أحمد أبو حسين

التيارات السياسية العربية في إسرائيل
الجبهة الديمقراطية وشكل الدولة
التيار الإسلامي وشكل الدولة
التيار القومي وشكل الدولة

بعد النكبة في العام 1948وحتى حرب حزيران عام 1967 كان المميز لسياسة إسرائيل هو عزل المواطنين العرب الذين بقوا في وطنهم وحصلوا على المواطنة (الهوية) الإسرائيلية، في غيتوات معزولة تخضع للحكم العسكري وأجهزة المخابرات التي كانت تتحكم بحياتهم من خلال ربط مصالحهم بالأحزاب الصهيونية.

التيارات السياسية العربية في إسرائيل

فما بين النكبة وهزيمة حزيران التي تمخضت عن احتلال ما تبقى من فلسطين إضافة إلى مرتفعات الجولان السورية وسيناء المصرية، نشط بين العرب في إسرائيل ثلاثة تيارات:

  1. التيارالمرتبط بالأحزاب الصهيونية وخاصة أحزاب السلطة الحاكمة، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا التيار كان سائدا وعبّر عن مصالح قوى اجتماعية وعائلية قروية لضمان الوظيفة ولقمة العيش، الأمر الذي ساهم كثيرا في عملية التهميش الوطني والقومي.
  2. التيار الثاني وهو تيار الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وهو حزب عربي يهودي ناضل من أجل تحقيق المساواة، وضد مصادرة ما تبقى من الأرض، وإلغاء الحكم العسكري المباشر الذي فرض على المناطق العربية (الجليل والمثلث والنقب).
  3. التيار الثالث وهو التيار القومي المتمثل بحركة الأرض الذي تأثر بالحركة القومية العربية وجمال عبد الناصر، إلا أن هذا التيار لم يكن منظما مما جعل إسرائيل تنجح في قمعه ونزع صفة الشرعية عنه.

"
برغم الخلافات الأيديولوجية والبرنامجية بين التيارات العربية إلا أنها تتفق فيما بينها بشأن الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وحق العودة وتفكيك المستوطنات
"

 وبعد حزيران 1967 كانت الأجواء الشعبية التي احتقنت بالمرارة والأسى قد انتقلت بسرعة إلى فترة البحث عن الذات، عبر اختراق المناطق المحتلة في العام 1967 والوصول إلى الأقرباء.

وفي بداية السبعينيات ومع تصاعد العمل الفلسطيني المسلح وانتصار أكتوبر، تنامى الشعور الوطني والقومي وتزايدت الجرأة الجماهيرية. وقد تجسد هذا الوعي في الحركة الطلابية العربية في الجامعات الإسرائيلية، وإنشاء تنظيمات محلية مثل حركة أبناء البلد ودافعها قومي.

وبدأت تتسع دائرة القوميين العرب في صفوف أصدقاء الحزب الشيوعي الإسرائيلي.

 ويُذكر في هذا الصدد أن حركة أبناء البلد قد تبنت أوائل السبعينيات طرح الدولة الديمقراطية العلمانية، وبسبب تأثرها بمنظمة التحرير تبنت البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية دون إسقاط الهدف الإستراتيجي من حساباتها.

وأدت التغييرات الاجتماعية والسياسية إلى مواجهات يوم الأرض في العام 1976، وبدأت منظمة التحرير في حينه المراهنة على العرب في إسرائيل كقوة تأثير في المجتمع الإسرائيلي، وغالبا ما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تتدخل في شؤون الانتخابات الإسرائيلية من خلال توجيه العرب في إسرائيل إلى التصويت للأحزاب العربية. وكانت منظمة التحرير قد انسدت أمامها آفاق تحرير فلسطين، وبدأت تبحث عن دولة فلسطينية وعاصمتها القدس في حدود الرابع من حزيران.
 
بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1987 والتي لعب المواطنون العرب في إسرائيل دورا مهما في دعم إخوتهم من خلال التظاهر والإغاثة بالمواد الغذائية، أفرزت اتفاقات أوسلو 1993، وبدأ الشعور بأن قضية الفلسطينيين (المواطنين العرب في إسرائيل) شأن إسرائيلي داخلي، فتعمقت الأسرلة، وعادت الأحزاب الصهيونية بقوة إلى الشارع العربي بعد أن تقلص حضورها في ثمانينيات القرن الماضي، وعندها برزت الحاجة إلى إعادة النظر، وبرز التيار القومي والتيار الإسلامي.

بقيت التيارات الثلاثة قائمة إلى أن ظهرت الحركة الاسلامية كتيار رابع، وتصاعد نفوذها ودورها بفعل تأثيرات إقليمية ودولية، ونشاطها المتشعب بين الناس وأهمها دعم الانتفاضة الفلسطينية من خلال حملات الإغاثة الإنسانية.

