أوريان 21: ما الذي تغيره عضوية فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية؟

بتسيلم: تجربتنا مع الأعمال العسكرية السابقة في غزة تبين أن التحقيقات الإسرائيلية لا تعزز المساءلة ولا تكشف الحقيقة (رويترز)
بتسيلم: تجربتنا مع الأعمال العسكرية السابقة في غزة تبين أن التحقيقات الإسرائيلية لا تعزز المساءلة ولا تكشف الحقيقة (رويترز)
قدم رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس في 2 يناير/كانون الثاني 2015 إلى الأمين العام للأمم المتحدة طلبا بانضمام دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مصحوبا بإعلان مخصص تقبل بموجبه الدولة ولاية المحكمة فيما يتعلق بالأحداث التي وقعت منذ 13 يونيو/حزيران 2014، بما في ذلك الحرب على غزة ومسألة المستوطنات بالأراضي المحتلة.

ومن أجل فهم وتقدير معنى هذه المبادرة، ينشر موقع أوريان 21 الفرنسي مقالة مترجمة بعنوان "فلسطين والمحكمة الجنائية الدولية" للأستاذة المحاضرة بالقانون الدولي شارون فايل المختصة في قانون النزاعات المسلحة وآلية إنفاذ القانون الدولي وقانون الاحتلال العسكري.

وجاء في المقالة أن السلطة الفلسطينية أصدرت بعد انتهاء عملية "الرصاص المصبوب" في 21 يناير/كانون الثاني 2009 إعلانا أوليا مخصصا يعترف باختصاص الجنائية الدولية -وفقا للمادة 12 (3) من نظام روما الأساسي- يسمح لدولة ليست طرفا في نظام روما الأساسي بقبول اختصاص المحكمة لمقاضاة الحالات التي ارتكبت فيها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية، كما يعطي المحكمة الولاية في جميع الأحداث منذ بدء عملها في يوليو/تموز 2002.

في ذلك الوقت، كان من غير المتوقع ولا المتخيل أن الجنائية الدولية ستكون قادرة على ممارسة الولاية القضائية على الوضع في فلسطين ما لم تنضم إليها إسرائيل، إلا أنه إذا تم قبول الإعلان فسوف يمنحها ذلك ولاية قضائية على عملية "الرصاص المصبوب".

غير أنه من الناحية القانونية -كما أورد المقال- يبقى من غير الواضح هل كان للسلطة الفلسطينية آنذاك الحق في إصدار مثل هذا الإعلان الذي يخصص عادة للدول المعترف بها في الأمم المتحدة، إذ إن البت في ذلك يعود إلى المدعي العام للمحكمة.

تقرير غولدستون
وقد أطلق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بعثة لتقصي الحقائق بقيادة القاضي ريتشارد غولدستون، كان الغرض منها التحقيق في انتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان المرتكبة خلال حرب غزة المسماة إسرائيليا "عملية الرصاص المصبوب".

وأصدرت البعثة تقرير غولدستون الشهير في سبتمبر/أيلول 2009، وتضمن الدليل الأول -حسب المقال- ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كان أول تقرير دولي يتناول قضية التحقيقات الداخلية في تهم جرائم الحرب، حيث خلص إلى أن التحقيقات العسكرية الإسرائيلية لا تفي بالمعايير الدولية.

وخلص التقريران الأمميان الإضافيان إلى أن النظام القضائي الإسرائيلي يفتقر إلى الاستقلالية الهيكلية والمؤسسية اللازمة لإجراء تحقيقات مناسبة، وأنه لم يكن بالشفافية ولا بالسرعة الكافية. إلا أن المدعي العام للجنائية الدولية لم يتخذ قرارا بقبول الإعلان الفلسطيني.

وحاولت تل أبيب -التي كانت على علم تام بما يدور- أن تقترب من معايير التحقيق الدولي في تقرير أجرته باسم "توركل" بعد أن تم دفن تقرير غولدستون عندما كتب أن لجنة التحقيق التي ترأسها "لم يكن لديها ما يكفي من الأدلة ليقول بثقة إن إسرائيل قتلت المدنيين عمدا".

وبعد ثلاث سنوات من المداولات، وقبل انتهاء ولايته مباشرة، أعلن المدعي العام للجنائية لويس مورينو أوكامبو أنه ليس له اختصاص بشأن هل لفلسطين وضع الدولة أم لا، وأحال القرار إلى الأمم المتحدة، حيث منحت الجمعية العامة للأمم المتحدة فلسطين وضع الدولة المراقبة غير العضو، مما يخولها الانضمام إلى المعاهدات الدولية، بما في ذلك نظام روما الأساسي.

هل سيتم التحقيق؟
وفي أبريل/نيسان 2014، صدقت فلسطين على 22 معاهدة، تشمل اتفاقيات جنيف، ولكنها لا تشمل نظام روما الأساسي الذي تم تأجيل التصديق عليه باعتباره "الخيار النووي" الأخير لدى الدبلوماسية الفلسطينية، وأن التهديد به أنجع من استخدامه.

