ظلمه التاريخ ونسب إنجازاته لغيره.. أحمد حسن البكر رئيس العراق الذي قاد الانقلابات

عماد الشمري-أربيل

تاريخ العراق المليء بالأحداث السياسية لا يمكن أن يغفل رابع الرؤساء الجمهوريين بعد إسقاط العهد الملكي عام 1958، فقد عرف الرئيس أحمد حسن البكر -الذي تصادف ذكرى وفاته اليوم- قبل وصوله للرئاسة وبعد تسلمه الحكم بثوراته المتعددة.

ولد البكر عام 1914 في مدينة تكريت بمحافظة صلاح الدين شمال بغداد، وأنهى دراسته وتخرج فيها وعمل معلما لستة أعوام قبل التحاقه بالكلية العسكرية سنة 1938 لتتكلل بداية مسيرته العسكرية بالسجن وإجباره على التقاعد عقب مشاركته في حركة رشيد عالي الكيلاني ضد النفوذ البريطاني عام 1941 التي باءت بالفشل، لتكون بداية مشوار البكر عقب تخرجه مباشرة ضابطا برتبة ملازم، إلا أنه لم ييأس من المحاولات، فبعد 16 عاما أعيد للوظيفة ليغتنم الفرصة مساهما في الإطاحة بالملكية بالعراق سنة 1958 بعد انضمامه لتنظيم الضباط الوطنيين.

لم يدم هذا النجاح طويلا ليجبر من جديد على التقاعد بعد انضمامه لحركة الشواف بالموصل ضد رئيس الوزراء العراقي آنذاك عبد الكريم قاسم عام 1959.

العلوي أكد أن الظروف خدمت البكر في حقبته الزمنية (مواقع التواصل)

شخصية البكر
وحول شخصية البكر، يتحدث المحلل السياسي المخضرم حسن العلوي للجزيرة نت قائلا إن تلك الانقلابات كانت مدعومة من دول غربية، مضيفا أن من أهم العوامل التي ساعدت البكر وأقرانه للقيام بالثورات هو وجود صفة الشعب الحقيقية، ولذا تشترك جميع الأطياف في الثورة بخلاف اليوم إذ تحوّل الشعب إلى صفة المكونات وبات من الصعب إقناع مكون بالانقلاب على آخر، مؤكدا أن ظروف تلك الحقبة خدمت البكر ورفاقه كثيرا.

وبحسب تصريح العلوي فإن دعم حزب البعث -الذي أسسه ميشيل عفلق- للبكر واعتباره عضوا بارزا مكّنه من القيام والمشاركة في حركات عسكرية عدة، وتقول المصادر التاريخية إن البكر لم يستسلم للمحاولات الانقلابية الفاشلة لينظم لاحقا إلى حركة مسلحة بالتعاون مع التيارات القومية وعسكريين مستقلين استطاع من خلالها الإطاحة بالحكومة العسكرية لعبد الكريم قاسم يوم 8 فبراير/شباط 1963، ليصبح رئيسا للوزراء لعشرة أشهر قبل أن يطيح عبد السلام عارف يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه بحكومة حزب البعث بعد انشقاقات وإخفاقات متوالية داخل الحزب، إلا أن البكر وكالمعتاد عاود من خلال حركة 17 يوليو/تموز 1968 إسقاط الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف آنذاك.

 طارق حرب رأى أن البكر كان جريئا ومحنكا عسكريا (الجزيرة)

حنكة عسكرية
وتدل مشاركته في عدد الانقلابات العسكرية على جرأته وحنكته العسكرية، رغم بعض الإخفاقات كضابط متنفذ، كما وصفه الخبير العسكري وأحد شهود عهده طارق حرب.

ويضيف حرب أن جل قدرة البكر العسكرية تمثلت في نقطتين، إذ أقام علاقات متينة مع أعتى قوة عسكرية في ذلك الوقت متمثلة بالاتحاد السوفياتي واستطاع توقيع معاهدة الصداقة معه يوم 9 أبريل/نيسان 1972، وبرزت قوة الجيش العراقي حينها بإرسال أفواج متعددة لدعم سوريا عسكريا أثناء حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.

