محمد عبد العاطي

أسس فكرة الدولتين  
صورة الدولة جغرافيا وسياسيا ووظيفيا 
تداعيات هذا التصور على بناء الدولة

الاهتداء إلى خيار الدولتين ليس جديدا على فكر منظمة التحرير الفلسطينية في مسيرة سعيها لحل القضية الفلسطينية ووضع أسس للتعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فقد طرحت هذه الفكرة قبل أربعة عقود، وظلت منذ ذلك الوقت حتى الآن تراوح مكانها حسب مجريات الأحداث فلسطينيا وعربيا ودوليا.

فكيف تهيأت البيئة الفكرية والسياسية لهذا الخيار؟ وما تصور المنظمة لطبيعة هذه الدولة جغرافيا وسياسيا ووظيفيا؟ وما تداعيات هذا التصور على شكل وطبيعة الدولة المنشودة؟

أسس فكرة دولتين إسرائيلية وفلسطينية

تضافرت عناصر ثلاثة فيما بينها استندت إليها منظمة التحرير الفلسطينية في مناداتها بدولتين إسرائيلية وفلسطينية، العنصر الأول قانوني يتمثل في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947 المعروف بقرار التقسيم، والثاني عسكري يتعلق بالآثار الناجمة عن تداعيات الهزيمة العربية في يونيو/ حزيران 1967 والثالث سياسي خاص برفض إسرائيل لفكرة "دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية".

"
اعتبرت منظمة التحرير الفلسطينية أن دعاوى إسرائيل بقانونية دولتها انطلاقا من قرار 181 القاضي بإقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية تحمل في طياتها اعترافا إسرائيليا ضمنيا بأحقية وجود الدولة الفلسطينية

"

أساس الشرعية القانونية
مثل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 الأساس القانوني لخيار الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية منذ الستينيات من القرن الماضي حتى الآن.

فالقرار المذكور كما نص على إقامة دولة إسرائيلية نص كذلك على إقامة دولة فلسطينية، وأكد أن القدس "ونظرا لحساسيتها ينبغي أن تبقى تحت مجلس وصاية تمهيدا لدمج الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية في المستقبل بعد أن تكون الأجواء اللازمة لذلك قد تهيأت".

وقد ظلت منظمة التحرير الفلسطينية تتمسك بهذا القرار نظرا لقوته التي تنبع من أن مناط تنفيذه موكول إلى سلطة البابين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة وذلك عبر مجلس الأمن الدولي، أي إمكانية استخدام القوة لإجبار كل طرف على تنفيذ ما جاء فيه.

ونشطت المنظمة في دعواها المطالبة بدولة فلسطينية انطلاقا من هذا السند القانوني، معتبرة أنه "طالما أن المجتمع الدولي هو الذي أعطي لإسرائيل شهادة ميلادها، وطالما أنها متمسكة بهذه الشهادة، وطالما تعتبرها مبررا قانونيا لوجودها، فمن المنطقي أن تلتزم كذلك ببقية البنود التي جاءت في هذه الشهادة القانونية والخاصة بإنشاء دولة فلسطين وببقاء القدس تحت الوصاية الدولية".

ولم تكن مطالبة المنظمة بدولة فلسطينية استنادا إلى هذا القرار الأممي تعني في عرفها التخلي عن فلسطين التاريخية والإقلاع عن دعاوى تحرير كامل التراب الوطني، وإنما حاولت التأكيد مرارا خاصة طيلة السنوات الست الفاصلة بين حربي 1967 و1973 أن الدولة الفلسطينية المنشودة لا تعني التكيف مع "دولة المستوطنين المعتدين" وإنما هي أمر تمليه "طبيعة النضال في هذه المرحلة من تاريخ القضية الفلسطينية" حيث إن كل ترتيب مع هؤلاء المستوطنين "غير مقبول ومؤقت" لحين تغيير موازين القوى وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية اللاطائفية الواحدة على كامل الأراضي الفلسطينية، وذلك حسب فهمها وتفسيرها للجملة الواردة في نص قرار 181 التي مفادها أن مسألة التقسيم هي أمر مؤقت لحين تهيئة الأجواء اللازمة لدمج الدولتين في دولة واحدة تتعايش فيها القوميتان العربية والإسرائيلية جنبا إلى جنب في سلام على أساس من مفهوم المواطنة.  

تداعيات الخلل في ميزان القوة
ولم يكن قرار 181 فقط هو الذي مهد البيئة ووضع الأساس لفكرة الدولتين داخل أروقة منظمة التحرير الفلسطينية، وإنما ساعدت أوضاع المنطقة العربية عامة بعد هزيمة يونيو/ حزيران 1967 على التمهيد للقبول بهذه الفكرة.

"
أقنعت هزيمة 1967 العرب عموما ومنظمة التحرير خصوصا بأن ميزان القوى ليس في صالح العرب وبأن القبول بدولة فلسطينية على جزء من التراب الوطني أفضل من لا شيء
"

فقد اقتنعت المنظمة -شأنها في ذلك شأن معظم الدول العربية- بأن تحقيق تغيرات جوهرية في ميزان القوة بين العرب وإسرائيل أمر بعيد المنال على الأقل في المستقبل المنظور لا سيما في ظل الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل، ومن ثم فإن تحقيق نصر عسكري يحرر فلسطين التاريخية ويقيم الدولة الفلسطينية الموحدة عليها أمر يدخل في باب الأمنيات الثورية أكثر منه في باب الممكنات العملية.

ومن هنا اعتبرت المنظمة الدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية على جزء من التراب الوطني الفلسطيني فكرة واقعية عملية تتناسب مع "طبيعة وسمات المرحلة النضالية التي تمر بها القضية الفلسطينية".

وقد حاول رموز المنظمة في ذلك الوقت وعلى رأسهم صلاح خلف (أبو إياد) ترويج هذه الفكرة مستفيدا مما نقله عن جمال عبد الناصر بوصفه أحد دعاة القومية العربية بأن "دويلة فلسطينية على جزء من التراب الفلسطيني أفضل من لا شيء في المرحلة الحالية"". 

الرفض الإسرائيلي لفكرة دولة فلسطين الديمقراطية
يسير جنبا إلى جنب مع الأساس القانوني والأجواء النفسية والفكرية التي نجمت عن هزيمة 1967 تلك المعارضة الإسرائيلية الشديدة التي قوبلت بها فكرة "الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية" التي طرحتها في وقت مبكر من وجود منظمة التحرير الفلسطينية وأيدتها في ذلك معظم الفصائل الأخرى لا سيما الجبهة الشعبية والحركة الشعبية التي كانت تدعو إلى حل قائم على أساس من تكوين "دولة ديمقراطية علمانية يعيش فيها كل المواطنين تحت مظلة مفهوم المواطنة الذي يساوي بين الجميع -أغلبية وأقلية- في الحقوق والواجبات". 

فقد قابلت أغلبية شرائح المجتمع الإسرائيلي هذه الفكرة بالرفض، وبررت ذلك في جزء منه بافتقاد الثقة اللازمة لنجاح فكرة الدولة الواحدة بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، واقتناعهم بصعوبة تناسي مرارات التاريخ الطويل الذي كتبت صفحاته بدماء كثيرة سالت من كلا الطرفين، ومن ثم فإن فكرة الدولتين المنفصلتين باتت الأقرب إلى المزاج النفسي لكل من الفلسطينيين واليهود. 

ورغم اجتماع العناصر الثلاثة السابقة ونجاحها -كما تتصور منظمة التحرير الفلسطينية- في تهيئة البيئة اللازمة للمناداة بفكرة الدولتين، يكتنف خروج هذه الفكرة من عالم الرؤى والتصورات إلى الواقع



السياسي الملموس الكثير من الصعاب والعراقيل، وكلها تكمن في التفاصيل. 

صورة الدولة جغرافيا وسياسيا ووظيفيا

"
حديث الفلسطينيين عن دولة قابلة للحياة يتركز تحديدا في ثلاثة عناصر أساسية هي التواصل الجغرافي، السيطرة على الموارد، السيادة على الحدود، وفقدان أي سمة من هذه السمات يعني أنها ستكون مهددة بالفناء

"

"دولة فلسطينية قابلة للحياة"، هذا هو الشرط الذي أخر بروز هذه الدولة إلى النور حتى الآن، وهنا أيضا مجال الاصطدام بالمكونات الكبرى لهذه الدولة التي لا تزال تراوح مكانها دون أن يتم الاتفاق على أي منها.

قابلة للحياة
فالمنظمة وكما جاء مؤخرا على لسان رئيسها محمود عباس أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن (مايو/ أيار 2005) ربطت شكل هذه الدولة بمنظور الرئيس الأميركي جورج بوش وبمبادرة السلام العربية التي طرحت في قمة بيروت فقال "نحن نود إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، وهذا يعني الانتقال إلى البت في قضايا الوضع النهائي حول القدس والمستوطنات والحدود واللاجئين والمياه بأسرع وقت ممكن على أساس رؤية الرئيس بوش ومبادرة السلام العربية".

وحينما تنتقل المنظمة إلى عرض تفاصيل رؤيتها لهذه الدولة جغرافيا وسياسيا ووظيفيا، تصطدم بتصورات مغايرة وأحيانا متعاكسة لدى الطرف الإسرائيلي.


 

فالمنظمة ترى أن الأصل في الدولة الفلسطينية المنشودة من الناحية الجغرافية هو "إقامتها على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967" وهي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية أي ما نسبته 22% تقريبا من فلسطين التاريخية، وبتحديد أكثر دقة تقول إن حديث الفلسطينيين عن دولة قابلة للحياة يتركز تحديدا في ثلاثة عناصر أساسية هي:

  • التواصل الجغرافي
  • السيطرة على الموارد
  • السيادة على الحدود

وتحذر من أن فقدان أي سمة من هذه السمات يعني أنها ستكون مهددة بالفناء.

التواصل الجغرافي
ترى المنظمة أنه ينبغي للدولة الفلسطينية المنشودة ألا تكون جزرا منعزلة أو "كانتونات" محاصرة بطرق التفافية وبالمستوطنات اليهودية، لا سيما بين جناحي هذه الدولة (الضفة الغربية وقطاع غزة).

السيطرة على الموارد
وينتج عن ضرورة التمسك بالشرط السابق ما تقول به بشأن قابلية الدولة للحياة من الناحية الاقتصادية، فالوظيفة الاقتصادية لهذه الدولة كما تتصورها المنظمة التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي للمجتمع الفلسطيني ينبع من حرية التجارة مع البلدان المجاورة على أساس من التكافؤ وألا يبقى اقتصادها "فقيرا ومرتهنا للآخرين".

حتى فيما يتعلق بموضوع العاصمة، فرغم أنه مسألة سياسية لا يخلو من تداخل مع مفهوم قابلية الدولة للحياة اقتصاديا، حيث ترى المنظمة أن السيادة على القدس الشرقية يعني موردا اقتصاديا هاما وذلك بدعم قطاع السياحة الدينية مستقبلا الأمر الذي يعطي استمرارية لهذه الدولة. 

السيطرة على الحدود
سيطرة الدولة الفلسطينية كما تتصورها المنظمة على الحدود البحرية والبرية والجوية يرتبط بما تنادي به التواصل الجغرافي ومن قابلية اقتصادية للحياة، حيث ترى المنظمة أن ذلك الأمر يحقق لها تبادلا حرا



للمنتجات والأيدي العاملة وتكاملا مع الدول العربية وتواصلا مع العالم الخارجي. 

تداعيات هذا التصور على بناء الدولة

"
أي تصور نظري تقدمه منظمة التحرير الفلسطينية لشكل وطبيعة الدولة المنشودة لن يكون فاعلا بمفرده ما لم تعززه موازين القوى وموافقات الأطراف الإسرائيلية والإقليمية والدولية ذات الصلة
"
 مستقبل الدولة الفلسطينية المنشودة لا تحدده فقط تصورات منظمة التحرير الفلسطينية التي رسم العرض السابق بعض ملامحها العامة. فلا توجد ضمانة يقينية تستند إليها المنظمة تتيح لها القول بأن ما تصورته من شكل هذه الدولة هو ما سيكون، فهي ليست الفاعل الوحيد في القضية، حيث إن هناك أطرافا أخرى تؤثر بقوة في طبيعة هذه الدولة المراد إقامتها على الأرض، على رأسها الطرف الإسرائيلي ثم بقية الأطراف الإقليمية والدولية خاصة الولايات المتحدة الأميركية.

ويعزز هذا الرأي ما كان من تأثير لهذه الأطراف على كل تلك التغييرات التي طرأت على حجم وطبيعة الدولة الفلسطينية المعروضة في ساحة العمل السياسي منذ الانتداب البريطاني وتحديدا منذ العام 1937 حتى الآن، وكيف أنها تقلصت من 82% عام 1937 وفقا لعرض لجنة بيل البريطانية الذي رفضه العرب واليهود، إلى 48% عام 1947 حسب قرار التقسيم الصادر من الأمم المتحدة، إلى 22% على الضفة وغزة كما جاء في كامب ديفد الأولى عام 1978 إلى 21% حسب ما تقول إسرائيل إنها عرضته في كامب ديفد الثانية عام 2000.

فمن هنا يمكن القول بأن الدولة الفلسطينية المستقبلية هي تلك الدولة التي



ترسمها موازين القوى قبل أن تحدد شكلها ووظيفتها التصورات أو المفاوضات.
_______________
الجزيرة نت

المصادر:
1- نص قرار الأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947.
2- نص إعلان الاستقلال، المجلس الوطني الفلسطيني، الدورة 19، الجزائر 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 1988.

3- محمد صبيح، مندوب فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية، ندوة دولة فلسطينية مع الأخرى أم دولة واحدة للجميع، الأهرام 16 يناير/ كانون الثاني 2004.
4- أبو إياد، فلسطيني بلا هوية، نقلا عن الدولة الفلسطينية في المواثيق الفلسطينية، الميثاق الوطني ومقررات المجالس الوطنية الفلسطينية، إبراهيم أبراش، أستاذ علم السياسة بكلية الحقوق، الرباط، مجلة رؤية الصادرة عن السلطة الوطنية الفلسطينية.
5- تصريحات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير محمود عباس (أبو مازن) أثناء زيارته لواشنطن في مايو/ أيار 2005، وكلمته أمام مؤتمر قمة شرم الشيخ في 8 فبراير/ شباط 2005.