فلسطيني يكتب على الجدار العازل

إعداد: نادية أبو زاهر

وقف أحمد ابن الثامنة من عمره بعيدا ليتابع بنظرات طفولية الرافعات الإسرائيلية الضخمة وهي تضع كتلا خرسانية ضخمة على مشارف مدينة القدس الشرقية، لاستكمال بناء قطاع جدار العازل الذي باشرت ببنائه قوات الاحتلال الإسرائيلية في يونيو/ حزيران 2002.

ربما لم يستوعب أحمد حقيقة ما يجري حوله من أحداث سياسية ومن حجج تدعيها إسرائيل لإقناع العالم بأن الهدف من هذا الجدار هو للضرورة الأمنية، لكن الذي يفهمه أنه لن يستطيع أن يذهب إلى منزل صديقه غسان الذي لم يكن يبعد عنه سوى دقيقة واحدة عن منزله. ولن يستطيع أن يرى تلك المناظر الجميلة من سهول خضراء وجبال وأشجار التي اعتاد رؤيتها وأصبحت الآن خلف الجدار. فكل ما سيراه هو كتل أسمنتية ضخمة، وحتى الإعلان الإسرائيلي من أجل تغيير لون هذه الكتل لتبدو أجمل لن تغير من حقيقة الأمر، فهو لم يعد يستطيع اللعب مع صديقه كما اعتاد، فالآن أصبح منزل صديقه يبدو له وكأنه في الطرف الآخر من العالم.

والواقع أن أحمد هو واحد من بين عشرات الآلف فلسطيني يعيشون في الأجزاء الشمالية يستثنيهم الجدار في القدس . علما بأن الجدار سيفصل حوالي 380 ألف فلسطيني قاطنين في شرقي القدس، عن بقية قرى وبلدات الضفة الشرقية.

كابوس الفلسطينيين الجديد
الأعمال الكونكريتية والحديدية الدائرة حاليا في الضفة الغربية ضمن مشروع ما يسمى بالجدار العازل باتت تشكل كابوسا حقيقيا ليس لأحمد فقط، وإنما لمواطني الضفة الغربية أيضا. فإذا ما تفحصنا الأرقام التي جاءت في التقرير الذي أعده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية يتبين لنا حقيقة هذا الكابوس.

فحسب ما جاء في التقرير فإن نحو 680 ألف فلسطيني في الضفة الغربية سيتأثرون سلبا مباشرة بالجدار الفاصل، أي ما نسبته 30% من سكان الضفة الغربية.
لا يمكن لنا أن نتخيل حجم المعاناة دون أن نعلم الآثار الحقيقية التي يخلفها إتمامه على حياة الفلسطينيين. فإذا علمنا أن الجدار الذي صادقت عليه الحكومة الإسرائيلية يبلغ طوله 730 كم يبدأ من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها في الجانبي الشرقي والغربي منها، ندرك مدى عظم المساحة التي صادرتها الحكومة الإسرائيلية من مالكيها الفلسطينيين البالغة 1100 هكتار من الأراضي الفلسطينية، وهي أكثر الأراضي الفلسطينية خصوبة التي يعمل بها ربع السكان المحليين، وتدر ما مجموعه 900 ألف دولار في الكيلومتر المربع الواحد، أي ضعف ما تدره الحقول الأخرى في مناطق الضفة والقطاع. ووفق تقديرات البنك الدولي فإن الأراضي المصادرة تنتج حوالي 45% من الإنتاج الزراعي الفلسطيني.

وبذلك يكون المزارعون الفلسطينيون والأراضي الزراعية الأكثر تضررا، فحتى الأشجار لم تسلم من زحف الجدار حيث اقتلعت قوات الاحتلال حسب تقرير الأمم المتحدة حتى الآن أكثر من 102 ألف شجرة. فالجدار الذي يمتد بطول 35 كم في القاطع الغربي و75 كم في القاطع الشرقي قد حرم المواطنين من الإفادة من 100 ألف دونم زراعي منها 24 ألفا في محافظات طولكرم وجنين وقليقيلية. علما بأن ما تم إنجازه بهذه المرحلة يبلغ 180 كم من أصل 730 كم صادقت عليها الحكومة.

سيكون للجدار كذلك تأثير على المياه، أمجد عليوي المهندس في سلطة المياه الفلسطينية قال إن الجدار سوف يتسبب في حجب 3% من مياه الآبار في الجانب الغربي منه عن مستهلكيها من الفلسطينيين. حيث تمت مصادرة 36 بئرا ارتوازيا من المياه الفلسطينية حتى الآن، في ما يبلغ عدد الآبار المهددة بالهدم 14 بئرا لوقوعها في المنطقة العازلة. ويؤكد عليوي أن ما ترمي إليه إسرائيل ليس الاستيلاء على الأرض فحسب بل الاستيلاء على الماء أيضا. حيث يرى أن مسار الجدار مخطط لتأمين وقوع غالبية الآبار الموجودة في منطقته ضمن الجانب الإسرائيلي.

