- خسر السرطان وفازت أختي بالجنة إن شاء الله..
بدأ الأمر بمكالمة هاتفية أولى لا أذكر، في الحقيقة، تاريخها، أو لا أريد التذكر. كانت أختي حبيبتي أحلام، رحمها الله، بصوت متماسك رصين، بادرتني التحية ولم تترك لي مجالا للرد. شعرت بوخزة في قلبي، وبأن كل شيء سيتغير في حياتي إلى الأبد بعد هذا الاتصال.
"مَنّو (منيرة) حبيبتي، اسمعيني، لا أريدك أن تقلقي، تعبت قليلا، زرت الطبيب وأجريت بعض التحاليل، وأنا الآن بانتظار النتائج.. سيكون كل شيء بخير إن شاء الله.. سأطلعك بالنتائج حال وصولها.. لا تقلقي مَنّو حبيبتي..".
لأكون صادقة مع نفسي ومعكم، لم أتفاءل، بالعكس أحسست بغصة كبيرة في حلقي، وبحمل ثقيل نزل على ظهري. أعادتني المكالمة إلى سنوات مضت أغلق على ذكرياتها في قلبي، تحديدا سنة 2013، تاريخ رحيل أبي، ومن بعده أمي بثمانية أشهر. خفت كثيرا، ودعوت الله أن أسمع أخبارا سارة.
كان الطريق طويلا موحشا، تصارعت الأفكار والأسئلة في عقلي: ماذا أفعل؟ كيف سأتصرف معها؟ كيف سأتقبل الأمر؟ هل ستشفى أختي أم علي تقبل الأمر؟
لم يمر وقت طويل وتلقيت المكالمة الثانية، كانت حبيبتي أحلام.. بهدوء كبير، وبصوت أكثر اتزانا، رددت على مسامعي ما كنت متأكدة منه، وتهربت من مواجهته وتصديقه.. أعلمتني أن المرض اللعين داهمها، وأنه في مراحل متقدمة. أكدت لي أنها مؤمنة جدا بقضاء الله وقدره، وطلبت مني أن أكون صبورة ومؤمنة مثلها، وألا أحزن وأتألم…
ملأت الدموع عيني، كما فعلت الآن وأنا أكتب هذه الأسطر، وكلما تذكرتها بكيت وتحدثت بصوت عال: "يا الله، أحلام أختي، إنها أحلام، ما زالت صغيرة، والدة لثلاث زهرات جميلات، إنها حبيبتي الجميلة من الداخل والخارج، المحبة للحياة"..
لم أنتظر كثيرا.. جهزت حقيبتي وغادرت العاصمة تونس باتجاه محافظة سوسة في الساحل، حيث تقيم حبيبتي، رحمها الله.. كل ما أردته أن أكون بجانبها.
كان الطريق طويلا موحشا، تصارعت الأفكار والأسئلة في عقلي: ماذا أفعل؟ كيف سأتصرف معها؟ كيف سأتقبل الأمر؟ هل ستشفى أختي أم علي تقبل الأمر؟
ما آلمني ويؤلمني هو أنها، ورغم حاجتها الماسة للدعم، لم تلتفت لنفسها، فهذه خصالها، بل آثرتني عليها منذ البداية، كانت تحبني كثيرا.. ومن سيحبني مثل أحلام أختي؟ كانت تلعب دور القوية أمامي، تبتسم، متفائلة بنجاح رحلة العلاج الطويلة المرهقة، وبأنها ستحيا من أجل بناتها اللاتي تعشقهن.
كانت بطلة حقيقية بإيمانها الكبير وقربها من الله حتى آخر أنفاسها، وصبرها وتمسكها بالعلاج الذي أنهكها جسديا ونفسيا. كانت أما وأختا عظيمة، تضحك أمام الجميع وخلف ابتسامتها ما لا يقال.. تتحمل أوجاع العلاج الكيميائي القاتلة وتقول إن "كل شيء سيمر، وكل شيء سيكون بخير بإذن الله تعالى"..
كان وقع الصدمة كبيرا على قلبي.. فلدي حكاية طويلة مع مرض السرطان الذي سرق أعز ما أملك، أبي وأمي. خبرت جيدا تفاصيله، وعايشت معاناة والدي الحبيبين، وكيف يأفل نجمهما يوما بعد آخر أمام عيني.
لست مستعدة لتكرار التجربة، وبالأخص مع أختي حبيبة قلبي، صديقتي المقربة، مرآتي..
رحلة العلاج من مرض السرطان تستحق أن تروى وحدها بتفاصيلها المؤلمة ومعاناة المريض التي لن يستطيع أي قلم وصفها
في رحلة العلاج المريرة كانت أحلام بطلة القصة. لطالما قلت لنفسي إني لو كنت مكانها لما صبرت كما فعلت.. كانت استثنائية في كل شيء.. لا أعترض يا الله على حكمك، ولكن قتلني رحيلها المفاجئ..
كنت ضعيفة جدا أمام قوتها، وعاجزة أمام رؤيتها وهي تتألم، لكن ما كان يحطمني من الداخل أنها تضع مشاعري وأحاسيسي في المقام الأول.. فكلما زرتها كانت تتقوى على أوجاعها، وتحاول الجلوس جاهدة لتظهر لي أنها بخير حتى أكون أنا بخير.. كنا نفهم بعضنا دون أن نبوح بذلك.
