لم تكن "أمومة" الدكتورة هبة سعودي أستاذة الفيزياء النووية بكلية العلوم بنات جامعة الأزهر عائقا لها عن إحراز نجاحات عالمية في مجالها الدقيق، بل كانت الدافع والملهم لها نحو إيجاد حلول غير تقليدية من أجل توفير "الحماية".
هكذا انطلقت في أبحاثها بقلب أم ترعى وتعتني وعقل باحثة مصنفة عالميا ضمن قائمة ستانفورد لأفضل 2% من العلماء الأكثر تأثيرا عالميا عام 2025، كما احتلت المركز 31 عالميا ضمن أفضل علماء العالم في تخصص المواد النووية والآثار الإشعاعية وفقا لتصنيف "توب 1000 سكولار" (Top1000 Scholar) لعام 2026. وكان ذلك بفضل أبحاثها ومحاولاتها لإيجاد طرق مبتكرة ومتاحة للحماية من تأثيرات الإشعاعات الذرية، باستخدام مواد اقتصادية ومخلفات صناعية.
أخبار مقترحة
من إجازة رعاية الأطفال إلى العالمية
زوجة وأم لثلاثة أبناء، بدأ انجذاب سعودي للفيزياء النووية خلال سنوات الدراسة الجامعية، لكن مسارها الأكاديمي لم يسر بالطريقة التي توقعتها عقب تخرجها وتعيينها معيدة، حيث تم توجيهها إلى تخصص فيزياء الجوامد وفقا لاحتياجات القسم في ذلك الوقت.
لم تلبث سعودي أن اضطرت إلى الحصول على إجازة رعاية أطفال، لم تتوقع أنها سوف تعود من بعدها لتبدأ الدراسات العليا من جديد، ولكن في الفيزياء النووية، المجال الذي أحبته منذ البداية.
وتعترف للجزيرة نت: "عقب عودتي من الإجازة كان علي أن أعيد ترتيب مساري العلمي وأبدأ من جديد في تخصص مختلف. لم يكن الأمر سهلا؛ لأن البحث العلمي يحتاج إلى تفرغ ذهني واستمرارية ومتابعة، بينما الأمومة مسؤولية لا يمكن تأجيلها. لكن دعم أسرتي وإيماني بالله، ثم إصراري ألا أتنازل عن حلمي، ساعدني على تجاوز هذه المرحلة".
وتضيف: "أحب دائما أن أقول إن التأخر في الوصول لا يعني الفشل، وإن لكل إنسان توقيته وطريقه الذي يكتبه الله له، والأسرة بالنسبة لي هي المساحة التي أستمد منها قوتي وهدوئي. أحب عملي جدا، لكنني أحب أيضا أن أكون قريبة من أولادي والمحيطين بي، وأستمتع بالتفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها البعض".

جملة عابرة في "المطار" غيرت مسار حياتها
وسط أيام مزدحمة بين الجامعة، والبحث العلمي، والمسؤوليات الإدارية والطلاب، تواصل هبة سعودي محاولاتها، منطلقة من معنى تضعه نصب عينيها: "قيمة الإنسان ليست في المناصب التي يشغلها، وإنما في الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين"، ومع ذلك تسلل الشك إلى قلبها بشأن قدرتها على مواصلة عملها.
تقول: "مرت علي لحظات تساءلت خلالها هل أستطيع الاستمرار؟ وهل سأصل إلى ما أطمح إليه؟ حتى إنني فكرت في الابتعاد عن البحث العلمي، خاصة مع تراكم المسؤوليات وصعوبة التوفيق بين متطلبات الحياة والأسرة والعمل. لكن من المواقف التي لا أنساها أنني التقيت مصادفة بأستاذي الراحل الدكتور سمير الخميسي في مطار الرياض، وكان لهذا اللقاء أثر كبير في نفسي. تحدث معي وشجعني على الاستمرار، وربما لم يكن يدرك وقتها أن كلماته ستظل عالقة في ذاكرتي كل هذه السنوات. تعلمت من هذا الموقف أن كلمة تشجيع في وقتها قد تغير مسار إنسان بالكامل. ومن يومها أصبحت أؤمن أن الإنسان لا ينبغي أن يتخلى عن حلمه لمجرد أن الطريق أصبح صعبا".
