شعار قسم ميدان

تطبيع برائحة الغاز.. هكذا تُحوِّل إسرائيل مشاريع الطاقة إلى أداة للنفوذ في محيطها العربي

غاز-اسرائيل

طوال العقد الفائت، عصفت بالمنطقة العربية مجموعة من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي خلَّفت وراءها الكثير من التحديات المؤثرة على مستقبل الأفراد والدول على السواء. من بين كل التحديات، برز إلى السطح ملفان رئيسيان شكَّلا تحديا إستراتيجيا على طاولة العديد من الدول العربية وهما الكهرباء والطاقة، قضيتان يبدو أنهما ستلعبان دورا أساسيا في إعادة تشكيل خريطة التحالفات والعداوات في المنطقة خلال الفترة القادمة.

 

وتُعَدُّ العراق ولبنان وسوريا واليمن في مقدمة الدول التي اشتبكت مع هذين الملفين الحرجيْن، ما جعلها مركزا للصراع بين القوى الإقليمية الرئيسية التي تود الحصول على حصة من هذه الكعكة، التي تمتزج فيها العوائد الاقتصادية بطموحات السيطرة والنفوذ. وفي خضم هذا الصراع، يحضر الاحتلال الإسرائيلي بوصفه لاعبا رئيسيا؛ ما يطرح تساؤلات عدّة حول طبيعة اتفاقيات الطاقة التي تُرسم ملامحها، وعن الأبعاد الجيوسياسية لهذه الاتفاقات والدور الذي تلعبه على صعيد دمج دولة الاحتلال في البنية الاقتصادية للمنطقة.

 

اتفاقيات اقتصادية.. بنكهة سياسية

خلال الأشهر الأخيرة، شهدت المنطقة مجموعة من اللقاءات المتبادلة التي شملت مصر والأردن ولبنان والعراق لبحث المشاريع المشتركة لإمداد هذه الدول بالكهرباء والغاز. كانت حصيلة هذه اللقاءات توقيع اتفاقيات للطاقة بين الأردن وسوريا ولبنان من جهة (1)، وبين الأردن والعراق من جهة أخرى (2)، بالإضافة إلى اتفاق الغاز المصري الإسرائيلي، الذي ينص على بناء خط أنابيب جديد تحت سطح البحر بسعة 10 مليارات متر مكعب في السنة يربط حقل الغاز الإسرائيلي "ليفياثان" بمحطات الغاز الطبيعي المُسال المصرية. كما أكَّدت وزارة الطاقة الإسرائيلية في أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن إسرائيل ومصر تناقشان إنشاء خط أنابيب بري لزيادة صادرات الغاز الإسرائيلي إلى مصر. وتُشير التقارير المستقلة إلى أن السعة المتوخاة للمشروع تتراوح بين 3-5 مليارات متر مكعب في السنة، مع بدء التشغيل المُقرَّر بحلول عام 2024 (3).

بالتزامن مع ذلك تقريبا، وقَّع الأردن وإسرائيل "إعلان نوايا" -برعاية إماراتية- للدخول في عملية تفاوضية حول مشروع مشترك لتبادل الكهرباء والمياه (4). كما وقَّعت الإمارات عقدا لشراء حصة في حقل تمار للغاز الطبيعي الواقع تحت سيطرة دولة الاحتلال الإسرائيلي في شرق البحر المتوسط بمبلغ يصل إلى 1.1 مليار دولار، وهي أول صفقة تجارية كبيرة بين الإمارات وإسرائيل منذ تطبيع العلاقات بينهما (5).

 

ورغم الصبغة الاقتصادية الواضحة لهذه الاتفاقات، فإنها لا تخلو من أبعاد جيوسياسية واضحة. لنأخذ العراق على سبيل المثال، حيث وقَّعت بغداد وعمّان عام 2020 اتفاقا لربط شبكة الكهرباء بين البلدين، وبالتزامن، وقَّع العراق اتفاقية مشابهة للربط الكهربائي تستهدف في مرحلتها الأولى الحصول على 500 ميغاواط لتأمين احتياجات جنوب مدينة البصرة، مع خطط لتمديدها مستقبلا لتشمل مناطق وسط وشمال العراق (6). في النهاية، من المرجَّح أن تلك الاتفاقات سوف تُعزِّز من نفوذ الأردن ودول الخليج على الساحة العراقية في مواجهة النفوذ الإيراني، وهو ما ينسجم مع الخطة الأميركية لتوفير حلفاء جدد للعراق لإبعاده عن مدار طهران من ناحية، ولإحكام الخناق على الأخيرة من ناحية أخرى، حيث يُعَدُّ العراق متنفسا مهما لإيران للتقليل من تأثيرات العقوبات الأميركية عليها.

