قبل أحداث سريلانكا بأيام نشرت مدونات الجزيرة مقالتي (بعد مذبحة نيوزيلندا.. كيف نفسر التعاطف الغربي مع المسلمين؟) المتعلقة بتوجيه "الجهاد" لآسيا لاستهداف مصالح الصين. تأتي هذه المقالة ملحقة بالمقالة السابقة، وساعية للإجابة على سؤال لم أشعر أن الإعلام قد تناوله بما يوفيه حقه: لماذا اختار "التنظيم" سريلانكا مسرحاً لتفجيراته؟ فقد صرح المسؤولون السريلانكيون أن التهديد الأمني كان قد تم التنبيه له من قبل، ولكن يبدو أن الأجهزة الأمنية السريلانكية أخفت الأمر عن الحكومة والرئيس. فمن المستفيد؟ ولماذا تخفي الأجهزة الأمنية عمليات أودت بحياة المئات في بلد يمتاز بالفسيفسائية الإثنية؟ ولماذا تم استهداف المسيحيين الكاثوليك وهم أقلية؟ ولماذا تم استهداف فنادق تملكها شركات لها علاقات مع الصين أو تتقاطع مصالحها معها؟
تحتل جزيرة سريلانكا موقعاً استراتيجياً على المحيط الهندي إلى جنوب شبه القارة الهندية. فهي تشرف على موانئ عميقة المياه في المحيط الهندي. هذا الموقع يجعل من سريلانكا ذات أهمية جيوسياسية تتصارع عليها القوى الدولية. فمن جهة، تمتلك الصين تاريخاً جيداً مع الحكومات السريلانكية التي تلقت السلاح الصيني إبان الحرب مع انفصاليي نمور التمايل. ومن جهة أخرى تصارع الهند وأمريكا من أجل الحد من النفوذ الصيني في سريلانكا.
في العام ٢٠٠٩، أوصت لجنة السياسات الخارجية لمجلس الشيوخ الأمريكي بعدم خسارة سريلانكا لصالح الصين نظراً لاهميتها الاستراتيجية. فكلما تقربت الحكومة السريلانكية من الصين هددتها أمريكا بملف جرائم الحرب ضد نمور التاميل، وكلما تراخت عن تقاربها مع الصين منحتها فرصاً زمنية لإجراء التحقيقات. لكن الصين لم تكن لتنازل عن هيمنتها وطموحها في تعزيز وجودها في أبرز محطات طريق الحرير البحري. ومنذ ذلك الوقت استطاعت الصين أن تكون أكبر المقرضين ـ بشكل فردي- لسريلانكا، بالإضافة إلى حصولها على عقود متعددة لمشاريع الطرق والسكك الحديدية والموانئ. ولعل آخر مشاريع الصين في كولومبو وأكثرها إثارة للجدل السياسي والإعلامي يعطي مؤشرات عن النفوذ الصيني في كولومبو وما يخطط له الصينيون للمستقبل. من الأمثلة على تلك المشاريع المشروع الذي تولته شركة موانئ الصين بتكلفة تزيد عن مليار دولار لتطوير ثلاثة أبراج بالقرب ميناء كولومبو، والمشروع الذي سبقه لتطوير ما يعرف بمدينة كولومبو المالية العالمية بكلفة ١.٤ مليار دولار.
كما يعد تطوير القسم الشرقي من ميناء كولومبو الاستراتيجي غيض من فيض صراع المصالح الدولية. ذلك الميناء الذي يستقبل ما يقرب من 80 في المائة من البضائع القادمة من الموانئ الهندية على الشواطئ الشرقية، الأمر الذي يجعل الميناء ذا أهمية استراتيجية للهنود. وفي المقابل، فإن ميناء كولومبو يعتبر محطة هامة جداً لطريق الحرير الصيني القديم-الجديد حتى تصل ببضائعها إلى أفريقيا والشرق الأوسط عبر البحر، فضلاً عن أن الصين تمتلك وتدير قسماً للحاويات الصينية في ميناء كولومبو. وفي ضوء ذلك، يبدو أن عدم استقرار سريلانكا يضر بالمصالح الصينية بشكل أكبر مما يضر يغيرها، ولعل هذا يعزز استنتاجاً كنت قد وضحته في مقالتي السابقة: توجيه "الجهاد" لاستهداف المصالح الصينية في آسيا.
