نحو فهم أفضل لمرض ألزهايمر

نحو فهم أفضل لمرض ألزهايمر

جامعة حمد بن خليفة كلفت معهد قطر لبحوث الطب الحيوي بالقيام بأبحاث إستراتيجية حول ألزهايمر (جامعة حمد بن خليفة)
جامعة حمد بن خليفة كلفت معهد قطر لبحوث الطب الحيوي بالقيام بأبحاث إستراتيجية حول ألزهايمر (جامعة حمد بن خليفة)
من المرجح أن يكون ظهور مرض ألزهايمر على هذه الأرض، والذي يعد أحد أشكال مرض الخرف، قديمًا قدم الإنسان نفسه، وهو يوصف بأنه من الأعراض الانتكاسية للفقدان التدريجي للذاكرة، ويصيب غالبًا الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا.

وقد أشار التقرير العالمي حول ألزهايمر لعام 2016 إلى أن هناك الآن أكثر من 47 مليون شخص حول العالم يعانون من ألزهايمر أو من مرض مرتبط بالخرف. ومع ذلك، فإن التقديرات تشير إلى أن الحالات التي يتم تشخيص إصابتها سريريًا بمرض ألزهايمر لا تتجاوز ربع المصابين به فقط، ومن هنا تبرز أهمية الحاجة لتعزيز الوعي العام بهذا المرض.

وجدير بالذكر أن هذا المرض ليس من الأمراض حديثة العهد، حيث يمكن العثور على أدلة تاريخية مرتبطة بأعراض هذا المرض في وثائق تعود لحضارات موغلة في القدم.

وقد ورد في مخطوطة مصرية هيروغليفية تعود لعام 2500 قبل الميلاد وصفٌ لمرضٍ يصيب العقل ويجعل كبار السن يقومون بتصرفات "صبيانية" على نحو متزايد بمرور الوقت.

أما الطبيعة المخيفة لهذا المرض فهي موصوفة بدقة في قصيدة للشاعر الروماني جوفينال، يقول فيها: "تتراقص الأمراض بجميع أنواعها من حولنا، ولكن ما هو أسوأ من تعب الجسد أن يخذلنا العقل وننسى، ألا نميز وجه صديق قديم تناولنا معه العشاء الليلة الماضية، أو وجوه صغارنا الذين ربيناهم".

ويتجاوز تعقيد حالة المصاب بهذا المرض مجرد نسيان بعض الأمور؛ إذ يعاني أولئك الذين لا يزال لديهم حس من الإدراك قبل المراحل الأخيرة من مرض الزهايمر من الاكتئاب، لأنهم ينسون فصولًا كاملة من حياتهم، كما تتعرض حياتهم الاجتماعية أيضًا لتأثيرات شديدة.

ومن نافل القول إنه من المحزن والمؤلم جدًا بالنسبة لأفراد العائلة أن يشاهدوا عزيزًا يتلاشى أمامهم مصابًا بحالة ذهنية طفولية، ناهيك عن التحديات المادية والعاطفية والمالية الضخمة التي ينطوي عليها الأمر.


ما يخفيه المستقبل
ولسوء الحظ، لا تبدو الآفاق واعدة في المدى المنظور بالنسبة لمرض ألزهايمر؛ إذ جاء في التقرير العالمي عن ألزهايمر لعام 2016 أن هذا المرض سينتشر بشكل أكبر ليصيب أكثر من 130 مليون شخص بحلول عام 2050.

ومن المثير للسخرية أن يكون ارتفاع متوسط الأعمار لسكان العالم سببًا في ازدياد أعداد المصابين بمرض الزهايمر. وقد تم اكتشاف المرض في البداية في بلدان متقدمة نظرًا لأنها بدأت تشهد زيادة في متوسط عمر السكان قبل غيرها. وقد تم تخصيص موارد كبيرة لدراسة هذا المرض، ومع ذلك لا يزال هناك الكثير من الاعتقادات الخاطئة حوله في العالم العربي، كما أن أنظمة الرعاية الصحية لدينا لا تضعه في قائمة أولوياتها.

