد أبرز التطورات المرتبطة باستعادة السيادة ووحدة البلاد.
فقد كانت قوات سوريا الديمقراطية تسيطر منذ سنوات على مناطق واسعة من الجزيرة السورية شرق الفرات، بدعم أمريكي عسكري ومالي، وأقامت إدارة ذاتية منفصلة عن مؤسسات الدولة المركزية في المجالات الإدارية والتعليمية والقضائية والأمنية.
كما سيطرت على مناطق تضم جزءا مهما من الثروة النفطية والغازية والزراعية السورية.
وامتد وجودها إلى أحياء في مدينة حلب، بما شكل تهديدا أمنيا لطرق الاتصال مع تركيا، وأعاق محاولات إحياء النشاط الاقتصادي في المدينة.
لكن التحولات في الموقف الأمريكي فتحت المجال أمام تسوية تفاوضية.
فقد أبلغت إدارة ترمب القيادات الكردية باتجاهها إلى الانسحاب من سوريا، ودعتها إلى التوصل إلى اتفاق مع دمشق ينهي الانقسام والإدارة الذاتية.
وفي 10 مارس 2025، وقع الرئيس أحمد الشرع والقائد العام لقسد مظلوم عبدي اتفاقا يقضي بحل الإدارة الذاتية ودمج مؤسساتها المدنية والعسكرية في أجهزة الدولة السورية، بوساطة أمريكية قادها توم باراك.
ورغم أن تنفيذ الاتفاق ظل بطيئا في البداية، فإن التطورات العسكرية التي شهدتها حلب وريفها الشرقي، ثم تقدم القوات السورية عبر الفرات إلى الجزيرة في يناير 2026، أسهمت في دفع العملية إلى الأمام.
وتزامن ذلك مع التقدم في مسار حل حزب العمال الكردستاني في تركيا، ما جعل التوصل إلى تسوية مع دمشق الخيار الأكثر واقعية أمام قيادة قسد.
وفي هذا السياق، أصدر الرئيس الشرع المرسوم رقم 13، الذي ألغى آثار تعداد عام 1962، وفتح المجال أمام استعادة حقوق المواطنة للأكراد الذين حرموا منها لعقود.
كما وقع ملحق لاتفاق مارس مع مظلوم عبدي، وبدأت عملية دمج القوات والمؤسسات الكردية في أجهزة الدولة.
وفي 20 أغسطس 2026، أعلن مظلوم عبدي اكتمال دمج الإدارات المدنية والعسكرية الكردية في مؤسسات الدولة السورية.
وشملت الترتيبات تعيين سيبان حمو، قائد وحدات حماية الشعب الكردية، معاونا لوزير الدفاع، ومظلوم عبدي مستشارا للرئيس الشرع، وإلهام أحمد عضوا في مجلس الشعب.
ويرى التقدير أن هذه التطورات تمثل تقدما مهما في اتجاه إعادة توحيد البلاد، رغم أن الحديث عن اكتمال عملية الدمج لا يعكس الواقع بصورة دقيقة.
فلا تزال هناك صعوبات تتعلق بدمج بعض التشكيلات المسلحة والأمنية، واستعادة سلطة الدولة على المؤسسات القضائية والتعليمية في الحسكة والقامشلي.
كما لم تستعد دمشق بعد جميع المدارس والجامعات التي كانت خاضعة للإدارة الذاتية.
لكن التقدير يؤكد أن بطء التنفيذ لا يعني بالضرورة احتمال انتكاس الاتفاق، لأن دمج مؤسسات نشأت وتطورت بصورة مستقلة خلال سنوات طويلة عملية معقدة ومتعددة الجوانب.
وبذلك تبدو المسألة الكردية، في تقدير المركز، وقد انتقلت من حالة الانقسام والمواجهة إلى مسار متقدم نحو الاندماج في الدولة السورية، وإن كان هذا المسار لا يزال يحتاج إلى استكمال.