حتى محللون من الإسرائيليين يعترفون بما يمكن أن يحدثه الجدار من أثر على حياة الفلسطينيين، فالمحلل والخبير بالشؤون الفلسطينية في هآرتس داني روبنشتاين قال إن هناك احتمالا لتزايد الأزمة الاقتصادية عند الفلسطينيين بعد استكمال الجدار. وأضاف في مقالته أنه إذا كانت الأزمة الاقتصادية في إسرائيل قد أدت إلى انخفاض بنسبة 10% في مستوى المعيشة فالأمر وصل عند الفلسطينيين إلى 40-50%.

وذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في مارس/ آذار الماضي أن إسرائيل تنوي جباية ضرائب من الفلسطينيين الذين سيدخلون أراضيها عن طريق المعابر التي ستنصب في الجدار الفاصل المقام حاليا بين إسرائيل والمناطق الفلسطينية. وأكدت الصحيفة أنه يتم حاليا جباية رسوم عبور تعادل 160 شيكلا من كل شاحنة تحمل البضائع، لكن هذا الإجراء لا يشمل المشاة والسيارات الخصوصية. وحسب التخطيط سيتم جباية 10 شواكل (دولاران تقريبا) من كل فلسطيني يدخل إسرائيل عن طريق المعابر، ورسوم أكبر من السيارات الخصوصية.

سجن آخر للفلسطينيين
إذا كان الفلسطينيون يعيشون داخل سجن أحاطتهم به الحواجز الإسرائيلية العسكرية والحصار الإسرائيلي، فإن بانتظارهم سجنا من نوع آخر وهو الجدار. فقد ذكر تقرير الأمم المتحدة أن أكثر من 274 ألف فلسطيني في 122 بلدة ومدينة سيعيشون في مناطق مغلقة بين الجدار والخط الأخضر أو في جيوب محاطة كليا بجدار. وأن حوالي 850 كيلومترا مربعا من الضفة الغربية المحتلة باستثناء القدس الشرقية أي 14.5% من مساحتها ستقع بين هذا الجدار والخط الأخضر.

من ذلك يتبين لنا أن أكثر من 100 قرية وبلدة فلسطينية سيتم فصلها عن أراضيها الزراعية وسيتم فصل السكان، القانطين في 71 قرية وبلدة فلسطينية، عن أراضيهم الزراعية، الأمر الذي سيضطر أكثر من 400 ألف فلسطيني يقيمون شرق الجدار إلى عبور بعض الحواجز للوصول إلى مزارعهم أو أماكن عملهم.

وسيؤدي الجدار إلى عزل بلدات بكاملها في الضفة الغربية عن الأسواق والخدمات الطبية والمدارس. ويبدو أن نتائج العزل عن الخدمات الطبية بدأت بالفعل، فالطفل محمد هاشم ابن السنتين من قرية رأس عطية جنوب قلقيلية توفى بالثامن من هذا الشهر، عندما أصيب بحمى شديدة ولم يتمكن والداه من نقله إلى مستشفى حبلة بسبب وجود الجدار.

تيسير خالد

مشروع استيطاني
يرى البعض أن للجدار تأثيرات خطيرة على الخريطة الديموغرافية في الأراضي الفلسطينية. ويصف عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية تيسير خالد الجدار بكونه أخطر مراحل المشروع الاستيطاني في أراضي الضفة الغربية. حيث سيترك الجدار 236 ألف مستوطن يقيمون في 155 مستوطنة على أراضي الضفة.

ولا تنفي صحيفة هآرتس حقيقة الجدار في افتتاحيتها بتاريخ 18/1/2004 حين وصفت الجدار بجدار "البتر والضم". في ما يرى آريه حسكين مدير قسم التعليم في المجلس الصهيوني في الجدار ضرورة مهمة، لأنه حسب رأيه سيضم في النطاق الذي تسيطر عليه إسرائيل غور الأردن والتجمعات السكانية في ظهر الجبل مثل عالي وعوفرا وشيلو بل وألون موريه. ومسار الجدار الشرقي سيتواصل جنوبا ليضم الصحراء، شمال البحر الميت، وجنوب جبل الخليل، وكريات أربع والتجمعات السكانية شرقي غوش عصيون.

إذا علمنا أنه، حسب تقرير الأمم المتحدة، فقط 11% من مسار الجدار الذي يمتد على مسافة 730 كيلومترا يسير بمحاذاة الخط الأخضر الذي يفصل بين الضفة الغربية وإسرائيل. يتأكد لنا أن الجدار وضع أساسا للاستيلاء على أكبر مساحة من أراضي الضفة الغربية، لفرض حقائق على الأرض وليس بهدف الأمن كما تدعيه إسرائيل.

ويمكن إدراك مدى الخطر الذي يمكن أن يتسبب به الجدار في حال الانتهاء منه كما قررته الحكومة الإسرائيلية، حين نعلم أن الجدار سيلتهم ما مجموعه 56% من مساحة الضفة الغربية، ويبقي على 44% متقطعة الأوصال والأجزاء. وبالتالي سيخدم مشروع شارون الاستيطاني في مصادرة معظم أراضي الدولة الفلسطينية. حيث سيسمح لإسرائيل بإحكام السيطرة على الضفة الغربية من خلال إقامة مستوطنات جديدة على امتداد الخط الأخضر بالإضافة إلى ضم مستوطنات وكتل استيطانية إلى إسرائيل يبلغ عددها 40 مستوطنة يقطنها 350 ألف مستوطن.
_______________
مؤسسة النجاح للصحافة-نابلس (خاص - الجزيرة نت)