وتجدر الإشارة إلى أن نمط الحياة يسهم بشكل أكبر في ظهور الأمراض العصبية الانتكاسية مقارنة بالعوامل الوراثية، وقد تم تحديد كل من مرض السكري وارتفاع مستويات الكوليسترول وضغط الدم المرتفع كعوامل حرجة مساهمة في تطور مرض ألزهايمر، وبينت الأبحاث أن المصابين بداء السكري من النوع الثاني هم أكثر عرضة بنسبة أربع إلى خمس مرات للإصابة بمرض ألزهايمر أو مرض باركنسون.

ومن المؤسف أن أغلب العائلات تتعامل مع أفرادها المصابين بمرض ألزهايمر بعزلهم عن المجتمع، وذلك بسبب عدم معرفة فائدة التشخيص السريري، أو بسبب الخجل والعار الذي تشعر به الأسرة التي يعاني أحد أفرادها من هذا المرض.

معهد قطر لبحوث الطب الحيوي في الطليعة
وانطلاقًا من أن الاضطرابات العصبية تعد تهديدًا خطيرًا محتملًا في العالم العربي، كلفت جامعة حمد بن خليفة معهد قطر لبحوث الطب الحيوي التابع لها، بالقيام بأبحاث إستراتيجية في هذا المجال. ويتعاون المعهد حاليًا مع الجهات المعنية في قطر من أجل تحديد حجم المشكلة التي تواجهها المنطقة، وذلك بإجراء دراسات ديمغرافية متواصلة حول الأشخاص المصابين بمرض الخرف.

ويأتي هذا الجهد كمقدمة لتحديد العلامات الوراثية والبيولوجية الفريدة لسكان العالم العربي، والتي تساعد في التشخيص المبكر. ويكمن الهدف الرئيسي من ذلك في دعم المساعي العالمية الرامية للتوصل إلى تشخيص سريع وأكثر فعالية، وتوفير علاجات أفضل، والوصول في نهاية المطاف إلى علاج دائم.

ويسعى معهد قطر لبحوث الطب الحيوي إلى المساهمة في نشر التوعية حول الاضطرابات العصبية، وهو يشتهر على مستوى العالم بإجراء أبحاث طبية رائدة في المنطقة، كما أنه من أوائل المعاهد البحثية في العالم العربي التي تتلقى تمويلات عالمية مهمة لإجراء أبحاث طبية من ذات المستوى.

ولدى المعهد مركز متخصص في أبحاث الاضطرابات العصبية، لإجراء دراسات وأبحاث حول الأمراض المرتبطة بالدماغ، مثل أمراض التوحد والصرع، والأمراض العصبية الانتكاسية.

وتم مؤخراً اختيار معهد قطر لبحوث الطب الحيوي من قبل الشركة النمساوية المتخصصة في التقنيات الحيوية "أفيريس إيه جي" لتقييم بعض العوامل الخاصة بتجارب سريرية لنهج مبتكر قائم على مبدأ العلاج المناعي لمرض باركنسون.

هناك عدة مؤشرات تدل على الإصابة بألزهايمر (الألمانية)

وعلاوة على ذلك، اختارت شركة الأدوية العالمية الرائدة "لوندبيك" (Lundbeck) مؤخرًا بعض الأدوات التشخيصية المهمة التي طورها باحثو وخبراء معهد قطر لبحوث الطب الحيوي والمرتبطة بالأمراض العصبية الانتكاسية، لدعم تجاربها السريرية الخاصة بعلاج جديد تعمل على تطويره.

وعلى الرغم من أن 50% من الأشخاص الذين تم تشخيص إصابتهم بالخرف يندرجون في خانة مرضى ألزهايمر، فإن تشخيص مرض ألزهايمر لا يزال يشكل تحديًا بحد ذاته، وذلك نظرًا للإطار الزمني الطويل الذي يتطور فيه المرض في الدماغ، فمن الممكن أن يكون قد مضى على إصابة الشخص بالمرض نحو 20 إلى 25 عامًا قبل التمكن من تشخيص المرض سريريًا، حيث إن تشخيص مرض ألزهايمر في مراحله المبكرة هو أمر مستحيل في وقتنا هذا.

ولسوء الحظ، فإن أعراض ألزهايمر في مراحله المبكرة عادة ما تكون حميدة ويتم تجاهلها بسهولة وبساطة؛ إذ غالبًا ما يتم اعتبارها كحالات نسيان مرتبطة بالتقدم في العمر. ويبدأ الأمر من شيء بسيط مثل نسيان ما تناوله الشخص على الغداء لفترة قصيرة ثم تذكر ذلك في نهاية المطاف. ويصبح فقدان الذاكرة قصير المدى هذا أكثر تواترًا وشدة، إلى أن يصبح واضحًا بأن هناك خطبًا ما يستدعي تدخلًا طبيًا.