 

أما الملف الأبرز الذي يظهر فيه التنافس الإقليمي في مجال الطاقة فهو الملف اللبناني الذي ستلعب فيه سوريا دورا مهما. فمع تفاقم أزمة الكهرباء في لبنان الذي تعصف به أزمات سياسية متلاحقة، يشتعل سباق بين فريقين يوظِّف كلٌّ منهما أدواته لجذب بيروت إلى ناحيته. فمن ناحية، يسعى حزب الله المدعوم إيرانيا للخروج من الأزمة دون الحاجة إلى دفع أثمان سياسية باهظة من شعبيته ونفوذه السياسي، وفي الجهة المقابلة، تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع دول عربية للحد من التأثير الإيراني في لبنان عبر دعم خطة إنقاذ لقطاعَيْ الطاقة والكهرباء.

 

تستند خطة أميركا وحلفائها في هذا الملف إلى خطوتين رئيسيتين؛ الأولى هي نقل فائض الكهرباء الذي يولِّده الأردن إلى لبنان عبر أبراج عمودية تمر عبر سوريا. ويُنتِج الأردن نحو 4500 ميغاواط من الكهرباء، في حين يبلغ احتياجه نحو 3300 ميغاواط بفائض يتجاوز 1000 ميغاواط يسعى الأردن لتصديرها للاستفادة من عائداتها في تحسين وضعه الاقتصادي الصعب. ناهيك بأن الأردن يهدف خلال هذا العام إلى زيادة إنتاجه من الكهرباء بمقدار 450 ميغاواط إضافية، ترتفع فيما بعد إلى 750 ميغاواط (7).

وقد أبدت عمّان استعدادها بالفعل لتزويد لبنان بما يعادل 400 ميغاواط من الكهرباء يوميا، لكن هذه الكمية من غير المرجَّح أن تكفي لتلبية احتياجات بيروت التي تعاني حاليا نقصا تقديريا في الطاقة يبلغ 1500 ميغاواط، لذلك من المستبعَد أن تحل هذه الخطة الأزمة بالكامل، ولكنها ستغطي بالكاد 30% من الفجوة الحالية (8).

 

هنا يأتي دور الخيار الثاني، وهو إرسال الغاز الطبيعي إلى لبنان عبر خط أنابيب الغاز العربي، وهي شبكة إقليمية تمتد من شبه جزيرة سيناء المصرية، عبر الأردن، وأجزاء من سوريا إلى شمال لبنان، لاستخدامه في محطات توليد الكهرباء. لكن هذا الخيار يصطدم بشكل رئيسي بتداعيات الأزمة السورية وما ترتَّب عليها من فرض عقوبات على دمشق تعوق قدرة دول الجوار السوري على التعامل مع القطاعات الحكومية، وفي مقدمتها شركات الغاز والكهرباء السورية المُدرَجة في قائمة العقوبات الأميركية وفقا لقانون قيصر. أما التحدي الآخر لهذا المسار فيتمثَّل في اتفاقيات الغاز التي تجمع كلًّا من مصر والأردن مع إسرائيل.

 

تُعارض دولة الاحتلال أي اتفاقيات تصب في مصلحة أعدائها في المنطقة (تعتبر لبنان أحدهم بسبب هيمنة حزب الله) دون أن يكون لذلك أثمان تتعلق بأمنها وصراعها مع إيران، وهي وجهة النظر التي تؤيدها أوساط في إدارة بايدن، التي قد تغض الطرف عن أي مسعى عربي لإمداد لبنان بالغاز عبر سوريا، دون ضمانة أن يكون ذلك ضمن مشروع أكبر يهدف بالدرجة الرئيسية إلى تحويل التوجُّهات الإقليمية لكلٍّ من سوريا ولبنان، وتقليل النفوذ الإيراني فيهما.

 

بالنظر إلى هذه الصعوبات، بالإضافة إلى الأعباء المالية واللوجستية لنقل الطاقة (التي تفوق قدرة لبنان المالية وقدرات البنية التحتية السورية أيضا)، يبقى خيار اعتماد لبنان على نقل الوقود عبر ناقلات بحرية وبرية هو المتاح حاليا، لكن المشكلة أن هذا الخيار يفيد إيران وسوريا وحزب الله في المقام الأول (9)، حيث تسهم ناقلات الوقود الإيرانية في تعزيز مكانة الحزب بوصفه الطرف الأقدر على التعامل مع الأزمات ولو جزئيا، في ظل عجز الأطراف الإقليمية عن توفير بدائل مُجدية.

 

غاز "إسرائيل".. هل يُعزِّز مكانتها؟

The production platform of Leviathan natural gas field is seen in the Mediterranean Sea, off the coast of Haifa, northern Israel June 9, 2021. Picture taken June 9, 2021. REUTERS/Amir Cohen
منصة إنتاج حقل ليفياثان للغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط

لكن رغم تعثُّر المشروعات البديلة لتزويد لبنان بالطاقة حتى الآن، تبقى الحقيقة الثابتة بشأنها أن الاحتلال الإسرائيلي سيكون شريكا مهما في هذه الاتفاقات بشكل من الأشكال، ليس عبر المباركة السياسية فحسب، لكن أيضا عبر المشاركة الفعلية حتى لو كانت غير مباشرة. ففي ظل الوفرة الكبيرة في الغاز لدى دولة الاحتلال، واستمرار تدفُّق هذا الغاز إلى الدول العربية بموجب الاتفاقات التي تربط إسرائيل مع الأردن ومصر، فإن ذلك يعني في النهاية أن إمدادات الطاقة التي ستوفِّرها الدولتان ستعتمد على تفاهماتهما السابقة مع إسرائيل في المقام الأول.

