عاطف سعداوي قاسم*

أولاً: أشكال العنف فى إندونيسيا
      1- العنف السياسي
      2- العنف الديني
      3- العنف العرقي

ثانيا: الدولة والعنف.. منذ الاستقلال وحتى سقوط سوهارتو
      1- عهد سوكارنو
      2- عهد سوهارتو وأيديولوجية البانجاسيلا

ثالثا: حكومة واحد وتفاقم الأزمة

رابعا: مستقبل الصراع في إندونيسيا

عاطف سعداوي
لاتزال الجزر الإندونيسية منذ سقوط نظام الرئيس سوهارتو في مايو/ أيار 1998 مسرحا لدرجات متفاوتة من أعمال العنف والشغب اليومية، فالخطوات الديمقراطية التي بدأت تشهدها إندونيسيا بعد فترة طويلة من الحكم الاستبدادي بلغت 32 عاما، أحدثت آثاراً جانبية تمثلت في عودة أعمال العنف الديني والعرقي وعودة المطالب الانفصالية، إذ لا يمضي أسبوع دون أن تنفجر أزمة في جزيرة أو أخرى من آلاف الجزر التي يحتضنها هذا الأرخبيل الضخم الذي يضم أكثر من 300 عرقية مختلفة تتحدث 365 لغة، الأمر الذي جعل البعض يطلق على إندونيسيا اسم "البلاد العالم".

أولاً: أشكال العنف فى إندونيسيا

تزخر إندونيسيا بالعديد من أشكال العنف فهناك عنف الجماعات الانفصالية، والعنف ذو البعد الديني والعنف العرقي بين العرقيات المختلفة، بالإضافة إلى العنف المتبادل بين المتظاهرين وقوات الأمن أثناء المظاهرات العديدة التي تشهدها العاصمة جاكرتا احتجاجا على العديد من الأوضاع التي لا ترضي قطاعات واسعة من الشعب الإندونيسي وفي مقدمتها قطاع الطلبة.

1- العنف السياسي



عنف الجماعات الانفصالية هو أقدم أنواع العنف في إندونيسيا إذ تعود جذوره الأولى إلى الخمسينيات ولاتزال أحداثه تتوالى إلى اليوم مثل ما يحدث في إقليم آتشه وأريان جايا

ويظهر في الأقاليم التي فيها جماعات انفصالية كما هو الحال في إقليمي آتشه وإيريان جايا وغيرهما، وهذا العنف هو أقدم أشكال العنف التي عرفتها إندونيسيا حيث تعود جذوره إلى الخمسينات والستينات لكنه لايزال مستمراً حتى اللحظة الراهنة.

ففي إقليم آتشه قام العديد من الحركات الانفصالية المسلحة التي تطالب بالاستقلال وتكوين دولة إسلامية في هذا الإقليم الذي يقع في شمال جزيرة سومطره ويبلغ عدد سكانه أربعة ملايين نسمة معظمهم مسلمون، وأهم هذه الحركات الانفصالية حركة آتشه الحرة التي تأسست في ديسمبر/ كانون الأول 1976.

ومن أهم الأسباب التي تقف وراء المطالب الانفصالية في هذا الإقليم هو سوء توزيع عوائد الثروات، فعلى الرغم من أن هذا الإقليم غني بالموارد والثروات الطبيعة والمعدنية إذ يستخرج منه ثلث إنتاج إندونيسيا من الغاز، كما يساهم بـ 15% من حجم الصادرات الإندونيسية، ويبلغ متوسط الاستثمار الأجنبي فيه ستة مليارات فرنك فرنسي سنويا.

غير أن الإقليم كان محروما تماما من عائدات ثرواته، حيث كانت جاكرتا تحصل على 85% من إنتاج بترول الإقليم و70% من إنتاج الغاز، ومن هنا اندلعت مظاهرات مستمرة في هذا الإقليم للمطالبة بالاستقلال، وقد تعاملت جاكرتا أثناء حكم سوهارتو بشراسة شديدة مع هذه المطالب، حيث تم وضع الإقليم تحت حكم عسكري مباشر في الفترة من ديسمبر/ كانون الأول 1988 حتى أغسطس/ آب 1998، وقاد الجيش عمليات خاصة في الإقليم بهدف سحق حركة آتشه الحرة، وخلال تلك الفترة قتل ما يقرب من ثلاثة آلاف مدني واضطرت جاكرتا لرفع الحكم العسكري عام 1998 بعد اكتشاف العديد من المقابر الجماعية في الإقليم، الأمر الذي اضطر قائد الجيش آنذاك الجنرال ويرانتو إلى تقديم اعتذارات علنية عما اقترفته قواته في الإقليم.

وبعد رفع الحكم العسكري اشتعل الغضب الشعبي ضد جاكرتا واندلعت مظاهرات تطالب بإجراء استفتاء عام في الإقليم. وصاحب ذلك عنف متبادل بين قوات الأمن وبين المتظاهرين أسفر عن مقتل مئات الضحايا. وبعد سقوط سوهارتو تزايدت المطالب بالانفصال في هذا الإقليم مما جعل المواجهات تزداد بين الانفصاليين وقوات الأمن ويزداد معها عدد القتلى ليصل لأكثر من خمسة آلاف خلال السنوات العشر الماضية.

