لم تصل الولايات المتحدة، منذ فترة الحرب الأهلية، إلى الدرجة التي وصلتها اليوم من الانقسام، لا حول الرئيس دونالد ترامب فحسب، بل حول مفهوم الأميركيين للأمة وقيمها والأساطير المتعلقة بتأسيسها، حتى إن وجهات نظرهم حول الماضي والمستقبل أصبحت متناقضة.
بهذه المقدمة لخصت صحيفة "لوموند" (Le Monde) الفرنسية مقالا مطولا بقلم فالنتين فور، انطلقت فيه من أن المعارك المتعلقة بالذاكرة الوطنية كشفت، منذ انتخاب ترامب، عن جراح خطيرة، حتى إن حالة الاستقطاب الشديد هي النتيجة الوحيدة التي يتقاسمها جميع الأميركيين.
أخبار مقترحة
ونبهت الكاتبة إلى أن التاريخ الأميركي مليء بالكراهية الخامدة التي يبدو أنها ثارت من جديد، حيث يقول العالم السياسي ديفيد فرينش اليوم "الحفاظ على وحدة الولايات المتحدة غير مضمون، إذ لا توجد قوة ثقافية أو دينية أو سياسية أو اجتماعية قادرة على أن توحد الأميركيين أكثر من قدرتها على تفريقهم".

وأشارت إلى أن أكثر من ربع الأميركيين أنهوا بعض صداقاتهم أو قطعوا العلاقات مع أحد أفراد الأسرة منذ انتخاب ترامب، لأن الخلافات ليست سياسية فحسب، حيث لاحظ الكاتب بيل بيشوب الفصل الذاتي للأميركيين في مجتمعات متجانسة اجتماعيا وسياسيا.
ولكن عندما يجتمع المتشابهون في التفكير، فإنهم يميلون إلى أن يكونوا أكثر تطرفا، كما ترى ليليانا ماسون، الأستاذة في جامعة ماريلاند ومؤلفة كتاب "الاتفاقية غير المدنية: كيف أصبحت السياسة هويتنا؟" (2018) حيث لم تعد الهوية السياسية مجرد مكون من مكونات الهوية الاجتماعية، بل أصبحت "الهوية الضخمة" التي توفر معلومات عن التفضيل الحزبي والديني والعرقي والجنسي حتى أصبح كل شيء سياسيا.
وتنقل كاتبة المقال عن أستاذ العلوم السياسية آلان أبراموفيتز قوله "الأميركيون بشكل عام يمكن تصنيفهم إلى معسكرين، أولئك الذين يرون أن التغييرات التي حدثت في نصف القرن الماضي كانت لها آثار إيجابية على حياتهم وعلى المجتمع الأميركي، وأولئك الذين يرون آثار هذه التغييرات على أنها في الغالب سلبية".
وقد أصبحت الرؤى للمستقبل والماضي متناقضة، إلى درجة أنه صار من الصعب الآن الانخراط في محادثات حول بعض القضايا المهمة التي تحدد السياسة الأميركية، كالعقد الاجتماعي ووسائل تربية الأبناء، أو الحق في حمل السلاح أو حظره، أو الهجرة، أو حق التصويت، أو الحقوق الإنجابية للمرأة، أو علم المناخ، أو ارتداء قناع.
الاستقطاب السلبي
تقع الولايات المتحدة في قبضة ظاهرة الاستقطاب السلبي =كما تقول الكاتبة- حيث لا يكون الانتماء لحزب سياسي سببه الالتزام بالخط، بقدر ما يكون مرده الكراهية والخوف من الطرف المعارض، ويقول فرينش إن كل جانب لديه "قناعة شديدة بأن الطرف الآخر لا يريد فقط أن يخسر خصومه المعارك السياسية، بل يريدهم أن يعيشوا في حالة دائمة وخطيرة وربما حتى قاتلة".
وأشارت الكاتبة إلى أن الأميركيين ليسوا منقسمين فحسب، بل إنهم يتخيلون اختلافاتهم، ووفقا لمقال نُشر في "مجلة السياسات" عام 2018، يعتقد الجمهوريون أن 32% من الديمقراطيين من المثليين، والواقع أنهم 6% فقط. وأن نصفهم من السود، والواقع أن 24% فقط منهم من السود. وأن 44% منهم من أعضاء النقابات، في حين أنهم 11% فقط. أما الديمقراطيون فيعتقدون أن 44% من الجمهوريين يبلغون 65 عاما أو أكثر، ولكن الرقم الفعلي هو 21%.
