الخوف من الترحيل.. أهو وهْم يعيشه السوريون، أم حقيقة يُسطّرها الحزب اليميني؟ كيف تغيرت سياسة الغرب في التعامل مع ملف الهجرة منذ عام 2015 حتى اليوم؟ وما هي تطلعاته للقادم؟
كما هو معروف، مع بداية الربيع العربي في مطلع عام 2010، ومع اندلاع الثورات الشعبية ضد الأنظمة الدكتاتورية، وجدت أوروبا نفسها أمام تحدٍّ إنساني غير مسبوق.
في البداية، تبنّت دول أوروبية عديدة، وعلى رأسها ألمانيا، سياسة منفتحة تجاه استقبال اللاجئين، ومع تصاعد حدة القمع والاعتقالات والتعذيب في دول الثورات، تصاعدت أعداد اللاجئين.. فكان أن استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ، معظمهم من سوريا، والعراق، وأفغانستان، وتحت مظلة "الحماية الإنسانية"، قدّمت الدعم الكامل، بدءًا من توفير الأمن والرعاية الصحية، وصولًا إلى تقديم المساعدات المادية المتنوعة، واستند ذلك إلى الالتزام الإنساني والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها ألمانيا، مثل اتفاقية جنيف للاجئين. وتم تفعيل برامج متنوعة لدعم اللاجئين، مثل: تقديم دروس اللغة الألمانية، وتوفير السكن والرعاية الصحية، بالإضافة إلى المساعدات الاجتماعية.
والسؤال المهم: هل برامج الاندماج التي كانت مهمة جدًا في تأهيل المُهاجر لسوق العمل، كانت تؤهله فعلًا ليصبح مواطنًا ألمانيًا؟
ربما غابت نقطة محورية، ظهرت نتائجها الآن بعد قرابة 10 سنوات، وهي خلفية المهاجرين.. وليس المقصود هنا فقط الخلفية الثقافية والاجتماعية المختلفة تمامًا عما هو في المجتمع الجديد، ولكن النفسية!
أنت تمشي في طريق كله ألغام.. لتصل إلى أوروبا حاملًا جروحًا كثيرة وأحلامًا كبيرة!. وظن بعض السوريين أنّهم سيعيشون في قصور رخامية. لقد كانت توقعات الناجين من الموت عالية جدًا
تخيل إنسانًا سوريًّا عاش لأكثر من خمسين عامًا في وطن يحكمه الظلم والفساد، حيث لا صوت يعلو فوق صوت القمع، ولا وجود للقانون في أرضٍ غابت عنها العدالة.. كان صدى أنين الموجوعين يتلاشى في هواءٍ ثقيل، مشبع بالخوف واليأس! ثم جاءت الثورة، حاملة معها أحلام التغيير وصوت الرفض السلمي، لكنه سرعان ما واجه أبشع أنواع القمع والإجرام.
عاش هذا الإنسان سنوات من الحرمان، ليس فقط على المستوى المادي، بل المجتمعي، والنفسي والعاطفي، حيث تآكلت أحلامه تحت وطأة القهر والاضطهاد.. وعندما بدا له باب النجاة وقد فُتح أمامه مع فرصة اللجوء، وجد نفسه أمام تساؤل جديد: "هل هذه هي النجاة حقًّا؟".. لقد عبر إلى بر الأمان، لكنه كان برًّا غريبًا بأرضه وقوانينه وثقافته، لقد حمل معه جراحًا عميقة وأحلامًا ثقيلة، ليجد نفسه في رحلة جديدة، ليست بالضرورة أقل تحديًا من تلك التي هرب منها.
أنت تمشي في طريق كله ألغام.. لتصل إلى أوروبا حاملًا جروحًا كثيرة وأحلامًا كبيرة!. وظن بعض السوريين أنّهم سيعيشون في قصور رخامية. لقد كانت توقعات الناجين من الموت عالية جدًا.. أعلى من أن تصل إليها أيادي الغرب، التي كانت مشغولة بكتابة صفحات جديدة!
