عبد الباري عطوان

انتهى عام 2002 ولا تزال مرحلة التقييم له مستمرة, للخروج بنتيجة لعام من المعاناة الثقافية والسياسية. ومحاولة منا لاستقصاء ذلك المخاض الزمني للأحداث كان لنا الحوار التالي مع الأستاذ عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي:

الأستاذ عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن وأحد أكبر المثقفين الإعلاميين والسياسيين.. أولا أسألك ماهي نظرتك فيما قدمته الثقافة والمثقف العربي سنة 2002, وهل تغير شيء؟

الثقافة العربية لا يمكن أن تكون إلا انعكاسا للوضع العربي. فلا نستطيع أن نعزل بين الثقافة وبين ما يجري, لأن الإبداع هو العمود الفقري الذي لا يتبلور إلا في وجود نوع من التحدي والصراع أو نوع من المشاركة الحقيقية للمبدع والمثقف. ومن المؤسف أن المثقف العربي- ليس فقط في السنة التي انتهت أمس- وإنما في السنوات التي قبلها يعيش حالة من الغيبوبة أو عدم وضوح الرؤية, هل لأن الشارع العربي صامت ؟ أو لأن القمع العربي الرسمي أدى إلى حالة تكلس لدى المبدع بحيث لم يعد قادرا على عكس ما يجري ؟ أم أن ما يجري سيئ لدرجة أنه لا يحفز المبدع لكي يقدم صورة إبداعية جميلة ؟.

هذه الأسئلة تحير كل من يرصد الحياة الثقافية السنة الماضية, فالساحة الثقافية تخلو من كتاب كبار. ففي مرحلة معينة مثل مرحلة مكافحة الاستعمار كان عندنا رموز في الأدب في كل الوطن العربي, مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وعبد الله البردوني و باكثير ويوسف إدريس و البارودي. كانت هناك نهضة شاملة في المسرح والقصة والشعر والصحافة, بينما الآن لا يوجد لدينا حتى مطرب نتفق عليه, مما يعني وجود خلل في الحياة الثقافية.

وفي وقت نحن في صراع مع آلة الشر الأميركية العملاقة, وهناك حرب ضد الإرهاب, وهي في الواقع ضد الإسلام والمسلمين. كما أن هناك حربا قادمة وأخرى مستمرة في فلسطين المحتلة, لا نجد إبداعا ينعكس. فأهم كتاب إبداعي هذه السنة ألفته فتاة مصرية مقيمة في أوروبا, حكت فيه عن تجربة الانتفاضة. فأين المبدعون العرب الكبار؟ أعتقد أن الخلل في النظام السياسي والثقافي وربما أيضا في المتلقي.

أستاذ عبد الباري خلال السنة المنصرمة, هل اطلعت على إنتاج ثقافي, قرأت كتابا أو شاهدت مسرحية أو تمعنت لوحة إبداعية, ترك لديك قيمة كإنجاز مهم تذكره للأجيال؟

من المؤسف أنني لم أعثر على كتاب واحد ولم أجد في أدب الشباب الشيء الذي يهزني, حتى الشعر الحديث أو ما يسمى بقصيدة النثر مع احترامي لها تفتقر إلى الموسيقى. إننا نرى انقلابا في حياتنا, فالغناء صار "فيديو كليب" كله رقص وتقليد للهند وللغرب, وجميع الأجناس الأدبية تشهد نفس الحالة من الجفاف. لذلك أرجع دائما في قراءاتي إلى التراث, ككتابات طه حسين وشعر المتنبي وغيرهم من الأدباء الذين أجد معهم راحة غير عادية.

نأتي إلى السؤال عن بن لادن, هل رأيت في مقابلتك معه المثقف الذي يحمل الهم ؟ هل في رأيك بتغييره للخريطة الثقافية في العالم العربي -إن لم يكن في العالم أجمع- كان يتبنى مشروعا ثقافيا نهضويا لأمته العربية الإسلامية؟

الشيخ أسامة بن لادن مثلما شاهدت وعشت معه في الأيام القليلة في كهوف تورا بورا لمست أنه إنسان على درجة كبيرة جدا من العلم, فيما يتعلق بالشريعة والفقه والتفسير. حقيقة هذا الرجل على ثقافة إسلامية ومحب للشعر لحد كبير, بالإضافة إلى أنه قارئ جيد ومتابع حاضر للصحافة وللثقافة, وإن كانت الثقافة الإسلامية - كما ذكرت - تغلب عليه حتى في كهفه في تورابورا, أغلب عيون الكتب التراثية موجودة لديه.

يمكنني أن أقول إن الشيخ أسامة بن لادن ممتع وعميق ثقافيا بتواضع طبيعي غير مصطنع, فهو لا يستعرض بثقافته بل تلمسها قبسات سريعة في شكل حوار عادي, وذلك ما كنت ألاحظه حينما أتمشى معه حوالي الساعتين في كهوف باردة.