في أكتوبر العام الماضي، أقال الرئيس السريلانكي سيريسينا رئيس وزرائه ويكريميسينغ على خلفية تطوير القسم الشرقي من ميناء كولومبو. وكان رئيس الوزراء آنذاك يدعم منح عقود التطوير للحكومة الهندية، في حين أن الرئيس يريد تطوير المشروع من قبل سلطة الموانئ السريلانكية التي بدورها ستحتاج إلى التحالف مع القطاع الخاص السريلانكي. وقد عين الرئيس حينها خصمه السياسي راجاباكسا رئيساً للوزراء. وقد وصفت الصحافة المحلية هذه الخطوة آنذاك بأنها مرضية للصين ومحبطة لأمريكا والهند، وبأنها انقلاب على نتائج الانتخابات التي وصفت بأنها كانت تصب في صالح توصيف الهند كقوة إقليمية مهيمنة وتمنع انجراف سريلانكا نحو الصين. لكن المحكمة الدستورية ألغت قرار عزل رئيس الوزراء في ديسمبر من العام الماضي من منصبه وأعادت تعيينه، وهذا ما يفسر الاتهامات المتبادلة بين رئيس سريلانكا ورئيس الحكومة حول تحمل المسؤولية عن تفجيرات كولومبو.
تمتاز ديموغرافيا سريلانكا بالتعقيد. فهناك لغتان رسميان: السينهالا وهي لغة الأكثرية، والتاميل وهي لغة أقلية، وتستخدم الأنجليزية للتجسير بين اللغتين. ويبلغ عدد سكان سريلانكا ما يناهز 24.5 مليون نسمة، أغلبيتهم من السيانهاليز ومعظمهم من أتباع الديانة البوذية ويشكلون ما يربو على 74 في المائة من السكان. أما المسلمون فيشكلون أقل من 9 في المائة ومعظمهم من المورو أو الماليزيين، وبقية السكان من التاميل. ويتبع الديانة المسيحية أقليات من السينهاليز والتاميل بما لا يزيد عن 8 في المائة من السكان، وغالبية المسيحيين هم من الروم الكاثوليك، مع وجود بسيط لأتباع الكنيسة الإنجيلية والبروتوستانتية.
لا يمكن لعاقل أن يصدق ما ادعاه "التنظيم" أن العمليات كانت انتقاماً لمجزرة كرايستشرتش في نيوزيلاندا. فلا روابط جلية ولا خفية بين من تم استهدافهم بالتفجيرات ومن نفذ عملية نيوزيلاندا الإرهابية. ثم إن الحديث عن استهداف سريلانكا بسبب "الرخاوة" الأمنية فيه تسطيح للأمور وإن كان يؤخذ بعين الاعتبار.