ومن الأقاليم الأخرى المطالبة بالاستقلال إقليم إيريان جايا ذو الغالبية البروتستانتية والذي يقع في أقصى شرقي إندونيسيا ويبعد 3700 كم عن العاصمة جاكرتا. وقد أعلن شيوخ القبائل في هذا الإقليم الاستقلال عن جاكرتا عام 1961، ولكن إندونيسيا أعلنت ضم الإقليم عام 1969، ومنذ ذلك الوقت يحتفل سكان الإقليم سنويا بهذه المناسبة بمظاهرات ضخمة تطالب بالاستقلال، وتحدث بسبب ذلك مواجهات واشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين يسقط على إثرها العديد من الضحايا. ولهذا الإقليم علم خاص به يسمى "نجمة الصباح" يرمز إلى استقلالهم، وتكونت العديد من الحركات الانفصالية المسلحة التي تطالب باستقلال الإقليم أهمها "حركة بابوا" التي يتزعمها ثيس هيويولاي الذي اعتقلته الشرطة الإندونيسية في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2000 بتهمة التحريض على التمرد بعدما أمر أنصاره برفع علم الانفصاليين في أنحاء الإقليم.

ويتهم سكان إيريان جايا جاكرتا بانتهاك حقوق الإنسان في الإقليم على مدى سنوات عدة، ويشكون أيضاً أن إقليمهم لم يحصل إلا على النزر القليل من الثروات الطبيعية الهائلة التي يحتويها، إذ يعد من أغنى مناطق إندونيسيا بالثروات الطبيعة.

2- العنف الديني



يتركز العنف الديني في المناطق التي يتقاسم فيها المسلمون والمسيحيون الحياة، ويعتبر شمال سومطرة، وسولاويسي الجنوبية، من أكثر المناطق المشتعلة بالعنف الديني

 

ويحدث في العديد من الأماكن التي يقطنها سكان مسلمون ومسيحيون مثل منطقة شمال سومطره، ومدينة "ميدان" بجزيرة سومطره وفي جزيرة سولاويسي الجنوبية، وفي العاصمة جاكرتا، وهي جميعها أماكن شهدت أحداث فتنة طائفية وأعمال عنف ديني بين المسلمين والمسيحيين. ولكن أخطر هذه الأعمال هو ما حدث في جزر مالوكو ولاسيما في عاصمتها "أمبون" حيث أشعلت أحداث أمبون نار الفتنة الطائفية في جميع أنحاء إندونيسيا، كما وصل ضحايا العنف فيها إلى أعداد غير مسبوقة.

وقد بدأت أحداث "أمبون" التي تبعد 2300 كم إلى الشرق من جاكرتا في يناير/ كانون الثاني 1998 بسبب حادث عادي جداً يتكرر يوميا، ملخصه وقوع مشادة بين شاب مسلم وسائق مسيحي بسبب خلاف على أجرة سيارة، وسرعان ما انقلب هذا الحادث إلى عامل مثير لمشاعر الطرفين المسلم والمسيحي، بدأ بأعمال عنف بين قريتين إحداهما مسلمة والأخرى مسيحية، ثم امتدت أعمال الشغب إلى بقية الإقليم، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن لم تهدأ، مخلفة وراءها آلاف الضحايا الذين قدر عددهم حتى شهر يوليو/ تموز 2000 بأربعة آلاف قتيل ونصف مليون نازح وتدمير آلاف المنازل ودور العبادة.

من ناحية أخرى تمثلت خطورة هذه الأحداث في إثارتها للاستقطاب الديني في إندونيسيا، إذ بمجرد اندلاع هذه الأحداث قامت مظاهرات ضخمة في العاصمة جاكرتا للدعوة إلى الجهاد ضد المسيحيين في أمبون وإعلان الاستعداد لإرسال متطوعين  إليها، وهذا ما حدث بالفعل في مطلع يونيو/ حزيران الماضي إثر وصول آلاف من المسلمين إلى الجزيرة قادمين من جاوا "لخوض الجهاد وتلقين المسيحيين درسا" كما قالوا، وهذا ما جعل الحكومة تفرض حصاراً بحريا على الجزر حتى تمنع وصول العناصر الإسلامية إليها، وعندما أصبحت الأوضاع في الجزر خارج نطاق سيطرة قوات الشرطة والسلطات المحلية تولى الجيش في 2/4/2000 مسؤولية إعادة الأمن والنظام، وهذا ما زاد الأمر تعقيداً حيث تدخلت قوات الأمن بعنف شديد لوقف الاضطرابات مما زاد من أعداد القتلى، وهذا ما جعل الحكومة تعلن حالة الطوارئ في يونيو/ حزيران الماضي في محاولة منها لإنهاء المواجهات بين المسلمين والمسيحيين.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الجزر كانت قد شهدت حركة انفصالية في بداية الخمسينات من قبل المسيحيين الذين كانوا يشكلون الأغلبية وصفوة المجتمع، إذ أعلنوا الاستقلال وتكوين جمهورية جنوب مالوكو ودمروا وقتها العديد من قرى المسلمين، إلا أن الرئيس السابق سوهارتو قضى على هذه الحركة بالقوة، وأتبعها بتهجير عدد كبير من المسلمين إلى الجزيرة مما حول المسلمين إلى أغلبية. وبعد ذلك أصبحت مالوكو مثالا للتعايش بين المسلمين والمسيحيين، ولكن بعد سقوط القبضة الحديدية لسوهارتو تذكر الجميع أحقاد الماضي واشتعلت نيران الفتنة الطائفية من جديد، ولعل مما ساعد على ذلك هو التقارب الشديد في أعداد المسلمين والمسيحيين في الجزيرة حيث تبلغ نسبة المسلمين 56% من سكان هذه الجزر البالغ عددهم 2.5 مليون نسمة، في حين تبلغ نسبة البروتستانت 37% والكاثوليك 5.8%، ولا توجد مثل هذه النسب المتقاربة في أي مكان آخر في إندونيسيا.

