حلمي موسى 

اليهودية والعروبة
الصهيونية واليهود العرب

ليس ثمة قضية أشد إثارة للتعقيد والإرباك من العلاقة العربية اليهودية. ومن الجائز أن التعقيد يكمن أولا في الاعتياد على التناظر بين طرفي هذه العلاقة والفصل بينهما، وكأن ذلك حقيقة راسخة.

اليهودية والعروبة

والأدهى أن العرب -في الغالب- انصاعوا وراء تعريفات خصومهم وتعاملوا معها وكأنها حقائق من دون تمحيص أو تدقيق، فوضعت العروبة مقابل اليهودية من جهة وتقبل العرب انفصام اليهودية عنهم من دون إدراك عواقب ذلك.

وجرى الخلط بين الحاضر والماضي بطريقة جعلت الحقائق تختفي تحت أثقال مشاعر يصعب التحرر منها.

العروبة مهد اليهودية
ومع ذلك فإن الحقيقة الدامغة هي أن العروبة بوصفها الوعاء الراهن للمنطقة الممتدة من الخليج إلى المحيط أفلحت في أن تكون جامعة ثقافية وحضارية لكل ما خبرته هذه المنطقة من ثقافات وحضارات وأديان ومذاهب.

ومن الجائز أن الإحساس الطبيعي بأن لكل فئة مختلفة الحق في أن تجد في هذا الوعاء مكانا لها، هو ما جعل المنطقة العربية أكثر المناطق في العالم تنوعا من النواحي الدينية والمذهبية والثقافية.

"
اليهودية ما زالت في واقع العرب مجرد ديانة من دياناتهم بصرف النظر عن الخلافات والترسبات التي نشأت وتبلورت في الماضي وحتى بعد ظهور الصهيونية

"

ودفع ذلك الجميع إلى الإقرار بأن الشرق العربي هو مهد الحضارات والديانات، فاستوعبت العروبة الحضارات اليمنية والمصرية والسورية والسومرية والبابلية بل والحضارات الوافدة إليها كالرومانية والإغريقية مثلما استوعبت الأديان التوحيدية وما قبلها.

وليس صدفة أن اليهودية كانت أول الأديان التوحيدية التي نزلت على جزء من "أهل المنطقة"، سواء أخذنا بالرواية التوراتية عن القادمين من بابل أو الرواية التاريخية التي باتت موضع جدل عن التوراة التي نزلت في جزيرة العرب، أو حتى لو أخذنا برأي مؤرخين يرون أن العبرانيين جاؤوا من مصر.

وبصرف النظر عن الرواية فإن الأمر يدور عن أهل المنطقة وليس عن أناس قادمين من عالم آخر أو عالم جديد، ولا ريب أن الجميع في المنطقة تعاطى في الماضي وقبل التعرف على "اليهودية الجديدة" مع اليهود، بوصفهم أبناء القبيلة المجاورة وليس بوصفهم شعبا آخر.

وكانوا بذلك -طوال الوقت- مجرد أشياع دين آخر تقترب منه أو تبتعد عنه وليسوا جماعة من عرق آخر، وانتشر هذا الدين انتشارا واسعا في الجزيرة العربية عموما وفي اليمن والعراق على وجه الخصوص، وكان أسبق من المسيحية انتشارا لدى العرب في الحواضر وأوسع انتشارا في جنوب الجزيرة الذي لم يتعرض كثيرا لغزوات أجنبية.

وأكدت المراجع التاريخية العربية الرئيسية  شيوع الديانة اليهودية بين القبائل العربية في اليمن، وهناك من يقول أن اليهودية صارت في عهد أحد ملوك اليمن ديانة رسمية.

وتتحدث الروايات التاريخية عن يهود يثرب ليس بوصفهم أناسا من الخارج وإنما من أهل المنطقة. ورغم كل ما يشاع فإن أغلبية اليهود في المنطقة العربية أسلموا عند ظهور الإسلام. وهذا بالطبع حال اليهود في كل من سوريا والعراق في حين أن ليهود المغرب ومصر رواية تختلف بعض الشيء.

وبكلمات أخرى كانت اليهودية وما زالت في واقع العرب مجرد ديانة من دياناتهم بصرف النظر عن الخلافات والترسبات التي نشأت وتبلورت في الماضي وحتى بعد ظهور الصهيونية.

وعموما كانت دمشق وبغداد والحواضر العربية الأخرى تضم على الدوام أعدادا كبيرة من التجمعات اليهودية الكبيرة والمزدهرة. وتنقل اليهود بين الأقطار العربية حيثما أرادوا وتعايشوا مع أبناء الأديان الأخرى بسلام في ظل الحكومات العربية. والواقع أنه قبل الثورة الصناعية يندر العثور على أي معلم حضاري لليهود خارج العالم العربي.