السويداء.. مؤشرات على اقتراب التسوية
على خلاف المسألة الكردية، ظلت أزمة السويداء أكثر تعقيدا، بسبب طبيعة التشكيلات المسلحة المسيطرة على المحافظة، والدور الإسرائيلي في دعم الاتجاهات الانقسامية.
فمنذ سقوط نظام الأسد، منعت الميليشيات المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري أجهزة الدولة وقوات الأمن من دخول مركز المحافظة، وحالت دون إشراف المؤسسات المركزية على فروعها المحلية.
وفي يوليو 2025، انفجرت الأزمة عقب سلسلة من الأحداث، بينها اعتداء على حافلة في الطريق إلى دمشق، أعقبته مواجهات بين الميليشيات وقوات الأمن السورية.
وتمكنت القوات الحكومية من السيطرة على مدينة السويداء ومعظم بلدات المحافظة، قبل أن تتدخل إسرائيل بغارات جوية أجبرتها على الانسحاب.
وتفاقمت الأحداث مع اندلاع مواجهات بين الميليشيات الدرزية وأبناء العشائر السنية، وما صاحبها من تهجير وأسر، قبل أن تتدخل دمشق لوقف الاشتباكات.
ومنذ ذلك الوقت، بقيت المحافظة تحت سيطرة ميليشيات الهجري، التي عملت، بحسب التقدير، على تكريس القطيعة مع الدولة السورية.
لكن تقدير الموقف لا يقدم أزمة السويداء باعتبارها حالة انفصال مرشحة للاستمرار دون أفق للحل، بل يعرض مجموعة من المؤشرات التي قد تدفع نحو تسويتها.
فقد تزايدت، بحسب تقديرات متداولة في دمشق، الضغوط الأمريكية على إسرائيل للحد من تدخلها في شؤون المحافظة.
كما يرى التقدير أن إسرائيل تدرك صعوبة ضم السويداء أو توفير مظلة حماية دائمة لها، بالنظر إلى العوائق الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية والمالية.
ولا يستبعد أن تكون أطراف إسرائيلية قد أبلغت الهجري بضرورة خفض توقعاته بشأن الدعم والحماية.
وفي الوقت نفسه، بدأت الانقسامات تتزايد بين الأجنحة السياسية والمسلحة داخل معسكر الهجري، نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية وتفاقم معاناة السكان.
ويشير التقدير إلى ترجيحات في بعض الأوساط بأن تسوية للأزمة أصبحت وشيكة، استنادا إلى التفاهم السوري الأردني الأمريكي الذي جرى التوصل إليه في أغسطس 2025.
وهكذا، فرغم استمرار الأزمة وعدم استعادة الدولة سيطرتها على المحافظة، فإن التقدير يرصد تحولات قد تفتح الطريق أمام إنهاء الانقسام وإعادة دمج السويداء في مؤسسات الدولة.
التوغل الإسرائيلي.. تعثر التفاوض وفشل مشروع التقسيم
يعتبر مركز الجزيرة للدراسات أن التوغل الإسرائيلي في جنوب غرب سوريا يظل التحدي الأمني والسيادي الأكثر استعصاء.
فقد استغلت إسرائيل سقوط نظام الأسد للتوغل في مناطق سورية بمحاذاة خط فصل القوات لعام 1974، وامتد وجودها شمالا من جبل الشيخ.
ومنذ البداية، عرضت القيادة السورية التوصل إلى اتفاق أمني معزز، تتعهد بموجبه بألا تشكل سوريا الجديدة تهديدا لإسرائيل، مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي توغلت فيها والعودة إلى خط فصل القوات.
وساعدت الولايات المتحدة في تنظيم لقاءات بين الطرفين، كان أولها في باكو خلال يوليو 2025، والثاني في باريس خلال يناير 2026.
ووفقا لمصادر سورية ينقل عنها التقدير، توصل الطرفان في لقاء باريس إلى مسودة اتفاق أمني، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض توقيعها.
ولم تنجح واشنطن في تنظيم جولة تفاوضية جديدة، رغم الضغوط العربية والتركية التي تدعوها إلى بذل جهود أكبر لإنهاء التوغل.