فمليكة الفنادق التي تم استهدافها تعود لثلاث شركات لها علاقات مباشرة وغير مباشرة مع الصين. ففندق جراند سينامون تملكه مجموعة جون كيلز السريلانكية القابضة والتي كانت قد أعلنت عن نيتها الاشتراك في تطوير القسم الشرقي من ميناء كولومبو، هذا بالإضافة إلى علاقاتها المميزة مع المستثمرين الصينيين وإسهامها في سوق العقار الصيني. أما فندق شانجريلا فقد أسسه الملياردير الماليزي الصيني روبرت كوت عام 1971 ويمتلك أكثر من 100 فرع في العالم ويتخذ من هونجكونج مقراً رئيساً لإدارته. والفندق الثالث هو كينغزبري الذي تملكه مجموعة هيلي القابضة التي لها قطاع ضخم مختص بالأعمال اللوجستية التي لها علاقة بلا شك بميناء كولومبو. أفلا يبدو الأمر مريباً أن تستهدف تلك الفنادق بالتحديد؟ وما علاقة تلك الفنادق بمذبحة نيوزلندا؟
استهدف "التنظيم" كنيستين كثوليكيتين رغم أن المسحيين أقل عدداً من المسلمين ولم يذكر تاريخياً أنهم تعرضوا لمسلمي سريلانكا. ولو فكرنا بعقلية "التنظيم" الإرهابية وتبريراته الساذجة بـ"الانتقام" للمسلمين لكان الأجدر استهداف الأكثرية البوذية انتقاماً لمسلمي الروهينجا على سبيل المثال! مع عدم إيماننا بقتل الأبرياء الآمنين أينما كانوا. مما تجدر الإشارة له أن الكنيسة الكاثوليكية تعاني من هجمة في السنوات القليلة الماضية. وفضائح الاعتداء الجنسي على الأطفال من قبل رجال الدين الكاثوليك ما هي إلا مشهد من استهداف تلك الكنيسة. فما الذي يجعل قضايا اعتداء جنسي مضى عليها 30 سنة تظهر على الملأ فجأة؟! هنا تجدر الإشارة أن الكنيسة الكاثوليكية من المعارضين لجعل القدس عاصمة لإسرائيل.
تعمدت أو أخفقت الأجهزة الأمنية – حسب تصريحات الساسة – في إخفاء التقارير التي تفيد باحتمال وقوع عمليات إرهابية على الأراضي السريلانكية، في الوقت الذي صرح فيه مسؤول أمني هندي أن بلاده أخطرت الأجهزة الأمنية السريلانكية عن احتمال وشيك لوقوع عمليات إرهابية من قبل جماعة التوحيد الوطنية، وفي ذات الوقت الذي نفى فيه السفير الأمريكي في كولومبو أنه نبه السريلانكيين لذلك، أو أن لديه علم بأي من تلك التقارير. وهي محاولة إعلامية لنأي أمريكا بنفسها عن التفجيرات.
مما لا شك فيه أن الشعب السريلانكي الآمن هو أكبر الخاسرين، لكن على الصعيد الاستراتيجي، يبدو أن هناك رسائل يتم توجيهها للصين بشكل عام بأن طريقها الحريري للوصول إلى العالم سيصطدم بالكثير من العوائق، وبأن الوكلاء الأمريكيين للـ"جهاد" الإسلامي سيكونون شوكة في خاصرة الصين في كل مواقع نفوذها.
هناك الكثير من الشواهد التي يمكن استقراؤها حول "تنظيم الدولة" بشكل يؤسس لافتراض قوي أن هذا التنظيم يخدم – بقصد أو بدون قصد – مصالح أمريكا وإسرائيل. وسأتبع مبدءً بسيطاً في الاستقراء والقياس للوصول إلى ما أفترضه ولأتجنب ملامة نظرية المؤامرة. ذلك المبدأ يقول اجتماع "أ" مع "ب" في كل مناسبة يعني أن "أ" سبب في "ب"، أو العكس، أو أنهما مكملان لبعضهما. ولو تتبعنا كل عمليات وسلوكيات وتحركات "التنظيم" لوجدنا أنها تخدم أمريكا وإسرائيل بشكل خاص، وعملائهم من الأنظمة الديكتاتورية العربية بشكل عام.
لكن هذا لا يعني أن "التنظيم" أمريكي أو إسرائيلي. بل هو أداة يتم استخدامها عبر وسيلتين: الاختراق الأمني على مستوى القيادة، وإغلاق الطرق الجغرافية أمامه حتى يتم إجباره على اتباع طريق محدد في تطبيق أيديولوجيته المتوحشة: "جيناكم بالذبح". ويبدو أن مسرح كولومبو كان من نتاج تلك السياسة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

