3- العنف العرقي



أدى برنامج إعادة التوطين الذي قامت به سلطات الاحتلال الهولندي ثم الحكومة الإندونيسية إلى خلل ديمغرافي تسبب في النهاية باندلاع عنف عرقي كما هو مشاهد في جزيرة بورنيو في إقليم كالمنتان

وهو ناتج عن الاشتباكات المستمرة بين أصحاب العرقيات المختلفة التي تزخر بها إندونيسيا، وأبرز اعمال العنف العرقي هو ما يحدث حاليا فى جزيرة "برونيو" التي تبعد 700 كم شمال شرق جاكرتا.

وترجع أعمال العنف في إقليم كالمنتان بجزيرة بورنيو إلى 16 مارس/ آذار 1999 عندما اندلعت أعمال القتال بين جماعات محلية تابعة لأقليات الماليو والداياك -وهم السكان الأصليون للجزيرة- وأقلية المادور المهاجرين من جزيرة صغيرة تسمى "مادورا" تقع قبالة الساحل الشمالي لجزيرة جاوا خلال الأربعين عاما السابقة طبقا لبرنامج الحكومة الخاص  بالهجرة الداخلية من الأماكن الأعلى كثافة إلى المناطق الأقل كثافة. وقد بدأ القتال في مدينة "سامبيت" غرب كالمنتان بسبب الخلاف على أجرة شاحنة بين أحد السكان الأصليين وأحد المهاجرين، وتطور الأمر إلى أحداث عنف شديدة شهدت العديد من المجازر راح ضحيتها ثلاثة آلاف شخص بالإضافة إلى تشريد عشرات الآلاف الذين فروا من المنطقة خوفا على حياتهم.

ومنذ ذلك الحين تندلع أعمال العنف بين الأغلبية من قبائل الداياك والأقلية المادورية بشكل دوري كان آخرها في 18 فبراير/ شباط من هذا العام، وامتدت أعمال العنف هذه المرة من مدينة "سامبيت" لتشمل مناطق أخرى مثل كوالا وكوايان وسيمباغا وبارينغان وكاسونغان. وظلت سامبيت أكثر هذه المناطق تأثرا بأعمال العنف العرقية، حيث شهدت العديد من المجازر الوحشية ضد قبائل المادورا من قبل الداياك الذين تعقبوهم وأحرقوا منازلهم بعد نهبها، وخلال أقل من شهر منذ بداية هذه الأعمال وصل عدد القتلى إلى 500 قتيل حسب المصادر الرسمية، فى حين أكد قادة قبائل الداياك أن عدد القتلى وصل إلى ثلاثة آلاف، حيث يؤكدون أن هناك مئات الجثث التي لم يتم إحصاؤها في الغابات والأنهار، هذا بالإضافة إلى 50 ألف لاجئ فروا من الجزيرة، ولاتزال أعمال القتال مستمرة في الجزيرة حيث أعلنت قبائل الداياك أنهم سيواصلون المذابح لحين خروج آخر مادوري من "سامبيت".

العامل الاقتصادي والنزاع العرقي



يعتبر العامل الافتصادي والمتمثل في سوء توزيع ثروات الأقاليم أحد الأسباب الرئيسية في استمرار العنف العرقي

ولعل ما يقف وراء تأجيج الخلافات العرقية في تلك الجزيرة هو الفوارق الاقتصادية الشاسعة بين الداياك الذين يعيشون في ظروف اقتصادية صعبة وبين المادوريين الذين يتمتعون بوضع اقتصادى ومالي متميز، وهذا ما جعل السكان الأصليين يتحرشون بالمستوطنين المادوريين بهدف طردهم من الجزيرة بالكامل للاستيلاء على فرص العمل المتاحة.

وتقف العوامل الاقتصادية أيضاً وراء تفجر النزاعات العرقية في أماكن أخرى من إندونيسيا، مثال ذلك ما حدث في مارس/ آذار 1999 في مدينة "رياو" عاصمة إقليم "باكنباور"، حيث انفجرت اضطرابات حادة في قرية دالوردالو قتل فيها شخص ودمر 25 منزلا وفر مئات الأشخاص إلى قرى أخرى وذلك بسبب الخلاف بين سكان القرية الأصليين والمهاجرين إليها عندما طلب السكان الأصليون من المهاجرين ترك الأراضي الزراعية مهجورة حتى يتسنى لسكان القرية زراعتها.

