خليل العناني

خليل العناني

كاتب وباحث مصري

تحالفات مؤقتة
اللعب على الحبال
دبلوماسية الابتزاز
مخاطر كبيرة

تثير تقلبات السياسة الخارجية المصرية الكثير من الأسئلة حول ثوابت هذه السياسة ومحدداتها وبوصلتها، ومدى ارتباطها بمصالح البلاد خاصة في مرحلة الفوران والتحولات التي تمر بها المنطقة العربية منذ خمسة أعوام.

وبوجه عام يمكن القول إن حالة "اللايقين" أصبحت هي الثابت الوحيد الذي يصيغ ويشكّل تحركات الفاعلين الإقليميين والدوليين، وذلك بعد تفجر الصراعات والنزاعات في أكثر من بؤرة عربية سواء شمالا في سوريا والعراق، أو جنوبا في اليمن، أو شرقا مع إيران، أو غربا في ليبيا. وهي حالة تضع عقبات كثيرة أمام صانع السياسة الخارجية، وتضيّق من حجم الخيارات المتاحة أمامه من أجل وضع سياسة ثابتة يمكنها تحقيق المصالح الوطنية.

تحالفات مؤقتة
يمكن القول، بقدر من الثقة، إنه لم تعد توجد تحالفات ثابتة ومستقرة في المنطقة العربية وذلك منذ بدء موجة "الربيع العربي" قبل خمسة أعوام. فبينما أُغلق النصف الثاني من العقد الأول للألفية الجديدة على تقسيم المنطقة بين محوري "الممانعة" و"الاعتدال"، فإن مرحلة ما بعد "الربيع العربي" قد شهدت إعادة تشكل هذين المحورين بشكل جذري بحيث لم تعد هناك حدود واضحة ومعروفة بين كلا المحورين.

وقد انهارت البنية التحالفية القديمة كي تحل محلها بنية صراعية بألوان طائفية، وهوياتية، وإستراتيجية، قلبت الموازين وجعلت من إمكانية وضع سياسة خارجية ثابتة مهمة صعبة التحقق. لذا تعيش القوى الإقليمية الرئيسية مثل مصر والسعودية وتركيا وإيران في حالة طوارئ مستمرة لا تسمح لها بكثير من المناورة فيما يخص سياساتها الخارجية.

يضاعف ذلك دخول القوى الكبرى، كروسيا والولايات المتحدة وفرنسا، إلى حلبة الصراعات المحلية وتحويلها إلى قضايا صراعية عالمية تدفع الأطراف المحلية والإقليمية ثمنها، بينما تبدو الأمم المتحدة عاجزة تماما أمام هذه الصراعات رغم تهديدها للسلم والأمن العالميين. اضطراب البيئة الإقليمية، وانخراط الأطراف الدولية في الصراعات العربية، يجعل معظم التحالفات مرحلية ومؤقتة، ويمنع قيام مراكز قوى ثابتة ومتناغمة.

اللعب على الحبال
لعل الملمح الأكثر بروزا في السياسة الخارجية المصرية هو اتباع إستراتيجية "اللعب على كل الحبال". وهو أمر مرتبط بالأزمة العميقة التي يعيشها النظام الحالي الذي جاء بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، والتي تحولت إلى قيد مؤثر في صياغة سياسته الخارجية. ولعل هذا هو منبع التضارب والتخبط الذي تشهده هذه السياسة وذلك على نحو ما حدث مؤخرا في مجلس الأمن حين صوّتت القاهرة على مشروعي قرارين متناقضين في نفس الوقت، أحدهما تقدّمت به روسيا والآخر فرنسا.

وإذا أخذنا حالة العلاقة مع السعودية كمثال على تخبط السياسة الخارجية المصرية، ستبدو المسألة أكثر وضوحا. فقد راهنت السعودية على نظام الجنرال عبد الفتاح السيسي منذ أن قام بانقلابه قبل ثلاثة أعوام، ودعمته ولا تزال، واستثمرت فيه سياسيا وماليا ودبلوماسيا، ولكنها لم تحصد ثمارا حقيقية من وراء هذا الدعم.

بل على العكس، فقد خذلها هذا النظام في أكثر من مناسبة. أولها في الملف السوري الذي يبدو جليا وجود اختلاف جذري في رؤية كلا الطرفين (المصري والسعودي) في التعاطي معه. فبينما تري الرياض أن نظام بشار الأسد هو جزء أصيل من الأزمة السورية، وبالتالي فلا حل من دون رحيل الأسد، فإن القاهرة ترى أن بقاء الأسد أمرا أساسيا في أي عملية انتقالية أو حل سياسي يتم فرضه هناك وهو ما يتناغم مع رؤية خصوم السعودية في المنطقة وأهمهم إيران.

بل الأكثر من ذلك فإن ثمة شراكة إستراتيجية واضحة بين دمشق والقاهرة بدأت بعد انقلاب يوليو/تموز 2013 وتزداد متانة وقوة بمرور الوقت والمؤشرات على ذلك كثيرة أهمها الدعم اللوجيستي والعسكري الذي تقدمه مصر لقوات الأسد، ناهيك عن التعاون الأمني والاستخباراتي المتزايد بين الطرفين واستقبال القاهرة لوفود رسمية سورية كما حدث مع علي مملوك، رئيس دائرة الأمن الوطني السوري الذي استقبلته القاهرة قبل أسبوع وتم تسريب زيارته للإعلام بشكل مقصود كرسالة للرياض.