وقد تم إنشاء بعثة أممية أخرى لتقصي الحقائق يرأسها أستاذ القانون وليام شاباس، وذلك بعد عملية عسكرية إسرائيلية جديدة على قطاع غزة عام 2014 تسببت في مزيد من الخراب والقتل خاصة بين الأطفال والنساء، حسب منظمة بتسيلم الإسرائيلية غير الحكومية.

وبعد أيام قليلة من انتهاء العمليات العسكرية، نشرت المدعية العامة الجديدة للجنائية الدولية فاتو بنسودة مقالا في صحيفة غارديان، أكدت فيه أن "فلسطين يمكنها الآن الانضمام إلى نظام روما الأساسي" موضحة بشكل غير رسمي أنه لا يمكن إصدار إعلان مخصص لما قبل نوفمبر/تشرين الثاني 2012.
الجنائية الدولية ليست سوى انعكاس لتوازن القوى حيث تقوم بمساءلة بعض الدول وتسمح لأخرى بالإفلات من العقاب

وعلى هذا الأساس، قدمت فلسطين صك انضمامها إلى نظام روما الأساسي وأودعت إعلانا آخر يعترف باختصاص الجنائية الدولية منذ 13 يونيو/حزيران 2014. وعلى عكس عام 2009، تم استيفاء الشروط السابقة لممارسة اختصاص الجنائية الدولية.

وتساءل المقال: هل سيتم التحقيق؟ ليقول إن الجواب قد لا يكون ممكنا لأن المدعية العامة يمكنها بعد أعوام من الفحص أن تقرر عدم الاختصاص كما فعل أوكامبو بعد ثلاث سنوات، وخاصة أن مجلس الأمن لديه سلطة منع فتح أو استمرار التحقيق لمدة 12 شهرا قابلة للتجديد.

وحتى في الحالات التي بدأ فيها التحقيق، يجب إيقافه إذا أبلغت الدولة المعنية المحكمة بأنها تفتح تحقيقا من جانبها -حسب المقال- وبالتالي يمكن لإسرائيل فتح تحقيق كما فعلت عام 2002، وأحبطت بذلك تحقيقا موازيا فتح في إسبانيا على أساس الولاية القضائية العالمية.

وقد أعلنت تل أبيب رسميا أنها فتحت 13 تحقيقا جنائيا فيما يتعلق بمقتل 27 من أفراد أسرة واحدة، بينهم 19 قاصرا وسيدتان، وحالات من النهب واستهداف مدرسة تابعة لأونروا قتل فيها 15 مدنيا.

وقد تم إغلاق عشرات الملفات بسرعة دون أن يكون لها أثر قانوني، ولا يزال بعضها مستمرا، ولا سيما القصف العشوائي في رفح خلال ما أطلق عليه "الجمعة السوداء" وقد قتل فيه 130 فلسطينيا وعدد كبير من الأطفال ردا على أسر جندي إسرائيلي.

وفي سياق تحقيق يتعلق بتسريبات من إذاعة الجيش الإسرائيلي، قررت منظمة بتسليم "عدم مساعدة المحامي العام العسكري في أي أسئلة تتعلق بهذه التحقيقات (...) لقد اتخذنا هذا الموقف في ضوء تجربتنا مع الأعمال العسكرية السابقة في غزة، والتي تبين أن التحقيقات التي أجرتها مجموعة ماغ لا تعزز المساءلة ولا تكشف الحقيقة".


إفلات من العقاب
وأشار المقال إلى أن مبدأ التكامل هذا يمكن أن يحمي المسؤولين الإسرائيليين والعسكريين بشكل فعال من المحكمة الجنائية الدولية، لما يتمتع به نظامهم القضائي من سمعة دولية. ومن السخرية أن ينتهي الأمر بنا إلى محكمة جنائية تتعامل فقط مع الجرائم التي يرتكبها الفلسطينيون لأن نظامهم القضائي غير قادر على التحقيق في الأنشطة الإجرامية التي يرتكبها مواطنوهم.

وخلص المقال إلى أن الجنائية الدولية ليست سوى انعكاس لتوازن القوى، حيث تقوم بمساءلة بعض الدول وتسمح لأخرى بالإفلات من العقاب، خاصة أن الصين والولايات المتحدة وروسيا أطراف في نظام روما الأساسي.

وفي الختام ذكرت الكاتبة أن المؤسسات القانونية -وإن كانت تأتي من رؤية سياسية وتعكس توازن القوى السياسية والهياكل القائمة- لا تستطيع تغيير ميزان القوة، وأنها في النهاية ليست "خيارا نوويا" ولكنها قيمة أخلاقية، وأن الجنائية الدولية إذا كانت أداة للسياسات غير المتكافئة فإن مستقبلها سيكون عرضة للخطر.
المصدر : وزارة الدفاع الأميركية,أوريان 21