أيضا تقف العوامل الاقتصادية وراء الاعتداءات التي تتعرض لها الأقلية الصينية في إندونيسيا من وقت لآخر، فعلى الرغم من أن الإندونيسيين من أصل صيني يمثلون 4% فقط من مجموع السكان، فإنهم يسيطرون على 70% من اقتصاد البلاد، ومن هنا يحملهم الإندونيسيون مسؤولية أي تدهور اقتصادي تمر به البلاد، وتكثر الاعتداءات عليهم وعلى أملاكهم في أوقات الأزمات الاقتصادية. ومن ذلك الاضطرابات التي وقعت عام 1994 ضد مجموعة من رجال الأعمال الصينيين الذين تربطهم علاقة وثيقة بالرئيس سوهارتو، وحوادث الاعتداء على ممتلكات هذه الأقلية بين شهري يناير/ كانون الثاني ومايو/ أيار 1998 والأحداث التي شهدتها منطقة  "ألكوتا" الصناعية ذات الأغلبية الصينية، حين اندفع سكان العاصمة إليها ونهبوا ودمروا المنطقة ومبانيها بشراسة.

ثانيا: الدولة والعنف.. منذ الاستقلال وحتى سقوط سوهارتو

منذ الاستقلال تنظر حكومات إندونيسيا المتعاقبة بحساسية شديدة لأي اضطرابات دينية أو عرقية من قبل الأقليات المتعددة فيها، ومن هنا حرصت تلك الحكومات على اتخاذ العديد من الخطوات التي تضمن لها عدم بروز أي حركات انفصالية أو عدم قيام أعمال عنف ديني أو عرقي بين مختلف العرقيات والأديان، ومن هنا حرص دستور 1945 على الاعتراف بكل من الإسلام والكاثوليكية والبروتستانتية والبوذية والهندوسية كديانات لإندونيسيا على قدم المساواة، على الرغم من أن مسلمي إندونيسيا تبلغ نسبتهم 87.5% مقابل 6.5% للبروتستانت و3.1% للكاثوليك و1.9% للهندوس، و1% للبوذيين.

1- عهد سوكارنو



بدأ سكارنو حكمه بتطبيق النظام الفدرالي لتمكين الأقاليم من الإدارة الذاتية، غير أنه سرعان ما تراجع وأرسى فكرة البانجاسيلا كأيديولوجية للدولة والتي تركز على مبدأ وحدة إندونيسيا

تبنت إندونيسيا عقب استقلالها عام 1949 النظام الفدرالي باعتباره يضمن وحدة إندونيسيا من خلال إتاحة الفرصة للأقاليم المختلفة لإدارة شؤونها الداخلية، ولكن الرئيس الراحل سوكارنو سرعان ما تراجع عن تطبيق الحل الفدرالي، وقام بتقليص عدد الولايات التي تتمتع بالحكم الذاتي لتصبح أقاليم تديرها جاكرتا بشكل مباشر.

وعلى الرغم من بروز العديد من التنظيمات الإسلامية في إندونيسيا في مرحلة مبكرة خلال الأربعينات تدعو إلى إرساء دولة إسلامية مثل حركة دار الإسلام في جاوا الغربية، فإن الحكومات الإندونيسية المتعاقبة رفضت أي دعوة لتأسيس دولة على أساس ديني، وذلك استناداً إلى المبادئ التي تبنتها إندونيسيا كأساس لأيديولوجية الدولة. وتستند "البانجاسيلا" إلى خمسة مبادئ أساسية أهمها مبدأ وحدة الأمة الإندونيسية، واستناداً إلى هذا المبدأ رفضت الحكومات الإندونيسية مختلف الضغوط الساعية للتحول إلى دولة إسلامية باعتبار أن ذلك يهدد الوحدة الوطنية القائمة على أساس التنوع.

ومن هنا يمكننا القول إن سوكارنو أدرك منذ فترة مبكرة ما يمكن أن يهدد الدولة الوليدة من مخاطر نتيجة التنوع العرقي والديني وما يمكن أن يترتب على ذلك التنوع من مطالب انفصالية، ومن هنا حاول معالجة هذا الوضع من خلال العديد من الإجراءات أهمها إرساؤه لفلسفة البانجاسيلا أثناء فترة الديمقراطية الموجهة في الخمسينات والتي استطاع من خلالها تكريس الولاء لقيادة الدولة. وقد كان إدراك سوكارنو لخطورة هذا الوضع في إندونيسيا متجليا في العديد من خطبه التي كان يؤكد فيها على ضرورة وجود حكومة مركزية واحدة، وأطلق العديد من الشعارات التي أصبحت أقوالاً مأثورة في إندونيسيا من قبيل "أمة واحدة ولغة واحدة"، "أنا لست من جاوا ولا من سومطره وإنما من إندونيسيا"، وكان بذلك ينادي بانضواء جميع جزر الأقاليم تحت راية الوطن الإندونيسي الكبير.