وتقول أيضا إنه في غضون 3 سنوات ارتفع عدد الأميركيين -الذين يقولون إنهم يشعرون بأن استخدام العنف لتحقيق أهدافهم السياسية مبرر- من 8% إلى أكثر من 33%، ووصلت مبيعات الأسلحة إلى مستويات قياسية هذا العام.

الحرب الأهلية الباردة
عام 2018، ظن 31% من الأميركيين أن الحرب الأهلية ستقع خلال 5 سنوات، وقد استغلت وسائل الإعلام اليمينية المتطرفة هذا الاحتمال لإذكاء الخوف من انتصار الديمقراطيين واندفاع أقصى اليسار، وهو أمر دون الحرب، وأشبه "بالحرب الأهلية الباردة" وإن كان الطرفان ينظران إلى عمليات -كعزل ترامب أو نظريات المؤامرة اليمينية المتطرفة أو الاحتجاجات العنيفة- على أنها علامات على حرب أهلية نشطة.
وبعد الحرب الأهلية عام 1869، أصدرت محكمة تكساس العليا قرارا يؤكد أن الولايات ليس لها الحق في الانفصال من جانب واحد، لكن إغراء الانفصال لم يختف، حيث تلقى موقع البيت الأبيض الإلكتروني التماسات للانفصال من جميع الولايات الخمسين عند انتخاب أوباما عام 2012، كانت تكساس هي الأكثر شهرة بأكثر من 125 ألف توقيع.
عام 2017 -تقول الكاتبة- وجد استطلاع للرأي أن أكثر من 20% من سكان فيرمونت يعتقدون أنه يجب على الولاية التفكير في "مغادرة الولايات المتحدة بسلام والتحول إلى جمهورية مستقلة، كما فعلت في الفترة من عام 1777 إلى 1791".
والواقع -كما تقول الكاتبة- أن الولايات المتحدة ولدت من رحم الانفصال، حيث يجادل الكاتب ريتشارد كريتنر بأن أسس الأمة كانت دائما هشة، قائلا "الانقسام خيط خفي في كل تاريخنا، من الحقبة الاستعمارية إلى بداية الجمهورية فالحرب الأهلية وما بعدها، إلى القرن الأميركي الأسطوري وإلى فترتنا غير المستقرة".
بحثا عن أصل الأمة
وتنقل الكاتبة عن المؤرخ الفرنسي باب ندياي أن "التاريخ الأميركي تفسير للثورة الأميركية، وهو قضية سياسية دائما". وأضاف "تاريخ المعالم الكونفدرالية التي أقيمت سنوات ما بين الحربين رافقها تاريخ طويل من الاحتجاج، حيث لم يوافق السكان الأميركيون من أصل أفريقي أبدا على إقامة هذه التماثيل التي تمجد الإرادة لتأكيد قوة البيض".
وأشار ندياي إلى أن التحريض والمناقشات حول التاريخ الأميركي ليست "تدميرا لتاريخنا" كما يقول ترامب، بل هي علامة واضحة على الحاجة إلى إعادة كتابة رواية وطنية لا تكون جزئية ولا تمجيدية.
ومع أن هناك نقاشا ساخنا للغاية في الولايات المحتدة حول أهمية المؤسسين، فإن التقدميين يجادلون بأن تأسيس أميركا قد أفسدته العبودية، لأن الآباء المؤسسين وهم يعلنون المساواة كانوا ملاك عبيد، وكانوا يعارضون المساواة بين المرأة والرجل في القانون.
وتساءلت الكاتبة: ماذا لو لم تكن شهادة ميلاد أميركا هي الثورة بل وصول العبيد الأوائل؟ وقالت إن المؤرخين يناقشون هذه القضية منذ أن أطلقت صحيفة نيويورك تايمز مشروعا طويل المدى بعنوان "مشروع 1619" عام 2019، في إشارة إلى التاريخ الذي وصلت فيه سفينة تحمل حوالي 20 رجلا من أفريقيا إلى فرجينيا.
وخلصت إلى أن وصول هؤلاء العبيد الأوائل أكثر من خطيئة أصلية، وأنه سيشكل "أصل" الأمة، والفعل التأسيسي لنظام قامت عليه أميركا كلها، ثروتها وعنصريتها ونظامها الانتخابي وصحتها وثقافتها.
