 

ورغم معارضة إسرائيل -حتى الآن- لمشروعات تزويد الطاقة البديلة في لبنان وسوريا، فإن نجاح هذه المشروعات من المُرجَّح أن يصب في مصلحتها في النهاية، عبر منحها فرصة اختراق قطاعات حيوية في دول مناوئة لها في المنطقة، ما يمنحها نفوذا على تلك الدول يمكن توظيفه لانتزاع تنازلات سياسية. وتُشير هذه الحقيقة إلى أن الإستراتيجية الأميركية بتمكين إسرائيل في المنطقة وربط مصالح دول المنطقة بها ما زالت تعمل بحيوية، وهي الفكرة الجوهرية في صفقة ترامب سيئة السمعة المعروفة باسم "صفقة القرن".

 

الأكثر من ذلك أنه في حال تداخلت هذه الاتفاقات مع تلك المشاريع الأخرى المطروحة لنقل الوقود والغاز الخليجي إلى أوروبا، فستحوز دولة الاحتلال مكانة إستراتيجية في أحد أهم القطاعات الحيوية التي تؤثر على اقتصادات دول المنطقة واستقرارها الاجتماعي والسياسي، وستُرسِّخ نفسها بعمق في البنية الاقتصادية ومنظومة العلاقات المتبادلة بين دول المنطقة.

UMM SA'ID, QATAR - OCTOBER 30: A petroleum refinery of Qatar Petroleum stands on October 26, 2011 near Umm Sa'id, Qatar. Qatar is ranked 16th in countries with the biggest oil reserves and 3rd in natural gas reserves. (Photo by Sean Gallup/Getty Images)

لكن على الجانب الآخر، يبدو أن الأمر لا يخلو من مخاطر، لعل أوضحها أن دخول إسرائيل على خط اتفاقيات الغاز والكهرباء في المنطقة يظل عاملا غير مُشجِّع للعديد من الأطراف والشركات العاملة في هذا المجال، نظرا لانخراط إسرائيل في عدة صراعات في المنطقة تمس استقرارها الأمني، وتعوق قدرتها على توفير بيئة استثمار مستقرة على المدى الطويل، وهو ما يُعَدُّ شرطا أساسيا لنجاح مثل هذه المشروعات.

 

قدَّمت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة العام الماضي برهانا واضحا على هذه الحقيقة، حيث سعت المقاومة الفلسطينية لاستهداف حقول ومشاريع الغاز الإسرائيلية، وعلى رأسها منصة تمار النفطية، ومنشآت تخزين النفط على الساحل، بالإضافة إلى موانئ ومرافق حيوية أخرى تخدم هذا القطاع على وجه الخصوص. واضطرت حينها شركة "شيفرون" الأميركية العملاقة إلى إغلاق المنصة الواقعة على بُعد 25 كيلومترا شمال غرب قطاع غزة، ناهيك باضطرار دولة الاحتلال إلى تأجيل الجولة الرسمية الرابعة للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط (10).

 

تنخرط إسرائيل كذلك في نزاعات حول بعض حقول الغاز مع لبنان، حيث لم تُسفر حتى الآن جهود كبير مستشاري الولايات المتحدة لأمن الطاقة العالمي، عاموس هوكستين، في إحداث اختراق بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود البحرية المشتركة، وهو ما يُضيف طبقة جديدة من الشكوك حول ديمومة ونجاعة الاعتماد على الطاقة الإسرائيلية، ويُحجِّم كثيرا من طموحات دولة الاحتلال لتحويل الغاز الطبيعي إلى أداة فعّالة لممارسة النفوذ.

———————————————————————————–

المصادر

[1] لبنان يتفق مع الأردن وسوريا على صيغة تزويده بالكهرباء، وكالة الأناضول.

[2] الأردن والعراق يوقعان عقد ربط شبكة الكهرباء بين البلدين – جريدة الغد.

[3] إسرائيل تشرع في ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر بموجب اتفاقية هي الأهم منذ إقرار السلام، فرانس 24.

[4] الأردن وإسرائيل يوقعان في دبي إعلان نوايا لمقايضة الطاقة بالمياه | اقتصاد | الجزيرة نت.

[5] تفاصيل صفقة حقل غاز تمار بين إسرائيل والإمارات | عربي بوست.

[6] بغداد: اكتمال 80% من التزامات اتفاقية الربط الخليجي للكهرباء، الخليج أونلاين.

[7] Associated Press, “Jordan PM Says to Hasten Gas Delivery to Crisis-Hit Lebanon,” September 30, 2021. 

[8] World Bank, “Lebanon Electricity Transmission Project,”.

[9] وزير الخارجية الإيراني يزور بيروت ويعلن استعداد طهران للمساعدة في كسر "حصار" لبنان | أخبار سياسة | الجزيرة نت.

[10] Israel/Gaza Attacks: Oil & Gas Facilities Under Threat.

المصدر : الجزيرة