ويقر مؤرخون يهود بأن اليهود لم يتمكنوا من تطوير أنفسهم بحرية كبيرة وبلوغ مكانة مهمة كما حدث في عصرهم الذهبي تحت الحكم العربي في الأندلس.

اليهود والمتهودون
لقد ظل اليهود يعيشون لقرون عديدة في الشرق العربي بسلام لا يخدشه سوى ما كان يحدث أحيانا للآخرين من العرب.

"
يهود الدول العربية عرب ينطبق عليهم التعريف الشائع للسامية في حين أنه ليس ثمة جامع عرقي بينهم وبين المتهودين في آسيا وأوروبا من الخزر

"

وبقي هذا حال اليهود في المنطقة العربية التي كانوا فيها من أهلها يغلبون فترة ويغلبون فترات، وفيها وجدوا عزهم وبنوا تاريخهم.

ورغم اعتقادهم بمنطلقات اليهودية التي كانت تقوم على فكرة أن الله غضب عليهم فهدم هيكلهم وشردهم في أصقاع الأرض، فإن أحدا منهم لم يكن يشعر أنه بحاجة إلى العودة إلى "أرض الميعاد"، فقد كانوا في أراضيهم في البقاع العربية المختلفة يشعرون أنهم في أرضهم التي لا يعرفون بديلا عنها.

غير أن هذا كله لا ينطبق على عنصر آخر انضوى تحت لواء اليهودية في أرض بعيدة عن أرض العرب.

ففي الفترة بين القرنين الثامن والثاني عشر، ظهرت "مملكة" يهودية، على شواطئ بحر الخزر، كان أهلها خليطاً يعود بأصوله إلى أواسط آسيا وشرقيها، وقد اعتبروا من أكبر الجماعات التي اعتنقت الديانة اليهودية خلال جميع العصور.

ويعتقد أن التهود تم في عام 740م حيث اعتنق ملك الخزر وحاشيته لأسباب سياسية إستراتيجية الدين اليهودي، فأصبحت اليهودية بذلك دين الدولة الخزرية.

وبقيت هذه الدولة حتى القرن الثاني عشر الأمر الذي يعني أنها عاشت إضعاف أكبر مملكة يهودية يشاع أنها أقيمت على أرض فلسطين. وعموما اضمحلت هذه الدولة تدريجياً إلى درجة التلاشي قبل نهاية القرن الثاني عشر، حيث بدأ سكانها يهاجرون نحو مناطق الانتعاش الاقتصادي الجديد في أوروبا الوسطى والشمالية. 

ومن الوجهة العرقية فإن يهود الدول العربية عرب ينطبق عليهم التعريف الشائع للسامية في حين أنه ليس ثمة جامع عرقي بينهم وبين المتهودين في آسيا وأوروبا من الخزر.

ورغم أن تعبير السفاراديم والأشكناز يستخدم اليوم للإشارة للفارق بين الشرقيين والغربيين في إسرائيل فإن الأمر لا يخلو من الخلط، فمن الناحية اللفظية فإن السفاراديم تعني اليهود الذين طردوا من الأندلس بعد انتهاء العهد العربي فيها وهؤلاء لا يشكلون سوى جزء من اليهود العرب.

ومن المعروف أن يهود اليمن والعراق على سبيل المثال ليسوا من السفاراديم، أما الأشكناز فهم في الغالب اليهود من أصل خزري الذين انتشروا في البلاد السلافية وأواسط أوروبا، ومع ذلك احتوت البلاد السلافية على بعض الشرقيين ممن تسربوا إلى هناك مع الفتح الإسلامي العثماني.

الصهيونية واليهود العرب

من المعروف أن الصهيونية حركة قومية لليهود الأشكناز الذين نظرت إليهم الشعوب الأوروبية -في الغالب- بوصفهم "قادمون جدد" وليسوا من أبناء تلك المناطق.

الصهونية واللاسامية صناعة غربية

"
الاتهام الذي يطلقه بعض الغربيين على العرب باللاسامية لا يستند إلى أساس، فالظاهرة غربية بامتياز ولم تظهر البتة في المنطقة العربية

"

ولأنهم يهود يعيشون في بلاد مسيحية كان الرابط الأيديولوجي بينهم هو العهد القديم، واتفق الطرفان -عفو الخاطر- على أن اليهود وصلوا إلى تلك البلاد من فلسطين بعد طردهم منها.