د. عمر الأجنف: لحسن الحظ، بدأت الاستثمارات في مجال أبحاث مرض ألزهايمر تؤتي ثمارها خلال السنوات الأخيرة (جامعة حمد بن خليفة)

 التشخيص والعلاج
ولا توجد حاليًا أدوات وعمليات تحديد فعالة لتشخيص ألزهايمر، إذ إن التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) والتصوير المقطعي بالانبعاث البوزيتروني (PET) لا يقدمان أدلة قاطعة إلا في مرحلة متقدمة من الإصابة بالمرض، ناهيك عن أن التكلفة الباهظة لهذه المعدات ومتطلباتها التقنية المعقدة تزيد من محدودية توفرها.

ويتم عادة تشخيص المرض من خلال سلسلة معقدة وشاملة من الفحوصات، وقد يستغرق التأكيد من نتائج الاختبارات والتشخيص الإيجابي اللاحق للإصابة بألزهايمر بين عدة أشهر وعامين. وبما أن أعراض مرض ألزهايمر تتداخل في كثير من الأحيان مع أعراض أمراض أخرى مرتبطة بالخرف، فإن هناك احتمال حدوث خطأ في تشخيص المرض يصل إلى نسبة 20%، مما يؤخر العلاج أو قد يؤدي إلى تلقي المرضى علاجات غير صحيحة.

ولا يتم وصف علاجات على شكل عقاقير طبية لتخفيف فقدان الذاكرة لفترة وجيزة إلا للاستخدام المؤقت، وذلك بسبب الآثار الجانبية القوية لتلك العقاقير.

إضافة إلى ذلك، لا يوجد تقريبًا أية مراكز علاج في العالم العربي توفر رعاية متخصصة رفيعة المستوى، بينما تتوفر بعض مراكز الرعاية المتخصصة عالية الجودة في أوروبا وأميركا الشمالية، إلا أن تكلفتها مرتفعة للغاية. وعلاوة على ذلك، فإن مراكز العلاج المتخصصة تلك غير مشمولة بالتأمين الطبي.

الاستثمار في البحوث
ولحسن الحظ، بدأت الاستثمارات في مجال أبحاث مرض ألزهايمر تؤتي ثمارها خلال السنوات الأخيرة، ونجحت بعض الأبحاث المتطورة في تطوير علاجات قادرة على تخفيف أعراض المرض من دون آثار جانبية خطيرة، وبات العلماء والخبراء على أعتاب العثور على علاج دائم لهذا المرض.

وعلى الرغم من التقدم الملحوظ الذي يتم إحرازه على هذا الصعيد، فإن هذا المرض لا يزال يشكل عبئًا ماديًا هائلًا على الأسر وأنظمة الرعاية الصحية. ووفقًا للتقرير العالمي لمرض ألزهايمر لعام 2010، فقد تم إنفاق 150 مليار دولار على مستوى العالم للتعامل مع هذا المرض، وارتفع هذا الرقم بشكل هائل منذ ذلك الحين، حيث جاء في تقرير عام 2016 أن الولايات المتحدة الأميركية وحدها أنفقت 150 مليار دولار في عام 2015، في حين يقدر حجم الإنفاق العالمي بنحو 409 مليارات دولار.

وستكون هناك حاجة للقيام باستثمارات طويلة الأجل في مجال أبحاث ألزهايمر ولسنوات مقبلة، ومن خلال الاستثمار في معهد قطر لبحوث الطب الحيوي ومنشآت رعاية صحية أخرى في الدولة، فإن قطر وجامعة حمد بن خليفة تعملان من أجل ضمان إيلاء الأولوية لهذه الحالة المرضية.

ونحن نسعى جاهدين لضمان أن الأبحاث الجديدة على مدى السنوات الخمس المقبلة تتناول القضايا الجينية والبيئية والحياتية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط، في ما يتعلق بمرض ألزهايمر والأمراض العصبية الأخرى.
_______________
* المدير التنفيذي بالإنابة لمعهد قطر لبحوث الطّب الحيَوي، ومدير مركز بحوث الاضطرابات العصبية، جامعة حمد بن خليفة، مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع.

المصدر : الجزيرة