ومع تسارع الأحداث واحتلال العراق وفرض الهيمنة الإسرائيلية ازداد الاغتراب، ولوحظت الردة السياسية حتى في أوساط المواطنين العرب، إلا أن الهجمة الأخيرة أبقت في داخلهم المرارة الحادة، الأمر الذي يؤكد الانتماء للأمة العربية.

وساهمت الهجمة على التيار الإسلامي واعتقال قياداته باستنزاف طاقاته، وقد لوحظ مؤخرا حملة إسرائيلية من قبل الأحزاب الصهيونية على الأقلية العربية الفلسطينية لتجنيد عناصر عربية.

ولا يختلف اثنان على أن هذه الحملات تؤثر وتضعف من قوة الأحزاب العربية، بل تؤثر على "أفكار" المواطن العربي العادي وعلى سلوكه السياسي والاجتماعي، لذلك ليس من المستغرب أن يشير بحث إسرائيلي مؤخرا إلى اغتراب العرب في إسرائيل عن الدولة جراء التعب من المشهد السياسي العام.

وأخذت تعمل في أوساطهم التيارات الثلاثة:

  1. التيار القومي الديمقراطي
  2. التيار الإسلامي بشقيه "المتشدد" والبراغماتي
  3. التيار الشيوعي الجبهوي.

وذلك بمعزل عن التيار المرتبط بالأحزاب الصهيونية.

وبرغم الخلافات الأيديولوجية والبرنامجية في هذه التيارات، إلا أنها تتفق فيما بينها بشأن الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وحق العودة وتفكيك المستوطنات.
 
لكن هذا لا يعني أن الصورة وردية بهذا الشكل، فهناك بعض العناصر العربية الإسرائيلية المرتبطة تاريخيا ومصلحيا بالمؤسسة الإسرائيلية وحزبي ليكود والعمل، لذلك نجد من يحاول تسويق برامج استسلامية ورضوخ وقبول سياسة الأمر الواقع عبر الإعلام والصحف. 

فقد أثرّت نتائج الوضع الدولي ونضال وتحركات منظمة التحرير الفلسطينية على إنشاء "حالة نزاع" بين شعب محتل وقوة محتلة في الأراضي العربية المحتلة، بينما أسقطت قيادة منظمة التحريرالفلسطينية العرب في إسرائيل كجزء من الشعب الفلسطيني من حساباتها، واكتفت بالتعامل معهم على أنهم قوة احتياط لدعم اليسار الإسرائيلي أو لدعم كل من يعترف بها كممثلة للشعب الفلسطيني.

وقد ساهمت هذه الطروحات بالتأثير على صياغة التفكير السياسي



للتيارات العربية في الداخل، أهمها خطاب المواطنة الإسرائيلية بعد أن تأكدوا أنهم خسروا الوطن.

الجبهة الديمقراطية وشكل الدولة

"
الجبهة الديمقراطية تراهن على تغييرات داخل المجتمع الإسرائيلي من أجل إزالة الجدار وتفكيك المستوطنات وإقامة الدولة
"

لذلك ليس غريبا أن تؤيد مجموعة كبيرة من المواطنين العرب -في عينة بحث إسرائيلي أخير- دولة ثنائية القومية، وكل الإجابات سببها الرئيسي التمسك بالهوية الوطنية.

وهذا يتناقض كليا لما تصرّح به كافة التيارات العربية بشأن الدولة الفلسطينية بعد أن أصبحت حلما. ولا نغامر حين نقول إنها تتفق على حدود الدولة العتيدة وتصورها لها وطبيعة العلاقة معها، مع أن البعض يربط بين السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل من جهة وبين تحقيق المساواة للمواطنين العرب داخل إسرائيل من جهة أخرى.

لقد تبنت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وعمودها الفقري الحزب الشيوعي الإسرائيلي فكرة "دولتين للشعبين"، مع تبني فكرة المساواة في الحقوق في الدولة اليهودية، دون الإشارة للحقوق القومية للعرب الفلسطينيين في إسرائيل.

وتطرح تلك الجبهة برنامجا اجتماعيا إصلاحيا على المجتمع الإسرائيلي، وهنا لا بد من التأكيد أن الحزب الشيوعي الإسرائيلي احتل في ظل ضعف الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل، ومنع إسرائيل النشاط السياسي على أساس قومي عربي -ردحا من الزمن- مكانة بارزة في صفوف المواطنين العرب في إسرائيل.

وقد كان لقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين الصادر العام 1947 نقطة تحول في حياة الحزب، وقد أثّر على مسيرته إلى يومنا هذا, إضافة إلى أن أغلبية قيادته كانت في الماضي غير البعيد من اليهود وأغلبية مؤيديه من العرب.

وتؤكد الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة على ضرورة إقامة الدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما تطالب بتفكيك المستوطنات والاعتراف بحق العودة للشعب الفلسطيني.

ويراهن هذا التيار على تغييرات داخل المجتمع الإسرائيلي من أجل إزالة



الجدار وتفكيك المستوطنات وإقامة الدولة، وتحاول الجبهة أن توسع عملها في الشارع الإسرائيلي من خلال ناشطين إسرائيليين.