2- عهد سوهارتو وأيديولوجية البانجاسيلا



استمر
سوهارتو في تبني البانجاسيلا وشهد عهده تبني سياسة "الضرب بيد من حديد" في مواجهة أي شكل من أشكال العنف

وقد استغل سوهارتو -الذي خلف سوكارنو في رئاسة الدولة- فكر البانجاسيلا للدعوة إلى التماثل الأيديولوجي بين مختلف فئات الشعب الإندونيسي ولضمان عدم تسييس مختلف عناصره، ومن هنا أصدر سوهارتو قانون "التنظيم الجماهيري" عام 1985 الذي أصبح لزاما بموجبه على كافة التنظيمات السياسية أن تتقبل مبادئ "البانجاسيلا" كأيديولوجية وحيدة، وبناءً على هذا القانون خول البرلمان الإندونيسي سلطات واسعة للرئيس تتمثل في السيطرة على كافة التنظيمات والجماعات الدينية والأحزاب وذلك من خلال إقالة زعيم أي جماعة أو تنظيم جماهيري أو حل هذه المنظمة كليا وذلك في حال ثبوت تهديدها للسلم الداخلي. وكان قانون التنظيم الجماهيري يستهدف بالأساس التنظيمات الإسلامية وعددا من التنظيمات الأخرى التي طالبت بانفصال بعض الأقاليم الإندونيسية واستقلالها مثل إقليم "تيمور الشرقية" و"آتشه" و"إيريان جايا" وغيرها.

ومن هنا ضمنت فلسفة البانجاسيلا قدراً من التماثل والوحدة بين مختلف العرقيات والديانات الموجودة في المجتمع الإندونيسي بما يضمن تجاوز أي خلافات دينية أو عرقية أو مطالب انفصالية.

ولعل رفض أيديولوجية البانجاسيلا لكل ما يهدد الوحدة الوطنية للبلاد هو ما يفسر مدى تشدد المواجهة الحكومية للتنظيمات الانفصالية أو المتورطة في أعمال عنف ديني أو عرقي لا سيما في عهد سوهارتو.

سوهارتو والاعتماد على معادلة الجيش



امتلأ سجل سوهارتو بحالات انتهاك حقوق الإنسان من خلال استعمال مبدأ القوة وإدخال الجيش طرفا في الصراعات القائمة في البلاد

في الوقت الذي استطاع فيه سوكارنو التغلب على محاولات التمرد فى جاوا وسومطره وآتشه وسولاويسي وكالمنتان من خلال اعتقال قادة وزعماء الحركات الانفصالية فى هذه الأقاليم ثم التفاوض معهم بعد ذلك، فإن سوهارتو فضل استخدام القوة في سحق تلك الحركات لثلاثة عقود متواصلة، فقد كان الجيش هو الأداة الغليظة لسوهارتو لإحكام سيطرته على الأوضاع في البلاد، ومن أجل ذلك قام سوهارتو بمنح الجيش العديد من المزايا  لضمان ولائه ومن بين تلك المزايا اختيار 75 من العسكريين كأعضاء في البرلمان، وإسناد العديد من المناصب المدنية لهم، فضلا عن العديد من المناصب الوزارية ومنصب نائب الرئيس، وإسناد العديد من المشاريع الاقتصادية للجيش لتنفيذها، ومن هنا قام الجيش بما يعرف بـ"الدور المزدوج" بمعنى سيطرته على كل نواحي الحياة السياسية والعسكرية والأمنية.

ونتيجة لعدم وجود تهديد خارجي يذكر فقد ركز الجيش على التصدي للمخاطر الداخلية والتي كان أهمها الحركات الانفصالية، و تميز أسلوب الجيش في مواجهتها بالقمع الشديد، فقد كان العنف الحكومي من خلال الجيش موجوداً في حكم سوهارتو بشكل شبه يومي ضد الحركات الإسلامية أو القومية الراغبة في الانفصال، واتسم سلوك الجيش خلالها بالعنف الشديد وصل أحيانا إلى حد ارتكاب المجازر ضد تلك الحركات، ومن أمثلة ذلك مذبحة "تانجونغ بريوك" التي قتل فيها المئات من الإسلاميين في الغرب من جاكرتا عام 1984، وفي عام 1989 قام الجيش بعملية عسكرية واسعة في قرية صغيرة في منطقة "لامبونغ" في جزيرة سومطره قتل فيها 200 شخص من إحدى الجماعات الإسلامية وهي جماعة الجهاد. وفي مناطق الصراع الأخرى تدخل الجيش بطريقة وحشية لقمع الاضطرابات، مثلما حدث في إقليم آتشه عام 1989 وفي عام 1990 إثر ما قيل عن تلقي حركة آتشه الحرة تمويلا وتدريبات عسكرية من ليبيا.