آنذاك، عام 2014 و2015، من كان يعرف إلى أين أصل؟
ألمانيا.. ماء وكهرباء وإنترنت!. جامعات يحلم بها عشاق العلم والحرية .. حريات وحقوق وكرامة!
لم يجد اللاجئ السوري من يربت على كتفه، كشجرة اجتُثت من جذورها، ووجدت نفسها في مجتمع مختلف بكل المقاييس، ومطلوب منها أن تُثمر!
لقد عادت الهجرة على أوروبا بالإيجابيات، كما عادت على السوري أيضًا؛ فالكثيرون نالوا الأمن والأمان، ونجاحات مهنية وأكاديمية، وغير ذلك.
تؤدي التحديات إلى مشكلات أسرية، مثل التوترات بين أفراد الأسرة بسبب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، كما يعاني عديد من الأطفال من صعوبات دراسية، ما يؤثر سلبًا على مستقبلهم المهني والاجتماعي
أوروبا تقطف ثمار الاندماج وتجني الفائدة
أدى استقبال اللاجئين إلى تنشيط بعض القطاعات الاقتصادية التي كانت تعاني من نقص في الأيدي العاملة، مثل: الرعاية الصحية والبناء. كما ساهم المهاجرون في زيادة التنوع الثقافي في المجتمع الألماني المنغلق على نفسه، ما أضاف إلى النسيج الاجتماعي تعددية ثقافية ودينية، رحب بها كثير من المواطنين الألمان، وقدموا المساعدات. وفي المقابل رفضها آخرون، وكان هناك أيضًا من لم يرحب ولم يرفض.. كحال أي شعب آخر.
صعوبات واجهها اللاجئون
- تعديل الشهادات: عملية الاعتراف بالمؤهلات الأكاديمية والمهنية التي يحملها اللاجئون من بلدانهم الأصلية غالبًا ما تكون معقدة وطويلة، خاصة للفئة العمرية فوق 30 عامًا.
وهذا بدوره يؤثر سلبًا في قدرتهم على الاندماج في سوق العمل الألماني بشكل سريع وفعال.
- سوق العمل: تواجه اللاجئين صعوبةٌ في دخول سوق العمل، بسبب حواجز اللغة والمهارات غير المعترف بها حتى مع وجود مؤهلات، فإن نقص الفرص لتطوير المهارات اللازمة للعمل في ألمانيا يجعل من الصعب عليهم العثور على وظائف مناسبة.
- البقاء كمستفيدين من المساعدات الاجتماعية: بسبب الصعوبات المذكورة، يعتمد كثير من اللاجئين على المساعدات الاجتماعية لفترات طويلة، ما يزيد من اعتمادهم على الدولة، ويقلل من قدرتهم على تحقيق الاستقلال المالي.
وتؤدي هذه التحديات إلى مشكلات أسرية، مثل التوترات بين أفراد الأسرة بسبب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، كما يعاني عديد من الأطفال من صعوبات دراسية، ما يؤثر سلبًا على مستقبلهم المهني والاجتماعي.
بعد الهجوم الإرهابي الذي نفذه أحد عناصر تنظيم الدولة في ألمانيا، قامت الحكومة بسن قوانين تهدف إلى تعزيز الأمن الداخلي. وتشمل هذه القوانين تشديد إجراءات الترحيل للمهاجرين غير الشرعيين، وتقييد حقوق اللجوء
التغيرات بعد صعود اليمين منذ عدة سنوات
شهدت ألمانيا في السنوات الأخيرة صعودًا لليمين المتطرف، الذي استغل قضايا الهجرة واللجوء لتعزيز موقفه السياسي. ومع تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين، زادت مظاهر العنصرية والعنف، سواء من قبل المتطرفين الألمان ضد المهاجرين، أو من بعض المهاجرين الذين تطرفوا لأسباب مختلفة.
