عـاجـل: الخارجية المصرية: مصر حرصت على التفاوض لتسوية قضية سد النهضة بكل شفافية وحسن نية على مدار سنوات

جداريات قديمة بالسودان.. عنوان حضارة امتدت للشام ونافست الروم والفرس

تفاصيل حجر رملي يظهر الهيروغليفية المرّوية في ثلاثة أعمدة بمروي المصنفة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو (مواقع إلكترونية)
تفاصيل حجر رملي يظهر الهيروغليفية المرّوية في ثلاثة أعمدة بمروي المصنفة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو (مواقع إلكترونية)

في شمال السودان قرب الحدود مع مصر، تمتد أرض صحراوية شاسعة وحارة تكاد فيها الألوان تختفي بين زرقة السماء وصفرة الرمال، ولا يقطعها سوى وادي النيل الضيق والأراضي السهلية الخضراء المحيطة به.

كان هذا الجزء من وادي النيل ذات يوم موطنًا لحضارة أفريقية قوية وغنية تسمى "كوش"، تداولت الذهب، واعتمدت على التجارة بين مصر وبلدان البحر المتوسط شمالاً ومدن الصحراء الأفريقية جنوباً، وكانت أيضاً قوة عظمى في المنطقة، ووصلت إلى أقصى حد لها عندما غزت مصر وحكمتها تحت اسم "الأسرة الخامسة والعشرين" من نحو 725 إلى 653 قبل الميلاد، وحتى طردهم الأشوريون إلى منطقة النوبة.

واعتبرت كوش حضارة أفريقية سودانية لأكثر من ألفي عام، وكانت في بدايتها متمركزة في نبتة (كريمة الحالية بالسودان)، وفي السنوات من ثلاثمئة قبل الميلاد إلى ثلاثمئة بعد الميلاد حكمت كوش من العاصمة مروي، حتى تفككت وضعفت بسبب التمردات الداخلية، واستولت عليها مملكة أكسوم الحبشية. 

ووثق "مشروع الكرو الدولي لعلم الآثار" طقوساً دينية "غريبة" وغامضة لهذه الحضارة القديمة، ونحتت كتابات مختلفة على الجدران في أماكن اعتبرت مقدسة في أراضي إمبراطورية كوش، حسب الباحثين الأميركيين سوزان ديفيز وجيف إمبيرلينغ من جامعة ميشيغان.

ولا يزال من الممكن رؤية هذه الكتابة على الجدران اليوم في عدة مواقع في مملكة كوش، منها هرم ومعبد في مدينة الكرو شمال السودان، وفي مركز موسمي للحج يُطلق عليه "مصورات السفراء"، ومعبد إيزيس في فيلة قرب الحدود مع مصر، بحسب الباحثين الأميركيين.

وتقع مروي، التي تعد اليوم أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، على طول نهر النيل على بعد نحو مئة ميل إلى الشمال من الخرطوم، وعرفت "مملكة مروي" في الجغرافيا اليونانية المبكرة باسم آثيوبيا.

كتابات الفراعنة السود
وتم اكتشاف الكتابة على الجدران في الكرو بواسطة بعثة من علماء الآثار والحفريات من متحف كيلسي بجامعة ميتشغن، ووجدوها على هرم وفي معبد تحت الأرض في الموقع. 

وكان الكرو مقبرة ملكية لملوك أسرة النبطان الذين حكموا مصر باعتبارهم الأسرة 25، لكن الكتابة على الجدران تعود إلى عدة مئات من السنين بعد حكم الملوك. بحلول هذا الوقت، تم الاستغناء جزئيًّا عن الأهرامات والمعبد الجنائزي، لكن الناس ظلوا يزورون الموقع وينحتون رسوما على الجدران.

تتضمن الكتابة على الجدران رموزًا واضحة لكوش القديمة، مثل الكبش الذي يمثل الشكل المحلي للإله آمون، والرماة ذوي السيقان الطويلة الذين يرمزون إلى براعة الكوشيين في الرماية. وهناك أيضا تصاميم النسيج المعقدة، وكذلك الحيوانات كالخيول الجميلة والطيور والزرافات.

وحكمت الأسرة النوبية 25 أو "الفراعنة السود" مصر والسودان، وبنوا أكثر من مئتي هرم في مدينة نبتة وما حولها شمال السودان، وامتد نفوذها إلى أجزاء من بلاد الشام، وأصبحت واحدة من أقوى الإمبراطوريات عالميًّا في زمانها، ونافست الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية. 

وانتصر ملك الكوشيين طهارقا في حربه مع الفرس، وكانت الحرب سجال بين الرومان والكوشيين، لكنهم انهزموا لاحقاً في حربهم مع الأشوريين، وتراجعوا إلى جنوب مصر وشمال السودان ليؤسسوا مملكة نبتة (656-590 ق.م)، ثم مملكة مروي (590 ق.م إلى القرن الرابع الميلادي).

معرض أميركي لآثار سودانية
ويقدم معرض بمتحف كيلسي للآثار بجامعة ميشيغان حتى مارس/آذار 2020 صورًا ونصوصًا وعروضًا تفاعلية لكتابة كوش، ويقدم النموذج المكتوب بالتزامن مع المعرض أمثلة مختارة من الكتابة على الجدران من وادي النيل وخارجه، بما في ذلك مدينة بومبي الرومانية القديمة.

ورغم العادة القائمة على فهم الثقافات القديمة من خلال أنشطة النخبة القوية والفن الذي تركوه في قصورهم ومعابدهم ومقابرهم، فإن هذه الصورة للحياة القديمة تعد قاصرة ومشوهة وغير مكتملة؛ وفي المقابل تتيح الكتابة على الجدران المعروضة في هذا المعرض لمحة عن أنشطة المجتمع من غير النخبة وإخلاصهم الديني في أماكن معينة. إنه تذكير بأن المجتمع أكبر وأوسع من النخبة والطبقات القوية، بحسب مقال الباحثين الأميركيين المنشور في موقع "كونفيرزيشن".

نقوش مروية في خطر
وتواجه الكتابات القديمة المنحوتة على الجدران مخاطر عدة؛ فالحجر يتآكل بفعل الظروف الجوية والعواصف الرملية والممطرة والفيضانات في المنطقة الصحراوية. 

ويعمل فريق من الباحثين على توثيق وتصوير الكتابات المنحوتة على الجدران والاحتفاظ بها إلكترونيًّا عبر تقنية تصوير لحفظها افتراضيًّا وأرشفتها في حال تضررت في المستقبل.

وفي تقرير سابق لصحيفة التلغراف البريطانية، قالت رئيسة البعثة الفرنسية للآثار السودانية في الخرطوم والخبيرة باللغة المروية القديمة كلود ريلي إنهم لا يعرفون سوى نحو خمسين كلمة من اللغة المروية، ويتطلب الأمر معرفة ألف كلمة أخرى حتى يتمكنوا من فهم اللغة.

وأدلت عالمة الآثار بالمتحف البريطاني جولي أندرسون بدلوها في الموضوع قائلة "إذا تمكنا من فك شفرة هذه اللغة سينفتح أمامنا عالم جديد كما لو أن الكوشيين القدماء يتحدثون إلينا".

المصدر : الجزيرة