وقد أدت سياسة سوهارتو المتشددة في مواجهة أعمال العنف واعتماده على أساليب القمع العسكري، إلى تفاقم أعمال العنف في الأقاليم المضطربة بدلا من السيطرة عليها، حيث أصبح الجيش فاعلاً أصيلاً فى الأزمة، وتزايدت بسبب طريقة تعامله مع تلك الأزمات أعداد القتلى والمصابين وانتشرت أعمال العنف على نطاق أوسع، حتى مناطق الصراع التي استطاع إخمادها بهذه الأساليب القمعية سرعان ما تفجرت فيها أعمال العنف فور سقوطه عام 1998 ففي عهد خليفته يوسف حبيبي بدأ نسيج الوحدة الوطنية ينفرط، حيث عادت الاضطرابات مرة أخرى لأقاليم آتشه وإيريان جايا، ثم جاءت الضربة القاصمة حين صوت سكان إقليم تيمور الشرقية بغالبية ساحقه لمصلحة الانفصال عن إندونيسيا، وعد هذا بمثابة دفعة معنوية هائلة للأقاليم الأخرى التي لها نفس المطالب الانفصالية، ومن هنا واجه عبد الرحمن واحد -أول رئيس منتخب للبلاد في أكتوبر/ تشرين الأول 1999- مطالب انفصالية متعددة بالإضافة إلى أعمال عنف ديني وعرقي في العديد من الجزر الأخرى.

ثالثا: حكومة واحد وتفاقم الأزمة

مظاهرات معادية لواحد

تشير وقائع العنف التي مازالت تشهدها الساحة الإندونيسية إلى فشل حكومة عبد الرحمن واحد حتى الآن في وقف آلية العنف، بل على العكس، فأعمال العنف تفاقمت بكافة أشكالها سواء الطائفية المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين كما هو الحال في جزر مولوكا وسولاويسي وشمال سومطره، أو تلك الموجهة ضد التجار الإندونيسيين من أصل صيني أو بين العرقيات المختلفة كما هو الحال في بورنيو من ناحية ثانية، أو تلك الدائرة بين الحكومة والحركات الانفصالية في بعض الأقاليم الإندونيسية مثل آتشه وإيريان جايا، فالملاحظ أن عدوى العنف امتدت لتشمل مناطق كثيرة وحيوية من بينها العاصمة جاكرتا وجزيرة جاوا أكبر جزر الأرخبيل الإندونيسي وأهمها.

الحل الفدرالي وموقف الجيش



فشل واحد في الرجوع إلى الحل الفدرالي بسبب موقف الجيش المتعنت وخوفه مما قد تؤول إليه الأوضاع نتيجة تطبيق النظام الفدرالي

وقد بدأ واحد حكمه وهو يدرك أن أزمة العنف التي تشهدها إندونيسيا هي أخطر مشكلة يمكن أن تواجهه، بل أخطر مشكلة يمكن أن تؤثر على وحدة إندونيسيا، ومن هنا سعى منذ توليه السلطة إلى إيجاد حلول لهذه المشكلة حيث سبقت مقترحاته في هذا الصدد تكوينه لحكومته، وكان أول مقترحاته هو الحل الفدرالي كإطار عصري لوحدة إندونيسيا، على أن يبدأ هذا الاتجاه الفدرالي من إقليم آتشه شمال سومطره، حيث جرى الحديث منذ وصوله إلى الرئاسة إن حكومة محلية سوف تقوم في آتشه كما سيتم انتخاب برلمان للإقليم، ولكن أفكار واحد سرعان ما اصطدمت بالمؤسسة العسكرية التي لاتزال تلعب دوراً سياسيا هاما في إندونيسيا، حيث أعرب وزير الدفاع "جوونو سودراسونو" عن رفضه الشديد لإقامة دولة اتحادية فدرالية في إندونيسيا، وأكد أن تبني هذه الفكرة قد يؤدي إلى تفكك أوصال إندونيسيا، وأن الفدرالية يمكن أن تكون الخطوة الأولى نحو فكر سياسي تصعب السيطرة عليه.

واصطدم واحد بالجيش مرة ثانية عندما اقترح إجراء استفتاء لتقرير المصير في إقليم "آتشه" وذلك في أثناء زيارته للأقاليم يوم 3/11/99 وأعلن واحد عن استعداده لقبول نتائج هذا الاستفتاء أيا كانت.

ولكن الجيش رفض بشدة هذا الاقتراح وطالب بإعلان حالة الطوارئ في الإقليم حتى يمكن السيطرة عليه، وقال المتحدث باسم الجيش الجنرال سودراجات إن واحد كان يعبر عن رأيه الشخصي عندما اقترح إجراء استفتاء تقرير المصير في آتشه مع حلول يونيو/ حزيران 2000، وأكد على عزم الجيش على الدفاع عن وحدة وسيادة إندونيسيا ومكافحة النزعات الانفصالية. وقد أدى موقف الجيش هذا إلى تراجع واحد بسرعة عن تصريحاته وتأكيده على أنه لو جرى استفتاء في آتشه فسوف يكون لاختيار سكانه بين استمرار الوضع الحالى -أي الاستمرار تحت سيطرة الحكومة المركزية- أو الحصول على حكم ذاتي موسع داخل إندونيسيا يمنح سكان الإقليم الحق فى تطبيق قوانينهم الخاصة المستمدة من الشريعة الإسلامية، إضافة إلى منح الإقليم الحق في الحصول على 75% من عائدات البترول المستخرج من حقول الإقليم بدلا من تخصيص معظمها للميزانية العامة للدولة، ولكن إعلان واحد عن استفتاء الحكم الذاتي قوبل برفض شديد من قبل حركة آتشه الحرة التي أكدت أنها لن تقبل بأقل من الاستقلال أو على الأقل الحل الفدرالي.

