بالنسبة لمعظم الناس، يستحضر الطاعون صورا من وباء العصور الوسطى المميت، وربما هناك شعور مطمئن غامض بأن مثل هذه المخاطر القديمة لم تعد موجودة في العالم المتقدم.
ولكن في السنوات الأخيرة، وبفضل عمل علماء الوراثة وعلماء الآثار والمؤرخين، نعلم الآن أن الحضارة الإنسانية والطاعون تربطهما روابط أعمق مما كان يفترض سابقا، والدروس المستفادة من دراسة هذا التفاعل التاريخي يمكن أن تعيد تشكيل طريقة تفكيرنا في الصحة العامة العالمية اليوم.
أخبار مقترحة
إن جميع الأمراض المعدية ناجمة عن مسببات الأمراض: البكتيريا والفيروسات والطفيليات والأوليات، وهي قادرة على تخريب أجهزة المناعة لدينا لفترة كافية لنصبح مرضى. هذه الكائنات هي نتاج تطورها البيولوجي، وقد يكون تاريخ تطور الطاعون (جنبا إلى جنب مع فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (الإيدز) "إتش آي في") السر الأكبر لمسببات الأمراض المعروفة علميا حتى الآن.
وبكتيريا الطاعون، في شكلها الأكثر تدميرا، تعود لنحو ثلاثة آلاف سنة، وتطورت في آسيا الوسطى كمرض قوارض، وكان البشر ضحايا عرضيين.

البشر ضعفاء
من وجهة نظر الجرثومة، فنحن البشر ضعفاء، لأننا نموت بسرعة، ونكون عادة غاية لا وسيلة لنقل الوباء. وينتشر الطاعون أساسا من لدغة البراغيث، وقبل بضعة آلاف من السنين، اكتسبت البكتيريا طفرة جينية جعلتها تنتشر بفعالية وبشراسة، وأدى هذا التكيف إلى تقوية الوباء، الذي أثبت أنه كابوس بالنسبة للقوارض والبشر الذين يعيشون بالقرب منها.
وبفضل الأدلة الجينية الجديدة، يمكننا أن نحدد بثقة أكبر متى يتكرر هذا الكابوس، وكان من بين أكثر النتائج إثارة للدهشة في السنوات الأخيرة انتشار الطاعون في عينات من العصر الحجري ومجتمعات العصر البرونزي في أوروبا وآسيا الوسطى. وفي حين أنه لا يزال الدور الذي يلعبه الطاعون في فشل تلك المجتمعات غير واضح، فمن المنطقي الافتراض أن هذا المرض أثر تأثيرا طويلا على تاريخ البشرية.
ومن المؤكد الآن أن بكتيريا "يرسينيا بيستيس" كانت في الواقع السبب المرضي المسؤول عن اثنين من الأوبئة الأكثر تدميرا على الإطلاق. جاء الطاعون الأسود، الذي يعيش في أذهان الناس حتى يومنا هذا، من آسيا الوسطى عام 1340 من الميلاد، وفي غضون بضع سنوات هلك ما يقرب من نصف سكان المناطق التي أصابها، ثم استمر عدة قرون أخرى؛ مما أسفر عن مقتل الكثيرين.
ولكن هذه الحلقة بأكملها تُعرف بشكل صحيح باسم "الوباء الثاني". بدأ أول وباء سنة 541 من الميلاد، في عهد الإمبراطور الروماني جستنيان، وعُرف تفشي المرض بالطاعون الجستنياني، ومثل الطاعون الأسود، تسبب في دمار هائل من آسيا الداخلية إلى شواطئ الأطلسي في غضون بضع سنوات، وكان مجموع الوفيات يقدر بعشرات الملايين، وكان المعاصرون المصابون على يقين بأنهم على وشك الموت.