التيار الإسلامي وشكل الدولة

"
الحركة الإسلامية "الجنوبية" تتبنى إقامة دولة فلسطينية في مناطق 1967 وعاصمتها القدس وتحقيق المساواة للعرب
"

أما التيار الإسلامي فنكاد لا نجد طرح "الدولة الإسلامية الواحدة " في أدبياته، وكذلك الأمر بالنسبة للدولة الفلسطينية العتيدة في المناطق المحتلة، فهو يتحدث عن ضرورة التعددية والوحدة الوطنية.

ويحظى التيار الإسلامي بتأييد واسع في السنوات الأخيرة على ضوء الدور الذي لعبته المقاومة الإسلامية في مقارعة الاحتلال إضافة الى ازدياد عدد الاستشهاديين، والشخصيات القيادية الميدانية "الحماسية" التي تعرضت للاغتيال من قبل إسرائيل، ومحاصرة ومصادرة أراضي القدس ومنطقة المسجد الأقصى، إضافة إلى الحملة الأميركية على الإرهاب، واحتلال العراق، وانسداد أفق الحل الفلسطيني الإسرائيلي. كل هذه الأسباب مجتمعة ساهمت بتقوية التيار الإسلامي حتى داخل إسرائيل.

وينقسم التيار الإسلامي في إسرائيل إلى قسمين الأول "الشمالي" الذي يعمل لبناء المجتمع "العصامي" بمعنى الاعتماد على الذات والاستقلالية المجتمعية، وهذه الرؤية تتمخض عنها رؤية الدعم والمؤازرة لأبناء الشعب الفلسطيني في مناطق العام 1967 من خلال الإغاثة وكفالة الأيتام لانعدام الضمان الاجتماعي.

أما الحركة الإسلامية "الجنوبية" فهي تتبنى برنامجا سياسيا واضحا



يتمثل بإقامة دولة فلسطينية في مناطق 1967 وعاصمتها القدس، وتحقيق المساواة للعرب.

التيارالقومي وشكل الدولة

أما التيار القومي والذي يترأسه التجمع الوطني الديمقراطي، فيناضل من أجل دولة فلسطينية في المناطق الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في العام 1967 وعاصمتها القدس، وكذلك حق العودة للاجئين الفلسطينيين، ويطرح برنامج دولة المواطنين كبرنامج مواجهة مع الحركة الصهيونية، من خلال تأجيج التناقض بين يهودية الدولة وديمقراطيتها، مع العلم أنه لا يمكن تحقيق المساواة في دولة اليهود.

ويُذكر هنا أن التجمع يعرّف نفسه على أنه حزب قومي عربي يستند في برنامجه وتوجهه إلى الفكرة القومية والديمقراطية، ويطالب اليوم إسرائيل بالاعتراف بالمواطنين العرب كأقلية قومية، مع ما يترتب على ذلك من حقوق ثقافية وقومية كاملة, وإقامة حكم ذاتي ثقافي.

هذه الطروحات جاءت بعد اتفاق أوسلو، وبعد أن نشأت مظاهر الأسرلة والتماثل مع الأحزاب الإسرائيلية، وشيوع السلوك الفردي والمزيد من الارتداد إلى الأطر الاجتماعية التقليدية، كل هذه القضايا عرقلت تقدم قضية العرب في إسرائيل، وكرست المكانة المتدنية لهم على المستوى القانوني.

أما بخصوص الدولة الفلسطينية العتيدة، فيؤكد التجمع ضرورة إقامتها في حدود الرابع من حزيران، وقد حذّر أكثر من مرة من أهداف إسرائيل السياسية مثل بناء "الجدار" لكي يصبح حدودا دولية مع الدولة العتيدة، وكذلك من أبعاد خطة "فك الارتباط" الإسرائيلية والتي تهدف إلى الانسحاب من غزة ومناطق فلسطينية في شمال الضفة، وفي المقابل تخطط لضم مناطق من السلطة الفلسطينية لإسرائيل.
 
وتنتظم هذه التيارات في إطار عربي موحد هو "لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب" ويتبنى برنامج حد أدنى في الطرح السياسي، وهو إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويُدرك العرب الفلسطينيون في إسرائيل أن هناك إجماعا دوليا وإقليميا على أن قضيتهم وحقوقهم القومية والمدنية ستحل داخل إسرائيل، وفي الوقت نفسه يناضلون من أجل إزالة الاحتلال والاستيطان في المناطق المحتلة عام 1967، ويرون في إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة يسود فيها الأمن والديمقراطية والتعددية السياسية إنجازا لهم في الزمن المرئي.

وهناك قناعة أيضا لدى كل التيارات التي ذكرتها، أنه يتوجب قيام دولة ديمقراطية فيها فصل سلطات بعيدة عن الاستبداد والفساد.
_______________
كاتب عربي من إسرائيل