وينقل التقدير أن الأمريكيين طلبوا من السوريين الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، حتى تتضح توجهات الحكومة المقبلة.
ومع استمرار تعثر هذا الملف، يقدم التقدير استنتاجا مهما، يتمثل في أن السياسة الإسرائيلية التي استهدفت تقسيم سوريا وإدامة تشظيها السياسي منذ سقوط الأسد قد فشلت.
ويرى أن سوريا تتجه نحو استعادة وحدتها، وإن ظلت مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي السورية دون تسوية حتى الآن.
وبذلك يميز التقدير بين استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض المناطق، وبين إخفاق السياسة الأوسع التي استهدفت إضعاف الدولة السورية ومنع إعادة توحيدها.

الاقتصاد.. المهمة الأكثر إلحاحا بعد التقدم السياسي والأمني
بعد استعراض الإنجازات السياسية والأمنية، ينتقل تقدير الموقف إلى الملف الاقتصادي، الذي يعتبره الأكثر أهمية وارتباطا بمستقبل سوريا في المدى القريب.
فبينما تستحوذ القضايا الأمنية والسيادية على اهتمام الرأي العام، بسبب تأثيرها المباشر في استقرار البلاد، يرى المركز أن الاقتصاد لا يحظى بالاهتمام الذي يتناسب مع خطورته.
ويشير إلى أن العامين الماضيين شهدا وعودا كبيرة بشأن سرعة التعافي الاقتصادي، إلى جانب آمال واسعة في حصول سوريا على دعم مالي واستثماري من الدول العربية والإسلامية والأطراف الدولية بعد رفع العقوبات.
لكن نتائج العامين الأولين تكشف أن التعافي الاقتصادي لا يزال محدودا، وأن إعادة بناء الاقتصاد تتطلب جهودا وموارد أكبر بكثير مما تحقق حتى الآن.
ولا يقدم التقدير هذه الصعوبات بمعزل عن الظروف التي ورثتها القيادة الجديدة، بل يضعها في سياق الدمار الواسع الذي أصاب البلاد خلال سنوات الحرب، وفقدان الموارد، وهجرة رؤوس الأموال، وتراجع النشاط الإنتاجي والتجاري.
فقد تسلم الحكم الجديد دولة شهدت تهجير ما لا يقل عن ثلث سكانها، وتضررت فيها المدن الرئيسية والمرافق الإنتاجية والبنية التحتية، وفقدت السيطرة على معظم موارد النفط والغاز والثروة الزراعية في الجزيرة.
كما كانت مفاصل الاقتصاد في المناطق الخاضعة للنظام السابق قد تركزت في أيدي مجموعة محدودة من رجال الأعمال المرتبطين به، ما أسهم في خروج رؤوس أموال إلى الخارج.
وتراجعت حركة التجارة والنقل مع دول الجوار، خصوصا تركيا والأردن ودول الخليج، نتيجة السياسات التي اتبعها النظام السابق وتداعيات الحرب.
ويستشهد التقدير بتقرير للبنك الدولي صدر في أكتوبر 2025، قدر حجم الأضرار المادية المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بما لا يقل عن 108 مليارات دولار.
كما قدر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار.
ولإظهار حجم هذه التكلفة، يقارن التقدير الرقم بالدخل القومي السوري عام 2011، الذي بلغ نحو 67 مليار دولار، موضحا أن تخصيص هذا الدخل بالكامل لإعادة الإعمار، لو أمكن استعادته، سيحتاج إلى أكثر من ثلاث سنوات، دون احتساب سائر احتياجات الدولة والمجتمع.
وهذا يبين أن إعادة الإعمار ليست مهمة يمكن إنجازها سريعا، وإنما عملية طويلة ومعقدة تحتاج إلى استعادة القدرة الإنتاجية وجذب الاستثمارات وتوفير موارد مالية ضخمة.

خيارات اقتصادية جديدة ورهان على الاستثمار
يتناول تقدير الموقف الخيارات الاقتصادية التي تبنتها القيادة السورية الجديدة، مشيرا إلى أنها تسلمت البلاد دون تصور مكتمل لإدارة اقتصاد وطني بحجم وتعقيد الاقتصاد السوري.