وكما هي الحال مع الطاعون الأسود، تساءل المؤرخون في وقت لاحق عما إذا كان مرض القوارض يمكن أن يسبب الدمار على هذا النطاق؟ ولكن في السنوات الأخيرة، تم العثور على آثار وراثية للمرض في قبور القرن السادس، وأدلة الحمض النووي تدين بكتيريا "يرسينيا بيستيس" بالقتل الجماعي القديم بشكل نهائي، كما هي الحال في قاعة محكمة حديثة، وتسبب الطاعون في أزمة ديموغرافية أدت إلى إسقاط "الإمبراطورية الأبدية الرومانية".
كانت جائحات الطاعون معقدة للغاية من الناحية الإيكولوجية. وشملت هذه الجائحات ما لا يقل عن خمسة أنواع، في ترتيب محفوف بالمخاطر: البكتيريا نفسها، مضيف الخزان مثل المرموط من القوارض أو الجربلات (gerbils)، وناقلات البرغوث، وأنواع القوارض في أماكن قريبة من البشر والضحايا البشرية.
فقد غادرت الجرثومة موطنها الأصلي في آسيا الوسطى، وفي حالة طاعون جوستينيان، يبدو أنه قد انتشر عن طريق استغلال شبكات الشحن في المحيط الهندي. وفي مرة داخل الإمبراطورية الرومانية، وجدت بيئة قد تحولت من قبل الحضارة الإنسانية، جنبا إلى جنب مع المستعمرات الضخمة من القوارض التي تتغذى على حشرات العالم القديم واسعة الانتشار، وساعد التوسع البشري القوارض على الازدهار، وأدت إصابات الفئران بدورها إلى تكثيف وإطالة أمد انتشار الطاعون.
هناك أدلة محيرة على أن تغير المناخ لعب أيضا دورا في انتشار الوباء الأول؛ فقبل بضع سنوات من ظهور الطاعون على الشواطئ الرومانية، عانى الكوكب من أكثر الحوادث المفاجئة لتغير المناخ في السنوات القليلة الماضية، وأربك تشنج الانفجارات البركانية -في 536 من الميلاد، عندما أعلن المؤرخون عن سنة بدون صيف، ومرة أخرى بين 539 و540- النظام المناخي العالمي.

الإيكولوجي
ولا تزال الآليات الدقيقة التي تمكن الأحداث المناخية من نشر وباء الطاعون موضع نزاع، ولكن الصلة لا لبس فيها، والدرس يستحق التأكيد: العلاقة المعقدة بين المناخ والنظم الإيكولوجية (الإيكولوجي هي دراسة علاقة الكائنات الحية بالبيئة التي تعيش فيها) تؤثر على صحة الإنسان بطرق غير متوقعة.
إن الطاعون في مدغشقر اليوم هو فرع مما يعرف باسم "وباء الطاعون الثالث"، وهو تشتت عالمي من بكتيريا "يرسينيا بيستيس" التي انتشرت من الصين أواخر القرن 19. ولا يوجد لقاح بعدُ لهذا المرض، في حين تكون المضادات الحيوية فعالة إذا استخدمت في وقت مبكر، والتهديد بمقاومة مضادات الميكروبات هو أمر حقيقي.
وقد يكون ذلك أعمق درس من التاريخ الطويل لهذه الآفة؛ فالتطور البيولوجي ماكر وخطير، ويمكن للطفرات الصغيرة أن تغير فوعة المُسبب في المرض أو قدرة انتقاله، لكن تطوره متواصل.
قد نستطيع السيطرة على الطاعون اليوم، على الرغم من الأحداث في شرق أفريقيا، ولكن تاريخنا الطويل مع هذا المرض يدل على أن سيطرتنا عليه واهنة، ومن المرجح أن تكون عابرة، وأن التهديدات على الصحة العامة في أي مكان تشكل تهديدا للصحة العامة في كل مكان.
_______________
* أستاذ الدراسات الكلاسيكية والأدبية في جامعة أوكلاهوما، ومؤلف كتاب "مصير روما: المناخ، المرض، ونهاية الإمبراطورية".