مشروع واحد



مثل قانون الحكم الذاتي الذي ينادي به واحد أحدث الحلول التي تطرحها الحكومة في جاكرتا، غير أن المطالب الانفصالية لم تتوقف عن المطالبة بالاستقلال

وقد لجأت حكومة واحد في يناير/ كانون الثاني 2000 إلى اتخاذ الخطوة العملية الوحيدة حتى الآن لمواجهة النزعات الانفصالية، وتتمثل هذه الخطوة في تطبيق قانون يمنح حكما ذاتيا موسعا لـ 26  إقليما، وطبقا لهذا القانون يمكن للمقاطعات والأقاليم أن تتولى إدارة الميزانيات والحكومات الخاصة بها، بينما تحتفظ الحكومة المركزية بإدارة الشؤون الخارجية وشؤون الدفاع، كما تحصل الحكومة المركزية على 40% من عوائد الضرائب المحلية، و85% من عوائد النفط، فى حين تحصل حكومات الأقاليم على 15%، أما الغاز فيعود 30% منه إلى الأقاليم و70% منه إلى جاكرتا، وفي مشروعات التعدين والخشب تستأثر المناطق التي توجد فيها هذه المشاريع بمقدار 80% من الإيرادات ويذهب 20% إلى الحكومة المركزية. وعلى الرغم من أهمية مثل هذه الخطوة فإنها لم تنجح في تقليل المطالب الانفصالية، حيث استمرت الاضطرابات في آتشه وإيريان جايا، وذلك لأن طموحاتها تتعدى الحكم الذاتي.

عجز حكومي عن احتواء الأزمة



لا تزال معاينة الواقع تؤكد استمرار أزمة العنف بأنواعها، الأمر الذي يشكك في احتمالية نجاح حكومة واحد في تخفيف الأزمة فضلا عن إنهائها

وفي أماكن النزاع الأخرى لاتزال الحكومة عاجزة عن مواجهة أعمال العنف فيها، فعندما زار الرئيس واحد مدينة أمبون التي تشهد أعمال عنف طائفي بين المسلمين والمسيحيين في نهاية عام 1999 اكتفى فقط بالإعلان أمام سكان المدينة أن حكومته تستطيع أن تفعل القليل أو بالتحديد لا تستطيع أن تفعل أكثر من تشجيع الأطراف المتنازعة على إحلال السلام وأنه يترك لسكان الإقليم تسوية الأزمة، وكان هذا  بمثابة اعتراف بعجز الحكومة تماما عن وقف المذابح الطائفية في جزر مالوكو، واكتفت الحكومة بإعلان حالة الطوارئ وتركت الأمر لقوات الجيش والشرطة للسيطرة على الأوضاع، مما زاد الأمور تعقيداً حيث تورطت قوات الأمن في زيادة أعمال العنف الدائرة في الجزيرة، واضطر العديد من المسؤولين العسكريين والمدنين للاعتراف صراحة بأن أفراداً من قوى الأمن انحازوا إلى هذا الفريق أو ذاك  وشاركوا بأسلحتهم في المواجهات، كما أن تلك القوات لم تمنع وصول الناشطين الإسلاميين إلى الجزر بعدما تلقوا تدريبات عسكرية في ضواحي العاصمة وفي حوزتهم أسلحة من النوع نفسه الذي يستخدمه الجيش!

وأدى كل هذا إلى تفاقم الأزمة وأصبحت الأمور خارج نطاق السيطرة، الأمر الذي جعل قائد الشرطة الإندونيسية الجنرال أسد يهاردجو يعلن في يوليو/ تموز 2000 أن الموقف الأمني في الجزر قد يضطر جاكرتا إلى نشر قوات حفظ سلام دولية فيها، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها مسؤول إندونيسي كبير إمكانية التدخل الأجنبي لإنهاء الصراع الطائفي في جزر مالوكو. والمعنى نفسه تقريبا أكده عبد الرحمن واحد حين أعلن في الشهر ذاته أن الأوضاع المتفاقمة في جزر مالوكو قد  تستدعي طلب بعض المساعدات الدولية المحدودة، وكانت تلك التصريحات بمثابة اعتراف آخر بعجز الحكومة عن مواجهة الأزمة.

وفي جزيرة بورنيو التي تعاني أعمال عنف عرقي منذ يناير/ كانون الثاني الماضي، واجهت حكومة عبد الرحمن واحد نفس الفشل في وقف المواجهات الدامية هناك بين قبائل الداياك وقبائل المادورا والتي راح ضحيتها آلاف الأشخاص، واكتفت الحكومة بنقل اللاجئين والمشردين الفارين من أعمال العنف إلى أماكن أخرى في حين تركت أسباب العنف دون علاج، مما أدى إلى استمرار أعمال العنف الوحشية، الأمر الذي جعل رئيس أركان الجيش الجنرال أندريار تونو سوتارتو يطالب في مارس/ آذار الماضي بأن يتولى الجيش بشكل مؤقت عملية استعادة الأمن والاستقرار في الجزيرة وذلك لحين استعادة قوات الشرطة قدراتها وتمكنها من السيطرة على الأوضاع في إقليم كالمنتان ومدينة سامبيت. وكان واحد قد واجه انتقادات حادة في بداية تفجر هذه الأزمة في يناير/ كانون الثاني الماضي، حيث كان وقتها يقوم بجولة خارجية في أفريقيا والشرق الأوسط، مما كان يستدعي - من وجهة نظر معارضيه- ضرورة قطع هذه الجولة والعودة لمواجهة الأحداث المتفجرة.