بعد الهجوم الإرهابي الذي نفذه أحد عناصر تنظيم الدولة في ألمانيا، قامت الحكومة بسن قوانين جديدة تهدف إلى تعزيز الأمن الداخلي. وتشمل هذه القوانين تشديد إجراءات الترحيل للمهاجرين غير الشرعيين، وتقييد حقوق اللجوء، وزيادة الرقابة الأمنية.
السياسات الجديدة
بتاريخ 12 يونيو/ حزيران 2024، نشر الاتحاد الأوروبي خطة إستراتيجية خاصة بقواعد الهجرة واللجوء، ستدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من عام 2026. فما أبرز ملامح هذه الخطة التي تجعل القوانين أكثر صرامة للمتقدمين بطلبات اللجوء؟
تتكون الخطة من 10 أجزاء، وتتضمن تطبيق قواعد الهجرة واللجوء الجديدة المثيرة للجدل في الاتحاد الأوروبي. وهناك جزء مهم من خطة المفوضية، هو نظام كبير لتكنولوجيا المعلومات يسمى "يوروداك"، حيث سيتم فيه تخزين ومعالجة بيانات الأشخاص الذين يطلبون اللجوء، لمراقبة المتقدمين بين دول الاتحاد الأوروبي بشكل أفضل.
وسيتم توسيع دور منسق العودة في الاتحاد الأوروبي، وهو منصب استحدثته المفوضية عام 2022، ليمارس دورًا مهمًا في تحويل إجراءات الترحيل في التكتل إلى إجراءات مركزية، وذلك لضمان أن تكون هذه الإجراءات فعالة وعادلة.
كيف يمكن لألمانيا أن توازن بين الحفاظ على أمنها الداخلي وواجباتها الإنسانية تجاه اللاجئين؟
تساؤلات مشروعة:
- هل كانت سياسة اللجوء المفتوحة في ألمانيا خلال أزمة اللاجئين قرارًا صائبًا؟
- كيف يمكن تحسين نظام الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية لضمان دخول اللاجئين سوق العمل بسرعة أكبر؟
- ما هو الدور الذي يمكن أن يؤديه التعليم والتدريب المهني في تحسين اندماج اللاجئين؟
- أتزيد القوانين الجديدة من الأمان، أم إنها تزيد من عزلة المهاجرين وتجعلهم أكثر عرضة للتطرف؟
- كيف يمكن لألمانيا أن توازن بين الحفاظ على أمنها الداخلي وواجباتها الإنسانية تجاه اللاجئين؟
اجتماع في برلين
في الثالث من سبتمبر/ أيلول، عُقد اجتماع في برلين بين ممثلين عن الائتلاف الحاكم (أمبيل)، الذي يتكون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر، وبين ممثلين عن الاتحاد (حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي)، بالإضافة إلى ممثلين عن الولايات الفدرالية الألمانية، لمناقشة سياسة الهجرة.
خلفية هذا الاجتماع هي "حزمة الأمان"، التي قدمتها الحكومة مؤخرًا بعد الهجوم الإرهابي في زولينغن، والتي تتضمن تشديد إجراءات الترحيل، وتعزيز مكافحة الإرهاب، وتعديل قوانين حيازة الأسلحة. لكن الاتحاد يعتبر أن هذه الحزمة غير كافية، ويطالب بتغييرات جذرية في سياسة اللجوء والهجرة، بما في ذلك تقليل عدد المهاجرين الذين يتم استقبالهم في ألمانيا، وزيادة عمليات الترحيل.
البلديات ورابطة المقاطعات الألمانية أعربت أيضًا عن قلقها من الضغوط الكبيرة التي تواجهها بسبب تدفق المهاجرين، ودعت إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة؛ لضمان عدم تجاوز القدرة الاستيعابية للمجتمع الألماني.
بشكل عام، هناك اتفاق على ضرورة التعاون، ولكن المواقف حول كيفية تحقيق ذلك ما زالت متباينة بين الأطراف المختلفة.