وهكذا صار هؤلاء المهاجرون الخزريون الذين تهودوا بعد القرن الثامن الميلادي -ومنهم ينحدر معظم قادة الحركة الصهيونية وقادة إسرائيل- ينسبون أنفسهم إلى "العرق السامي".

وبرزت في أوروبا ظاهرة العداء للسامية, التي مورست حقا ضد هؤلاء الخزر الذين شكلوا أغلبية اليهود الأشكناز في العالم. 

ورغم أن الحركة القومية اليهودية في أوروبا اتخذت أشكالا مختلفة بعضها محلي الطابع وبعضها عالمي فإن فكرة الدولة كانت فكرة الصهيونية.

وفي النمسا التي تقع في وسط أوروبا جمعت الصهيونية بين الفكر القومي المتعصب الذي ساد في أوروبا الشرقية والبعد الاستعماري الذي ساد في أوروبا الغربية.

ورغم أن الصهيونية حركة قومية علمانية فإنها ومنذ اللحظة الأولى التي قررت فيها أن فلسطين وليس أي بلد آخر لا الأرجنتين ولا أوغندا ولا حتى سيناء هي مكان الدولة اليهودية كان لا بد من الاتشاح بوشاح ديني.

وقد عارض الصهيونية المتدينون المتشددون من اليهود، غير أن قسما من هؤلاء وفي ظل الحملات المعادية لليهود في أوروبا تماثلوا مع الصهيونية وشرعوا بتوفير الغطاء الديني لها.

والواقع أن الاتهام الذي يطلقه بعض الغربيين على العرب باللاسامية لا يستند إلى أساس، فالظاهرة غربية بامتياز ولم تظهر البتة في المنطقة العربية.

بل إن العداء لليهود لم يظهر لدى العرب من المسلمين والمسيحيين إلا بتأثير من المبشرين الغربيين، ويؤكد المؤرخ برنار لويس على أن فرية الدم ومذبحة دمشق بحق اليهود تمت بتأثير من المبشرين الغربيين.

ولا ريب أن ظهور الحركة الصهيونية في أوساط اليهود في أوروبا وبدء الهجرة اليهودية السياسية إلى فلسطين خلق الشرخ الذي ازداد توسعا بين العرب واليهود وقاد إلى الخلط الحالي.

فقد وجدت الصهيونية ترجمة لها في الهجرة إلى فلسطين مع تنامي النفوذ الأوروبي أواخر عهد الدولة العثمانية، ثم مع سيطرة بريطانيا وفرنسا على الدول العربية إثر الحرب العالمية الأولى.

وجاء وعد بلفور ليصب الزيت على نار هذا العداء خاصة أنه ترافق مع مؤامرة تقسيم المنطقة وفق اتفاق سايكس بيكو. ومن الواضح أن الصهيونية حتى ذلك الحين لم تكن تعني اليهود العرب بشيء بل لم تكن تخاطبهم.

وفقط قبل بداية الحرب العالمية الثانية وبفعل ضعف الهجرة اليهودية من أوروبا إلى فلسطين حاول بعض الساسة الصهاينة الاقتراب من يهود الشرق العربي، ولكن هذا الاقتراب ظل فوقيا ولم تكن النظرة إليهم تختلف كثيرا عن النظرة إلى العرب، وهذا ما أشار إليه عدد من المؤرخين اليهود في كتاباتهم.

ومن الجائز أيضا أنه بسبب النوازع الإيمانية في الشرق لم يجد الصهاينة في اليهود العرب سندا لفكرة الدولة، فقد كان هؤلاء اليهود العرب ينظرون إلى الصهاينة بوصفهم أجانب وبالتالي كانوا في موقفهم أقرب إلى إخوانهم العرب من هؤلاء القادمين من البعيد.

وليس صدفة أن كل الجهد الذي بذله الصهاينة لاجتذاب يهود عرب إلى فلسطين قبل قيام الدولة اليهودية عام 1948 لم يحقق هدفه. ولم تكن نسبة اليهود العرب القادمين إلى فلسطين أكبر من نسبة عرب آخرين قادمين إلى منطقة انتعاش اقتصادي.

ولكن في هذه الأثناء كانت الأحداث في فلسطين تؤثر سلبا على العلاقات بين اليهود والعرب الآخرين. ولذلك ما أن أقيمت الدولة اليهودية حتى توافقت عدة عوامل على تعميق الهوة.

فالأنظمة العربية الفاسدة التي خاضت الحرب في فلسطين وخسرتها وجهت غضب الجمهور العربي ضد اليهود, كما أنها اتفقت مع قوى رسمية في العراق والمغرب واليمن على تهجير اليهود إلى فلسطين.