ثانيها، ما يتعلق بالملف اليمني، والذي كشف ليس فقط خذلان القاهرة للرياض، وإنما أيضا تورطها وتواطؤها مع الطرف الآخر (الحوثيون وعلى عبد الله صالح)، فحسب تقارير نُشرت مؤخرا فإن مصر باعت زوارق حربية متطورة للحوثيين، وهو ما يُعد "انقلابا" على السعودية التي تخوض حربا ضروس في اليمن تحت مظلة ما يُسمي بـ"التحالف العربي". وثالثها، العلاقة بين القاهرة وطهران والتي انتقلت من مرحلة الدفء والتفاهم، إلى التقارب والتعاون طيلة العامين الأخيرين.

لذا لم يكن مفاجئا أن يشترط وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على نظيره الأميركي جون كيري حضور وزير الخارجية المصري سامح شكري، مباحثات "لوزان" بشأن القضية السورية، وذلك قبل أسبوعين بشكل أثار الكثير من الأسئلة حول عمق العلاقات الإيرانية المصرية في عهد السيسي.

دبلوماسية الابتزاز
منذ وصوله إلى السلطة قبل عامين، يتبع النظام الحالي في مصر ما يمكن أن نسميه "دبلوماسية الابتزاز" كأحد مبادئ رسم وتحديد سياسته الخارجية. وهي دبلوماسية تنطلق من الأزمة التي يعيشها النظام سياسيا واقتصاديا ويرفض الاعتراف بها.

وهنا يستخدم نظام السيسي كل الأدوات المتاحة من أجل الحصول على مكاسب مؤقتة يمكنها أن تزيد من عمره السياسي. وهو أمر يبدو واضحا في محاولة النظام ابتزاز حلفائه الإقليميين من أجل تثبيت حكمه داخليا. فهو قد ابتز المملكة العربية السعودية وحصل منها على دعم سياسي قبل ثلاثة أعوام، وكذلك على دعم اقتصادي غير مسبوق وصل حوالى 30 مليار دولار بين منح ومساعدات وقروض ميسرة ومساعدات نفطية واستثمارات، جعلته يطفو على السطح طيلة السنوات الثلاث الماضية.

ولكن هذا النظام أدار ظهره للرياض بعد أن حصل منها على ما يريد، وبعدما بدأ يستشعر أن السعودية تواجه أزمات اقتصادية بسبب تراجع أسعار النفط، وإستراتيجية تتمثل في الأزمة العميقة مع إيران. ويبدو أن نظام السيسي يعتاش على أزمات المنطقة ويحاول تقديم وعرض نفسه للاستخدام لمن يدفع أكثر. لذا فهو يحاول الآن البحث عن شركاء جدد قد يدعمونه اقتصاديا وسياسيا كما هي الحال مع إيران وروسيا.

مخاطر كبيرة
إذا كان نظام السيسي يحاول الاستفادة بشكل انتهازي من تناقضات المصالح الإقليمية والدولية من أجل تعزيز مكاسبه، فإن ثمة مخاطر كثيرة يمكن أن تهدده على المدى المتوسط. فمن جهة أولى فإن اهتزاز واضطراب السياسة الخارجية لمصر يقلل من الثقة فيها كدولة إقليمية مهمة ويدفع الأطراف الأخرى إلى التفكير أكثر من مرة قبل الدخول في تحالفات معها. وإذا كانت دولة كالسعودية قد سمحت للسيسي بالتلاعب بها وبمصالحها، فإن دول أخرى مثل إيران وروسيا لن تسمح له بذلك. بل على العكس سوف تستخدمه وتوظّفه لتحقيق مصالحها قبل أن تعطيه ما يريد.

ومن جهة ثانية، فإن التقلب والابتزاز يهدد مصالح مصر، كدولة وشعب، على المدى الطويل. فمن شأن الانتهازية والابتزاز أن يدفع الأطراف الإقليمية الأخرى للدخول في تحالفات مضادة، كما أنه قد يؤدي إلى قطيعة مع دول أخرى مهمة كالسعودية والولايات المتحدة وتركيا على نحو ما هو حادث بالفعل مع الأخيرة.

ومن جهة ثالثة، فإن عدم ثبات السياسة الخارجية المصرية من شأنه إلحاق الضرر والأذى بالشعب المصري بسبب تذبذب المواقف وتخبطها. وما حدث مؤخرا مع السعودية حين علّقت صادراتها النفطية لمصر كنوع من العقاب أو "قرصة الأذن" بعد تصويتها لصالح القرار الروسي في مجلس الأمن دليل واضح على ذلك.

فالشعب المصري يدفع فاتورة إستراتيجية الابتزاز التي يمارسها النظام من قوته ومصالحه. وسوف تصبح العواقب وخيمة إذا ما أعادت السعودية التفكير في علاقتها بالقاهرة بشكل جذري ما قد يضر مصالح العاملين المصريين في المملكة. وذلك على نحو ما حدث في ليبيا التي يقوم فيها السيسي بدعم طرف مقابل الطرف الآخر ما تسبب في مقتل ما يقرب من 21 مصريا على يد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قبل عام ونصف.

بكلمات أخرى، إذا كان السيسي يتذاكى على الجميع ويعتقد أن بإمكانه اللعب على الحبال والاستفادة من تناقضات الأطراف الدولية والإقليمية، فإن استمرار هذا النهج سوف تكون له عواقب وخيمة على مستقبل البلاد ومصالحها بعدما ينقلب السحر على الساحر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك