قبل نحو ثلاثين عاما أسس اليهودي التونسي رونيه الطرابلسي شركته الخاصة للأسفار، ليكون أحد أبرز رجال الأعمال في قطاع السياحة والسفر وأحد أهم مزودي السوق المغاربية بالوفود السياحية.
لكن اسم الرجل الخمسيني الذي برز في مجاله لم يكن يتردد كثيرا، وغالبا ما اقترن ذكره مع الزيارة السنوية لليهود، في مايو/أيار من كل عام إلى كنيس الغريبة بجزيرة جربة، جنوبي تونس حيث كان يشرف على تنظيم الزيارة.
إلا أن إعلان رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد قبل يومين عن تعيين الطرابلسي وزيرا للسياحة جعل الأخير محطا للأنظار والاهتمام والجدل كونه أول يهودي يتولى حقيبة وزارية في تونس منذ أكثر من ستة عقود.
وبإعلان الشاهد يكون الطرابلسي ثاني يهودي تونسي يتولى منصبا رفيعا بعد الاستقلال، فقد سبقه إلى ذلك اليهودي أندريه باروش الذي تقلد وزارة التعمير والإسكان في حكومة الحبيب بورقيبة الأولى بعد الاستقلال من 18 أبريل/نيسان 1956 إلى 29 يوليو/تموز 1957.
وقبل الاستقلال تولى اليهودي ألبير بسيس، وهو محام سابق، وزارة الإسكان في حكومة الطاهر بن عمار عام 1955، حين حصلت تونس على حكم ذاتي قبل إعلان الاستقلال في مارس/آذار 1956.
| سبق أن برز اسم رونيه سنة 2014 عقب استقالة حكومة علي العريض في يناير/كانون الثاني 2014، وذلك مع بدء مشاورات تشكيل حكومة المهدي جمعة (2014-2015) |
نقطة فارقة
وفي تونس البلد ذي الغالبية المسلمة برزت ديانة الطرابلسي كنقطة فارقة في سيرته الذاتية، رغم أن الدستور التونسي ينص على المساواة بين جميع المواطنين والمواطنات بلا تمييز، مع تأكيد فصوله على حرية المعتقد والضمير.
والطرابلسي واحد من بين 2000 يهودي تونسي، بقيت الغالبية العظمى منهم في جزيرة جربة جنوبي البلاد حيث وُلد (الطرابلسي) وأتم دراسته الثانوية قبل أن يسافر إلى فرنسا.
ولسنوات تشبث الطرابلسي، وهو نجل رئيس الطائفة اليهودية في جربة والمسؤول عن معبد الغريبة، بالحفاظ على تنظيم مراسم "الحج اليهودي" الذي يعده موعدا يعكس صورة التسامح والتعايش السلمي في تونس.
وكثيرا ما دعت تصريحاته لزيارة تونس بلا خوف كقوله: كل الحجاج قبلوا بالذهاب (إلى الحج) رغم تحذيرات بعض الدول من تونس، أظن أنهم شجعان ويعبرون عن حب تجاه تونس التي تعاملهم بالمثل".
ولا يبدو إعلان تسلم الطرابلسي لحقيبة وزارة السياحة أمرا مفاجئا، فقد سبق أن برز اسمه سنة 2014 عقب استقالة حكومة علي العريض في يناير/كانون الثاني 2014، وذلك مع بدء مشاورات تشكيل حكومة المهدي جمعة (2014-2015).
"يكفيني شرفا أن طُرح اسمي بشكل جدي لتولي حقيبة وزارة السياحة في حكومة السيد مهدي جمعة (..) كنت ولا أزال على استعداد لتقديم خبرتي في المجال السياحي لو طلب مني تولي أي منصب يخدم الوطن، لم ولن أرى أي مشكل أو تعقيد في تعيين يهودي في منصب ما خاصة إذا كانت له الإمكانيات والأفكار لخدمة بلاده وتقديم الإضافة في أي موقع يتحمله". هكذا تحدث الطرابلسي في حوار له مع جريدة الصباح التونسي في أبريل/نيسان الماضي.

اختيار ورمزية
ولئن تجاوز هذا التصريح السابق مسألة الديانة، وثمّن أشياء أهم هي الإمكانيات والخبرات، فإن تعيين وزير يهودي لا يخلو من الرمزية بحسب منى بن حليمة، الكاتب العام المساعد (السكرتير العام المساعد) للجامعة التونسية للفنادق، التي تعتبر أن تعيين وزير من ديانة يهودية يعد "أمرا إيجابيا جدا لصورة البلاد، وهذه رمزية ندعمها"، معبرة عن أملها بألا "يتوقف ذلك عند الرمزية".
وهو ما ذهب إليه آخرون، معتبرين أن تسمية الطرابلسي على رأس وزارة السياحة تبعث برسائل طمأنة إلى وكالات الأسفار في العالم، وتروّج لصورة بلد داعم للتعايش السلمي بين جميع مكوناته بلا تمييز أو تطرف، ولا سيما أن للطرابلسي علاقات قوية مع كبرى الشركات السياحية، وقد يعمل على إنعاش القطاع السياحي الذي مرّ باضطرابات عنيفة منذ 2011.
إلا أن شبكة العلاقات التي يمتلكها اليهودي التونسي وخبرته في مجال السياحة على رأس وكالته للأسفار وما يتبعها من شركات أخرى في المجال وإن كانت نقطة قوة تحسب له، فهي في الوقت نفسه نقطة ضعف، حيث أثيرت مخاوف من تحقيق فوائد لصالح وكالته في مخالفة لقانون صادق عليه البرلمان العام الماضي يمنع تضارب المصالح في تعيين أو انتخاب مسؤولين.
وبتشكيلته الوزارية المعدّلة يمضي الشاهد نحو قبة البرلمان لنيل الثقة، بينما يمضي الطرابلسي نحو تجربة جديدة بعيدا عن غمار الأعمال ورحلات وكالات الأسفار، تجربة يحسب فيها منطق الربح والخسارة بما يقدمه لتونس.
