وأسهمت الصهيونية في ذلك ليس فقط بدفع الرشى لحكام أو بالحض على الهجرة إلى فلسطين وإنما كذلك بتعزيز العداء الداخلي. ومن المعروف أن نشطاء الحركة الصهيونية في العراق قاموا بزرع القنابل في الكنائس والمؤسسات اليهودية هناك من أجل تكريس الانطباع بالخطر الوجودي عليهم.

إسرائيل واليهود العرب

"
لقد أكد الكثير من المفكرين والكتاب والأدباء اليهود العرب على عروبتهم ولكن أجواء العداء لإسرائيل التي تبطش يوميا بالفلسطينيين والعرب لا تدع أحدا يلتفت إلى ذلك.

"

ومن المؤكد أن سماح العرب بالخلط بين اليهودية والصهيونية قادهم إلى خسارة عدد من النقاط الإيجابية التي كانت تميزهم عن غيرهم. فالمنطقة العربية كانت على الدوام المنطقة الأكثر تنوعا وتسامحا. وبغياب اليهود عن هذا البناء المجتمعي افتقد العرب جزءا من نسغ حياتهم.

وعدا ذلك كان لغياب اليهود أن دفع بعض العرب إلى محاولة اجتثاث التاريخ اليهودي من التاريخ العربي. ولكن الأهم -على الأقل من وجهة نظر الواقع- أن خروج أو إخراج اليهود من الدول العربية وضع تحت تصرف عدوها تقريبا نصف قوته.

كانت إسرائيل ولا تزال مشروعا غربيا في المنطقة العربية. ورغم هجرة الكثير من اليهود العرب إلى إسرائيل فإن هؤلاء اصطدموا بحقيقة أن هذه الدولة ليست التعبير عن هويتهم وثقافتهم.

صحيح أن الكثيرين من اليهود العرب اندمجوا مع المشروع الصهيوني الغربي إلا أن الأغلبية ظلت ترى الأمور بشكل مختلف.

وهكذا نرى أن ظاهرة مثل ظاهرة حركة شاس الدينية الشرقية نشأت من أجل البرهان على أن مساعي اليهودية الغربية لطمس التراث الشرقي واضطهاد أبنائه لن تجدي نفعا.

وعلى الهامش نشأت حركة "كيدما" الثقافية الشرقية العلمانية التي ترى أن اليهود أبناء ثقافة شرقية مجيدة يجب ألا تهان بأيدي الثقافة الغربية التي تحتقر العرب. ورغم أن اليهود الشرقيين يشكلون الآن أرضية خصبة للمواقف السياسية المتطرفة ضد العرب فإن لذلك أسبابا أخرى.

تكتب إيلاه شوحاط في كتابها "ذكريات ممنوعة" أن الصهيونية حاولت أن تؤكد أن لليهود ذاكرة واحدة هي "الذاكرة الأوروبية، وعندما نعلن عن عربيتنا اليهودية نجابه بحاجب يرتفع وبإصبع موبخة."

وتتابع "لقد أكره والداي على مغادرة بغداد, وكان عليهما أن يكونا عربا أو يهودا, وأن يمسحا الوصمة العراقية, في محاكاة "اليهودي الجديد" كتدريب على التدمير الذاتي للهوية. قال والداي: في العراق كنا يهودا, وفي إسرائيل نحن عرب، ومنذ دخول التلفزيون إلى بيتنا عام 1969 وهما يتابعان بإخلاص برامج وأفلام تلفزيونية من محطات الأردن ومصر ولبنان".

أما عالم الاجتماع الإسرائيلي يهودا شنهاف فيكتب في كتابه "اليهود العرب- قومية, دين وإثنية" أن إلغاء الصهاينة لعروبة اليهود العرب جرى تبريره باسم التقدم والعصرنة. ولكن الذي "هدد القومية الصهيونية" لم يكن "تخلف" اليهود العرب وإنما عروبتهم الملموسة.

وفي نظر شنهاف فإن الماضي العربي ليهود الشرق هدد بأن يمس وحدة صف الأمة الإسرائيلية المتجانسة ظاهريا وأن يشوش الخط الفاصل الضروري بين اليهود والعرب.

لقد أكد الكثير من المفكرين والكتاب والأدباء اليهود العرب على عروبتهم ولكن أجواء العداء لإسرائيل التي تبطش يوميا بالفلسطينيين والعرب لا تدع أحدا يلتفت إلى ذلك.

 ومن الجائز أن شيئا لن يتغير إذا لم نعد إلى قراءة الأمر بعين أخرى. فتغييب اليهود العرب يقود -شئنا أم أبينا- إلى تغييب عرب آخرين. 




_______________
محرر الشؤون الإسرائيلية في صحيفة "السفير" اللبنانية