في الاجتماع الذي عُقد في برلين، بين ممثلي الحكومة الفدرالية والاتحاد والولايات، لم يتم التوصل إلى اتفاقيات جديدة نهائية حول سياسة الهجرة.. كانت المناقشات تتركز حول كيفية تحسين الأوضاع الأمنية، وتشديد سياسات الهجرة بعد الهجوم الإرهابي في زولينغن، ولكن المواقف بين الأطراف المختلفة كانت متباينة بشكل كبير.
الائتلاف الحاكم (أمبيل) قدم "حزمة الأمان"، التي تركز على تعزيز إجراءات الترحيل، ومكافحة الإرهاب، لكن الاتحاد (CDU/CSU) طالب بإجراءات أكثر صرامة، تشمل تقليل عدد المهاجرين، وزيادة عمليات الترحيل، وضبط الحدود بشكل أكثر فاعليّة.
بسبب هذه التباينات، لم يتم الإعلان عن اتفاقيات جديدة محددة في هذا الاجتماع، وإنما استمرت الأطراف في تأكيد ضرورة التعاون، مع وجود اختلافات كبيرة في الرؤى حول كيفية تحقيق ذلك.
لا يمكن اعتبار جميع المسلمين إرهابيين، أو اتهام الشعب السوري بأكمله بسبب تصرف فردي. نحن، كشعب سوري، اضطررنا للهرب بحثًا عن الأمان، ونعلم جيدًا قيمة القانون، وندعم معاقبة أي شخص يخالفه
اليوم، بعد مرور قرابة عشر سنوات، بدأ جيل سوري ألماني جديد يكبر.. جيل تظهر فيه ملامح سورية وألمانية، يحمل رسالة واضحة جدًا: إننا مواطنون نتحمل المسؤولية بين الحقوق والواجبات، كجزء من المجتمع المتماسك.
ولكن، كيف يمكن للشباب السوري أن يُطوّر أدواته ومؤسساته ليتعامل مع مؤسسات المجتمع المدني الأوروبي بلغة قانونية مشتركة، هدفها الأول تحقيق الشراكة المجتمعية للطرفين!. يبقى ذلك سؤالًا تُكتَب إجابته اليوم بأيادي الشباب، ومنها أن التعميم هو لغة الجهل، ولا يمكن الحكم على شعب كامل بناءً على أفعال بعض أفراده.
عندما قامت القوات الأوكرانية مؤخرًا بضرب أنابيب الغاز الألمانية، كانت هناك ردود فعل غاضبة في ألمانيا، خاصة تجاه الحكومة والمستشار أولاف شولتس. لكنّ السياسيين شددوا على عدم التعميم، مؤكدين أنه إذا ارتكب شخص ألماني خطأ في الخارج، فهذا لا يعني أن جميع الألمان سيئون.
بالمنطق ذاته، لا يمكن اعتبار جميع المسلمين إرهابيين، أو اتهام الشعب السوري بأكمله بسبب تصرف فردي. نحن، كشعب سوري، اضطررنا للهرب بحثًا عن الأمان، ونعلم جيدًا قيمة القانون، وندعم معاقبة أي شخص يخالف القانون الألماني.
ضياء بيك شقير – طالب حقوق – قال إن الاتحاد الأوروبي يحتاج دائمًا إلى لاجئين ومهاجرين، لكنه يريد أن يعود إلى سياسته القديمة باختيار نوعية اللاجئين (ما يسميه باللاجئ المفيد)، وهذا ما أكده السيد ألكسندر تايلر، المستشار المسؤول الرئيسي عن الاتصال بالشرق الأوسط وأفريقيا للمكتب التنفيذي للشمال، في لقاء حواري قصير أجريته معه في مقر منظمة اللاجئين الدولية في جنيف.
بين الآمال والطموحات والآفاق والجهود المبذولة، ما زال الطريق طويلًا في مسار تحقيق المواطنة الصالحة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