رابعا: مستقبل الصراع فى إندونيسيا



قراءة الواقع الإندونيسي تقود إلى التأكيد على احتمالية استمرارية الأزمة نظرا لعوامل منها ضعف الرئيس، والأزمة الاقتصادية الخانقة، والصراع السياسي بين أركان الحكم

الواقع أن أزمة العنف في إندونيسيا مرشحة للاستمرار، فبعيداً عن الأسباب التي تقدمها الحكومة الإندونيسية لاستمرار موجات العنف في البلاد والتي تجملها في أسباب اجتماعية واقتصادية من جانب وحداثة التجربة الديمقراطية من جانب ثان ومسؤولية أطراف دولية ومحلية من جانب ثالث، فالملاحظ أن الحكومة اعترفت في أكثر من مناسبة بفشلها في مواجهة هذه الأزمات وإن تم هذا بشكل غير مباشر.

ولعل ما يزيد من احتمال استمرارية الأزمة، هو ما تعاني منه إندونيسيا من أزمات سياسية واقتصادية أخرى أهمها أزمة مؤسسة الرئاسة ذاتها، فواحد منذ توليه الحكم تلاحقه هو وبعض مساعديه اتهامات بارتكاب مخالفات مالية، إضافة إلى اتهام سيدة تدعى أريانتي ستييو لواحد بأنه أقام علاقة جنسية معها عام 1995 وأنها اضطرت لكشف السر لأن واحد لم يحترم وعده بالزواج منها. يواجه واحد حاليا احتمالات عزله من رئاسة الدولة بعد أن وجه له البرلمان في شهر فبراير/ شباط الماضي اللوم بسبب تورطه في فضيحتين ماليتين: الفضيحة الأولى سميت "بولوغيت" وتتعلق باختلاس 4.1 ملايين دولار من وكالة بولوغ الوطنية للأغذية على أيدى اشخاص يقولون إنهم كانوا يعملون بأوامر من واحد، أما الفضيحة الثانية المعروفة بـ "بروناي غيت" فتتعلق بقبول تبرع حجمه مليونا دولار خارج القنوات الحكومية من سلطان بروناي لمصلحة إمدادات الإغاثة الإنسانية لأقليم آتشه المضطرب، وبعد توجيه اللوم للرئيس اندلعت العديد من المظاهرات في العاصمة جاكرتا تطالب باستقالة واحد وتحمله مسؤولية تردي الأحوال الاقتصادية والاجتماعية واستمرار أعمال العنف الطائفية والعرقية، ومن بين هذه المظاهرات كانت مظاهرة 12/3/2001 أمام القصر الجمهوري في جاكرتا والتي اعتبرها المراقبون أكبر مظاهرة تقام في هذا المكان منذ الستينات، الأمر الذي يدل على عمق الأزمة التي انعكست على الاقتصاد الإندونيسى، حيث وصلت العملة الإندونيسية في 12/3/2001 إلى أقل معدل لها منذ 30 شهراً.

والبعد الآخر في أزمة الرئاسة في إندونيسيا يتعلق بالصراع المكتوم على السلطة بين واحد ونائبته ميغاواتى سوكارنو بوتري التي ينظر إليها على أنها متلهفة لتحل مكان واحد في رئاسة الدولة، فعلى الرغم من تمتع ميغاواتي بشعبية كبيرة ورئاستها لأكبر حزب سياسي في البلاد فإنها حرصت على عدم دعم واحد أو المشاركة في القرارات الصعبة، خاصة أنها تتولى ملف الأزمات العرقية والطائفية في الأقاليم المضطربة باستثاء آتشه، وهذه السلبية من ميغاواتي هي ما جعلت واحد يطلب منها صراحة في مارس/ آذار الماضي بأن تقوم بدور إيجابي في إدارة البلاد، وكانت ميغاواتي قد تلقت دعم الأحزاب الإسلامية  -التي لعبت الدور الرئيسي في تولي واحد السلطة عام 1999- لتولي منصب الرئيس بدلاً من عبد الرحمن واحد، وهو ما يعتبر خطوة هامة فى اتجاه قرب الإطاحة بواحد.

ومن هنا فإنه لا يتوقع من حكومة بمثل هذا الترهل والانشقاق أن تسيطر على أوضاع غاية في التعقيد، وهذا ما يجعل أعمال العنف بأشكاله المختلفة مرشحة للاستمرار بل وزيادة حدتها استغلالاً لمثل هذه الظروف، الأمر الذي يزيد التكهنات باحتمال تدخل الجيش الإندونيسي لإنهاء حالة التفكك والعنف غير المسبوقة التي تشهدها البلاد، خاصة عقب تحذيرات أطلقها وزير الدفاع الجنرال "ويديدو" بأن الجيش قد يتدخل إذا فقد زعماء إندونيسيا المدنيون السيطرة على البلاد ودفعوا بها إلى حالة الفوضى.
____________
*باحث بمركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.