فقد كانت تجربة القادة الجدد مرتبطة بإدارة الشؤون الاقتصادية في إدلب والمناطق المحيطة بها، بينما كانت إدارة الدولة السورية تتطلب التعامل مع تحديات أوسع بكثير.
وخلال الشهور الأولى بعد سقوط النظام، دار نقاش بشأن النموذج الاقتصادي الأنسب، قبل أن يستقر الاتجاه على المزاوجة بين الاقتصاد الحر والمحافظة على قدر من ملكية الدولة، دون حسم الحجم النهائي للقطاع العام.
وكان من أبرز الخيارات تجنب الاعتماد على الاقتراض الخارجي، والبحث عن موارد بديلة لتمويل التعافي وإعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، راهنت دمشق على عودة رجال الأعمال السوريين المقيمين في الخليج وأوروبا، وجذب الشركات العربية الكبرى، والحصول على مساعدات ومنح من الدول الصديقة، ولا سيما السعودية وقطر ودول الخليج.
كما راهنت على الدعم الأوروبي، واستعادة السيطرة على الموارد النفطية والغازية، وتنشيط حركة التجارة والنقل والمعابر الحدودية.
ويرى التقدير أن نتائج هذه الرهانات كانت متفاوتة؛ إذ فاق المردود التوقعات في بعض المجالات، بينما جاء أقل منها بكثير في مجالات أخرى.
فقد عادت أعداد من أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة، وخصوصا العاملين في الخدمات والصناعات الصغيرة، ممن غادروا البلاد خلال سنوات الحرب.
لكن عودة كبار رجال الأعمال كانت أقل من المتوقع، ولم تتوافر أدلة على وفاء معظمهم بالتعهدات التي أعلنوها للمساهمة في إعادة إعمار مدنهم وبلداتهم.
ويربط التقدير هذا التردد بأسباب سياسية أحيانا، وباستمرار المخاوف الأمنية أحيانا أخرى.
وفي المقابل، أجرى الحكم الجديد مصالحات مع عدد من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق، تنازلوا بموجبها عن بعض ممتلكاتهم مقابل الاحتفاظ بممتلكات أخرى، وإعفائهم من المساءلة القانونية، والسماح لهم باستئناف نشاطهم الاقتصادي.
ونقلت الممتلكات المصادرة إلى الصندوق السيادي السوري الذي أنشئ بمرسوم رئاسي.
ويشير التقدير إلى أن حجم الصندوق وطبيعة عمله لا يزالان بحاجة إلى مزيد من الشفافية، مع وجود اعتقاد في دمشق بأنه قد يصبح أحد أكبر مصادر ثروة الدولة، إلى جانب وزارة الأوقاف.
اتفاقيات استثمارية ومشروعات لإعادة البناء
شهد العامان الماضيان توقيع اتفاقيات مع عشرات الشركات ورجال الأعمال العرب، ولا سيما من السعودية والإمارات وقطر.
وشملت الاتفاقيات مشروعات لإعادة بناء المناطق المدمرة، وإنشاء أحياء سكنية جديدة ومراكز تجارية، إلى جانب تطوير مطاري دمشق وحلب وميناء طرطوس.
لكن التقدير يميز بين الاتفاقيات الموقعة والمشروعات التي دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي.
فقد كان مشروع تطوير مطار دمشق الدولي، الذي تتولاه مجموعة قطرية تركية، أبرز المشروعات التي أحرزت تقدما ملموسا.
كما بدأت المجموعة نفسها، بحسب ما يورده التقدير، دراسات جدوى لإنشاء محطات لتوليد الكهرباء في مناطق مختلفة.
وفي المجال المالي، حصلت سوريا على منح محدودة من الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأوروبية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، خصص معظمها للاحتياجات الإنسانية أو لإصلاح النظام المصرفي والقطاع المالي.