ولع خاص بالفيزياء النووية .. هذا هو السر
لم تكن الفيزياء مجرد اختيار دراسي بالنسبة إلى هبة سعودي، بل شغفا حقيقيا، تقول: "الفيزياء تفتح أمامي أبوابا لفهم الكون والطبيعة من حولنا، وأكثر ما جذبني إليها أنها علم يقوم على التساؤل والبحث عن تفسير لما يبدو أحيانا غامضا، وكان لوالدي وأساتذتي دور كبير في تشكيل هذا الشغف، فقد جعلوني أرى الفيزياء بصورة أعمق من مجرد معادلات وقوانين، وكلما تعمقت في هذا العلم اكتشفت أن هناك أسئلة جديدة تستحق البحث، وهذا ما جعلني أستمر وأحب ما أفعله".
مسألة تبدو متوقعة من باحثين رجال، لكن بالنسبة لامرأة كان الأمر أصعب، تقول: "قد تشعر المرأة في بعض المجالات العلمية شديدة التخصص أنها مطالبة بأن تثبت قدرتها من خلال عملها ونتائجها بصورة مستمرة، لكنني لا أنشغل كثيرا بإثبات نفسي للآخرين، وأترك عملي وأبحاثي يتحدثان عني؛ فالمعيار الحقيقي هو الكفاءة والإنتاج العلمي".
لكنها تعود لتستطرد: "المرأة لديها تحد إضافي يتمثل في قدرتها على التوفيق بين أدوار متعددة؛ فهي باحثة وأم وزوجة، وقد تكون أيضا مسؤولة عن مواقع أكاديمية وإدارية. وأنا لا أرى أن هذه الأدوار تتعارض بالضرورة، بل يمكن أن يكمل بعضها بعضا إذا توافرت البيئة الداعمة. وأتمنى أن ترى كل فتاة أن العلم ليس حكرا على أحد، وأنها قادرة على المنافسة والإبداع في أدق التخصصات العلمية".

أيام حافلة وشغف نحو التعلم المستمر
بين مسؤوليات كثيرة تمضي أيام أستاذة الفيزياء النووية وتطبيقاتها، فهي وكيلة كلية علوم الرياضة، وتشرف على بعض الملفات الجامعية والمجتمعية، فيمتد العمل إلى ما بعد ساعات الجامعة، فضلا عن نهمها نحو تعلم المزيد.
وتقول سعودي: "الفيزياء النووية علم واسع، ولا تقتصر أهميته على دراسة الإشعاع أو التفاعلات النووية، وإنما تمتد إلى كيفية التعامل الآمن مع الإشعاعات والاستفادة من تطبيقاتها. ومن هنا جاء اهتمامي بمواد الوقاية والتدريع الإشعاعي. بدأت أبحث في خصائص المواد المختلفة وقدرتها على امتصاص أو إضعاف أشعة جاما والنيوترونات، ثم اتجهت إلى تطوير مواد جديدة يمكن استخدامها في الحماية من الإشعاع".
وتضيف: "ما يشغلني بصورة خاصة هو توظيف خامات صديقة للبيئة ومخلفات صناعية، مثل مخلفات البورسلين وبعض المواد الزجاجية، لإنتاج مواد تدريع تجمع بين الكفاءة العلمية والتكلفة الاقتصادية والاستدامة. فأنا أؤمن أن البحث العلمي الحقيقي لا يتوقف عند إثبات فكرة داخل المعمل، بل يجب أن يسعى إلى تقديم حل لمشكلة واقعية في المجتمع".
تحلم بتطبيق دراساتها المعملية صناعيا
لا تلبث سعودي أن تتمنى أن ترى ثمرة بحثها: "أتمنى أن يأتي يوم أرى فيه مادة طورتها تُستخدم في منشأة طبية أو صناعية لحماية العاملين والمرضى، وأن يكون لهذا البحث أثر مباشر في حياة الناس، هذا بالنسبة لي هو المعنى الحقيقي للبحث العلمي".
كما تواصل دعم طالباتها في الجامعة: "أقول لكل واحدة منهن قد تكونين أنت النموذج الذي ستبحث عنه فتاة أخرى في المستقبل. لا تسمحي لأحد أن يقنعك بأن هناك تخصصات علمية لا تناسب الفتيات، اجتهدي في دراستك، وابحثي عن الأساتذة الذين يشجعونك، وشاركي في الأبحاث والمؤتمرات، ولا تخافي من الفشل".


