ويواصل حرب حديثه للجزيرة نت قائلا "كل ما أسس عسكريا في العراق يحسب للبكر دون منازع، وأهمها إنشاء 16 قاعدة جوية في عموم العراق، من أبرزها عين الأسد بمحافظة الأنبار وقاعدة البكر التي أصبحت قبل أعوام منطلقا لمقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية، وحتى مطار الناصرية وكان اسمه قاعدة الإمام علي الجوية، وكذلك مطار بغداد ومطار الكوت الذي تشغله طائرات شركات النفط اليوم، إلا أن أغلبها افتتح في زمن الرئيس الراحل صدام حسين، فظَلَم التاريخ البكر ونسبت إنجازاته لغيره"، مشيرا إلى أن مقر البرلمان الحالي هو أحد إنجازات البكر أيضا.

 همام الشماع رأى أن العراق انتعش اقتصاديا في عهد البكر (الجزيرة)

مؤسس اقتصادي
يقول الخبير الاقتصادي همام الشماع إن "الفترة التي أعقبت إزاحة الملكية من العراق عام 1958 شهدت بناء ملحوظا للاقتصاد إبان حكم البكر، إذ اتجهت البلاد نحو النفط كأساس للدخل الاقتصادي، وخصص من وارداته 70% للإعمار و 30% للموازنة، وهو ما أنعش العراق ليشهد تقدما عالميا في تلك الفترة".

ويضيف الشماع أن العراق تمكن بفضل ذلك من تأسيس سكة حديدية والنهوض بالتعليم حتى أصبح مساويا للدول الإسكندنافية باعتراف منظمة التربية والعلم والثقافة (يونسكو)، و"وضع الكثير من أسس النهضة الحديثة".

وهو ما أيده الخبير النفطي الدكتور محمود الجبوري، معتبرا تأميم النفط عام 1972 من أبرز الحسنات التي تحسب للبكر رغم امتعاض الكثير حينئذ من حزب البعث، لكنه قدم هذه الخطوة التي رفعت من شعبيته وحزبه.

ويواصل الجبوري أن "الإدارة التي سيّر بها البكر الأمور آنذاك كان لها دور فعال في تقدم العراق الذي بسبب تدني الإدارة بعده حتى اليوم فقد كل الأسس الاقتصادية وأكلت رؤوس الأموال الموضوعة بالبنى التحتية"؛ ويؤكد الشماع أن الإهمال وتناسي الإعمار سببان في فقدان الكثير من أسس الاقتصاد العراقي.

ويشير الشماع إلى أن فترة البكر شهدت تنمية اقتصادية واسعة في العراق ساعده عليها الارتفاع الذي حدث في أسعار النفط، وهو ما ذكره الجبوري مضيفا لها فرق نسبة السكان التي ازدادت أضعافا عما كانت عليه زمن البكر، إلا أن أسس الاقتصاد تحسب له كفترة ذهبية في تاريخ البلاد.

نهاية حكمه
وبقي البكر على رأس السلطة حتى عام 1979 قبل أن يعلن حزب البعث الحاكم آنذاك إصابته بمرض باركنسون أو ما يعرف بالشلل الرعاش وأنه غير قادر على أداء مهامه رئيسا للدولة، وسط تقارير تحدثت حينها عن أن نائبه حينذاك صدام حسين قد أجبره على التنحي لاستلام السلطة بدلا منه، ليبقى البكر بعيدا عن السلطة والسياسة عموما حتى وفاته يوم 4 أكتوبر/تشرين الأول 1982 عن عمر ناهز 68 عاما، ودفن في مقبرة الكرخ بقضاء أبي غريب التابع للعاصمة بغداد، ليبقى عمره حافلا بالإنجازات العسكرية والاقتصادية، كما قال العلوي.

المصدر : الجزيرة