كما ظهرت مؤشرات على ارتفاع إيرادات الدولة من تنشيط التجارة والنقل عبر الأراضي السورية، والسياحة، وصادرات النفط العراقي عبر الموانئ السورية.
وساعدت عودة سوريا إلى النظام المالي الدولي على زيادة تحويلات السوريين المقيمين في الخارج، سواء لمساعدة أسرهم أو لترميم ممتلكاتهم.
وتعكس هذه التطورات، بحسب التقدير، بداية استعادة النشاط الاقتصادي، وإن ظلت الموارد المتاحة أقل من الاحتياجات المطلوبة لتحقيق تعاف واسع.

الدعم العربي والإسلامي.. مساهمة في تثبيت الدولة
يبرز تقدير الموقف دور الدول العربية والإسلامية الصديقة في مساندة سوريا الجديدة.
فقد تحملت السعودية وقطر عبء رواتب القطاع العام لمدة عام، يرجح أن ينتهي بنهاية 2026، إلى جانب تسديد مساهمات سوريا المتأخرة في المنظمات الدولية.
كما قدمت السعودية وقطر وتركيا مساعدات عينية ملموسة لعدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية، بما في ذلك وزارات الداخلية والصحة والدفاع، وبعض البلديات.
وشملت المساعدات التركية ترميم معالم دينية وأثرية، منها مقام ابن عربي والتكية السليمانية في دمشق، والمساهمة في ترميم الجامع الأموي.
وفي الوقت نفسه، يشير التقدير إلى أن عددا كبيرا من أعمال الترميم والتجديد في المواقع الدينية والسياحية والتجارية والتعليمية والحكومية أنجز بجهود سورية خالصة.
ومن بين هذه المشروعات أعمال في الجامع الأموي بحلب، وبازار حلب، وجامع خالد بن الوليد، ومحطة الحجاز، فضلا عن مدارس ومستشفيات ومراكز خدمات حكومية وقضائية.
ويعكس هذا النشاط جهودا لإعادة تشغيل المرافق العامة واستعادة مظاهر الحياة الطبيعية، رغم محدودية الموارد المالية.
الفقر ومستويات المعيشة.. التحدي الاجتماعي الأكبر
على الرغم من التقدم في العلاقات الخارجية واستعادة السيطرة على الموارد والمرافق، يرى تقدير الموقف أن الأوضاع المعيشية لا تزال تمثل التحدي الأكثر تأثيرا في حياة السوريين.
فقد تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من نحو 1500 دولار عام 2011 إلى 670 دولارا عام 2022، وفقا لبيانات البنك الدولي.
كما انخفض معدل إكمال المرحلة الابتدائية من نحو 100 في المئة عام 2011 إلى قرابة 62 في المئة عام 2023.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن ثلثي السوريين يعيشون في حالة فقر، بينما يقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي نسبة الفقر بنحو 90 في المئة، بينهم 66 في المئة في حالة فقر مدقع.
ويعرض التقدير فجوة كبيرة بين الأجور وتكاليف المعيشة، إذ تبلغ الاحتياجات الشهرية لأسرة من خمسة أفراد نحو 197 دولارا، مقابل حد أدنى للأجر الشهري لا يتجاوز 95 دولارا.
ورغم زيادة رواتب العاملين في القطاع العام ورفع الحد الأدنى للأجور، فإن ملايين الأسر لا تزال تواجه صعوبات في توفير الغذاء والسكن والمواصلات والكهرباء.
ويستشهد التقدير بتقديرات برنامج الأغذية العالمي التي تشير إلى ارتفاع تكلفة السلع الأساسية بنسبة لا تقل عن 34 في المئة بين صيف 2025 وصيف 2026.
كما يشير إلى تراجع القدرة الشرائية، وانتشار التسول، واضطرار أعداد من الأطفال إلى ترك التعليم والعمل لمساعدة أسرهم.
ولم تبدأ بعد حركة إعمار واسعة في الأحياء المدمرة بالمدن الرئيسية، فيما لا تزال أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين خارج مناطق سكنهم الأصلية.