لحظاتي معك يا "حلومتي" كانت من أسعد اللحظات، فنحن نتقاسم الجانب الفني في شخصيتينا، نمتلك صوتين جميلين ونتمتع بموهبة الرسم.. لطالما افتخرت بأني أشبهك في كل شيء.. يقولون إن الله يختار الطيبين، والآن أعي وأصدق ذلك جيدا..
مدمر جدا أن يفقد الإنسان داعمه الأول، من كان يحيطه بالحب والحنان من كل جانب.. أحتاج وقتا طويلا حتى أستوعب أن أحلام أختي لم تعد جزءا من يومياتي. ذكريات مكالماتنا وأحاديثنا وضحكاتنا ودردشاتنا التي لا تنتهي تقتلني ببطء كل يوم.
رحلة العلاج من مرض السرطان تستحق أن تروى وحدها بتفاصيلها المؤلمة ومعاناة المريض التي لن يستطيع أي قلم وصفها. كنت ضعيفة جدا لمشاهدة ذلك العذاب على وجه أختي، فكنت أتهرب، نعم كنت أفعل ذلك.
كنت بعيدة في المسافة، وبين الفينة والأخرى أزورها لاشتياقي الكبير لها. لا أبرر لنفسي أو لأحد، فلست قوية بقدرها، ولا أستطيع رؤية عزيزتي وهي تتألم بذلك القدر، لكن عقلي وقلبي كانا معها كل لحظة، وهي كانت تعلم ذلك جيدا.
حطمتني رؤية جسدها يتغير ويموت يوما بعد آخر، وحطمني وعيها بذلك. ففي كل لقاء يجمعنا كانت تقول لي: "أترين يا منيرة كيف سقط شعري، كيف فقدت وزني، كيف تغيرت أختك الجميلة..". كنت أرى ذلك جيدا، لكني كنت أكذب وأقول لها إنها فترة ستمر وتعودين إلى سابق عهدك.. ربما كنت أطمئن نفسي حتى قبل أن أطمئنها..
لحكمة لا يعلمها إلا هو، منحنا الله فسحة أمل بإعلان طبيب حبيبتي، بعد رحلة علاج مضنية، شفاءها نهائيا من السرطان. لم أرَ عيني أحلام أختي ترقصان فرحا كما رأيتها حينها، والابتسامة تعلو شفتيها. عادت بمشيئة الله لبناتها ولنا.. ولي.. لكنها كانت عودة مؤقتة..
ما بعد رحيلك يا أحلام ليس كما قبله، ومنيرة حبيبتك الصغيرة كبرت سنوات، ولن تعود كما كانت أبدا
استمرت فرحتنا أشهرا معدودة، ورجع السرطان، ولكن هذه المرة أقوى وأشرس، لم يمهلها ولم يمهلنا وقتا للوداع..
كعادتها واجهته بصبرها وإيمانها الكبير الذي أذهلني، لكن هذه المرة لمحت في عينيها استسلاما، وكأنها تقول: لقد تعبت، يكفي لهذا الحد، حان موعدي.. لا مرد لقضاء الله..
بعد فترة قصيرة أعلمتني بقرار الطبيب وقف العلاج.. لم أعلم هل أواسيها أم أواسي نفسي.. ولا أتخيل نفسي مكان أحد يعلم أن أيامه معدودة.. فما بالك بحبيبتي أحلام.
كانت الفترة الأقصر والأقسى والأصعب. انتشر المرض في جسدها كالنار في الهشيم، وضعف جسدها، ومعه قدرتها على المقاومة والمكابرة.. وسلمت عزيزتي أمرها لله.
آخر مكالمة بيننا كانت كالسهم الذي انغرس في وسط قلبي، ويأبى التحرك أو الخروج. كان صوتها خافتا، بالكاد استجمعت قواها وقالت مودعة: "الحمد لله على كل حال يا منيرة أختي، أنا راضية بكل شيء، لا نستطيع قول وفعل شيء أمام مشيئة الله، الحمد لله..".
ما بعد رحيلك يا أحلام ليس كما قبله، ومنيرة حبيبتك الصغيرة كبرت سنوات، ولن تعود كما كانت أبدا. الجزء الصغير الحي مني الذي تركه أبي وأمي أخذته معك، تساوت الأيام والليالي، طبعت مع الحزن وأخبار الموت والرحيل.. وكم صارت الدنيا في عيني صغيرة جدا.. وأصبح الاستغناء والتخلي أسهل شيء عندي في الحياة..
أعلم أن هذه الأسطر تمثل جرعة كآبة عالية، لكني أراها خطوة هامة نحو الاعتراف ومحاولة التعافي ومواجهة الحزن بصوت عال ودون خوف أو خجل..
كما أنها كلمات صادقة، هدية من أعماق قلبي لروح حبيبتي أحلام، ولكل مريض سرطان، بأنكم أنتم الأبطال الخارقون الحقيقيون.. وكم نحن ضعفاء أمام قوة إرادتكم وعزيمتكم..
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.