ورغم عودة بعض اللاجئين من لبنان والأردن وتركيا، فإن معظم العائدين اضطروا إلى تحمل أعباء ترميم مساكنهم، في ظل محدودية الموارد المتاحة للدولة.
شح الموارد وتأثير الحرب على إيران
يرصد تقدير الموقف مؤشرات على أن الدولة السورية تعاني نقصا في السيولة المالية، يحد من قدرتها على تنفيذ التزاماتها الاقتصادية والاجتماعية.
ففي مايو 2026، اندلعت احتجاجات في الجزيرة وريف حماة بسبب انخفاض الأسعار التي عرضتها الدولة لشراء القمح من المزارعين، ما دفع الرئيس أحمد الشرع إلى التدخل بمرسوم لرفع سعر الشراء.
كما لم تبدأ بعد عملية إعادة آلاف الموظفين الذين فصلوا تعسفيا خلال السنوات السابقة إلى وظائفهم، أو تسوية أوضاعهم بإحالتهم إلى التقاعد.
وتفاقمت الضغوط الاقتصادية مع اندلاع الحرب على إيران، التي دفعت الحكومة إلى رفع أسعار المحروقات والكهرباء، بما انعكس على تكاليف الإنتاج الزراعي وأسعار السلع والأعباء المعيشية للأسر محدودة الدخل.
ويشير التقدير كذلك إلى تقارير غير مؤكدة عن تباطؤ بعض المشروعات الحكومية نتيجة تأخر الدفعات المالية المستحقة للمقاولين.
لكن هذه الصعوبات لا تلغي، في تقدير المركز، ما تحقق من تقدم، وإنما تكشف حجم الموارد التي لا تزال سوريا بحاجة إليها حتى تستطيع تحويل الإنجازات السياسية والأمنية إلى تحسن ملموس في الاقتصاد ومستويات المعيشة.

إعادة بناء التماسك الوطني.. المهمة التي تجمع الأمن والاقتصاد
يصل تقدير الموقف في جزئه الأخير إلى القضية التي تربط مختلف الملفات التي تناولها، وهي إعادة بناء التماسك الوطني.
فالدول الخارجة من الحروب الأهلية تواجه تحديات مختلفة، لكنها تشترك في أن استعادة الاستقرار لا تتحقق بمجرد إنهاء القتال أو إعادة توحيد الأرض.
وسوريا، التي شهدت سنوات طويلة من الحرب والانقسام والتهجير، تحتاج إلى إعادة بناء الروابط التي تجمع مختلف مكونات المجتمع.
ويرى المركز أن الحكم الجديد حقق إنجازات ملموسة في هذا الاتجاه، سواء من خلال استعادة علاقاته الدولية والإقليمية، أو احتواء بعض مظاهر التشرذم الداخلي، أو التقدم في دمج المناطق التي كانت خارج سلطة الدولة.
لكن هذه المهمة لم تكتمل بعد.
ففي الشمال الشرقي، لا تزال هناك خطوات مطلوبة لاستكمال دمج المؤسسات والقوات الكردية.
وفي الساحل، تبقى المصالحة واستعادة الثقة وتعزيز قيم المواطنة ضرورية لمعالجة آثار التمرد والأحداث التي أعقبته.
أما في السويداء ومناطق التوغل الإسرائيلي، فلا تزال استعادة السيادة الفعلية بحاجة إلى تسويات لم تتحقق بعد.
ومع ذلك، يؤكد التقدير أن استكمال هذه الملفات الأمنية والسيادية لن يكون كافيا وحده لبناء مجتمع متماسك.
فالهوية الوطنية لا تنشأ بمجرد قيام الدولة، وإنما تحتاج إلى رعاية وتنمية مستمرة، وإلى سياسات توفر للمواطنين أسباب الانتماء والاستقرار.
ومن هنا يربط التقدير بين التماسك الوطني وتحسين مستوى المعيشة، وإعادة إعمار المناطق المدمرة، وعودة اللاجئين، وتوفير فرص العمل، وإيصال المياه والكهرباء، وبناء نظام تعليمي موحد، وطرح خطاب وطني تلتقي حوله مختلف فئات المجتمع.
ويجعل من التعافي الاقتصادي شرطا أساسيا لاستكمال عملية إعادة بناء الدولة، وليس مجرد ملف منفصل عن الإنجازات السياسية والأمنية.
سوريا الجديدة والحاجة إلى المساندة الإقليمية
يختتم تقدير موقف مركز الجزيرة للدراسات بالتأكيد على أن سقوط نظام الأسد أحدث تحولا كبيرا في خريطة القوة الإقليمية.
فقد أدى انهيار النظام السابق وتراجع نفوذ القوى الإقليمية والدولية التي كانت تسانده إلى تعزيز أمن تركيا ودول الخليج، وفتح المجال أمام إعادة بناء علاقات سوريا مع محيطها العربي والإسلامي.
ويرى التقدير أن الدول التي استفادت من هذه التحولات مطالبة بمساندة سوريا في استكمال استعادة سيادتها، وإعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها.
ويكتسب هذا الدعم أهمية خاصة في ظل الأعباء التي تفرضها الحرب على إيران والاضطرابات الإقليمية الأمنية والاقتصادية.
فاستقرار سوريا، وفق هذا التصور، لا يمثل مصلحة سورية فقط، وإنما يرتبط أيضا باستقرار محيطها الإقليمي.
ولهذا يدعو التقدير إلى استمرار المساندة السياسية والاقتصادية العربية والإسلامية، بما يساعد الدولة السورية على استكمال إعادة التوحيد والانطلاق نحو التعافي.

الخلاصة.. إنجازات عامين وأولويات المرحلة المقبلة
تقدم حصيلة العامين الأولين من عمر سوريا الجديدة، كما يعرضها مركز الجزيرة للدراسات، صورة لدولة استطاعت تحقيق تقدم ملموس في ظروف استثنائية الصعوبة.
فقد نجحت في إنهاء عزلتها الدولية ورفع العقوبات، وإعادة بناء علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية والدولية، وتأسيس أول مجلس شعب بعد سقوط النظام السابق.
كما تمكنت من احتواء تمرد الساحل، وحققت تقدما مهما في معالجة المسألة الكردية وإعادة دمج مؤسسات الإدارة الذاتية في الدولة، مع ظهور مؤشرات على إمكان تسوية أزمة السويداء.
وفي الوقت نفسه، يرى التقدير أن السياسة الإسرائيلية الرامية إلى تقسيم سوريا وإدامة تشظيها قد فشلت، رغم استمرار التوغل الإسرائيلي وتعثر المفاوضات بشأن الانسحاب.
لكن التحدي الأكبر يتمثل في الاقتصاد، حيث لا تزال مستويات الفقر مرتفعة، والموارد المالية محدودة، والاستثمارات أقل من المتوقع، وإعادة الإعمار في مراحلها الأولى.
ويحذر التقدير من أن استمرار التعثر الاقتصادي قد يجعل من الصعب الحفاظ على الاستقرار في المناطق التي استعادت الدولة سيطرتها عليها، أو تشجيع اللاجئين والكفاءات على العودة، أو تعزيز الانتماء الوطني.
وبذلك، فإن الفكرة المركزية لتقدير الموقف ليست أن سوريا الجديدة أخفقت في عاميها الأولين، وإنما أنها حققت إنجازات سياسية وأمنية مهمة، وأصبحت أمام مهمة أكثر تعقيدا: تحويل هذه الإنجازات إلى تعاف اقتصادي واجتماعي يضمن استمرار الاستقرار واستكمال إعادة بناء الدولة.
فاستعادة السيادة ووحدة الأرض والمؤسسات تمثل أساس النهوض، لكن استدامة هذا النهوض تتوقف على قدرة سوريا على توفير حياة كريمة لمواطنيها، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، واستعادة التماسك الوطني، بمساندة عربية وإسلامية تتناسب مع حجم التحديات التي تواجهها.
________________
تقدير الموقف كاملا (اضغط هنا)














