مقدم الحلقة

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة

خالد مشعل: رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)

تاريخ الحلقة

28/07/1999

خالد مشعل
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله: أعزائي المشاهدين، أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (لقاء اليوم)، يسعدنا أن نستضيف في حلقة اليوم الأستاذ خالد مشعل (رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس) أستاذ خالد، أهلاً، وسهلاً بك في قناة (الجزيرة).

خالد مشعل: أهلاً وسهلاً بكم، وشكراً لكم.

ماهر عبد الله: اسمح لي أن أبدأ بسؤال شخصي نوعاً ما، أنت متابع لما يدور حول حماس، وحول قيادات حماس، خاصة في الساحة الأردنية، كثر الحديث عن دخول حماس في معمعة ما تدخل فيه الحركات السياسية الكبرى، عندما تبدأ الشبهات، والتهم، والشائعات تحوم حولها، الكثير من التهم في الآونة الأخيرة تركزت على شخص خالد مشعل، طبعاً لامست جوانب مالية في المقام الأول، إلى أي حد يمكن القول: إنه لا يمكن أن يكون هناك دخان بلا نار، في موضوع الاختلاسات المالية التي نسبت إلى قيادات حماس في عمان؟

خالد مشعل: بسم الله الرحمن الرحيم، الأفاكون في التاريخ -دائماً- كانوا يلجؤون إلى الاتهامات، والافتراءات، وإلى حديث الإفك، حين يعجزون عن مواجهة أصحاب الحق، والأفاكون ليسوا بحاجة إلى نار حتى يشعلوا منها دخاناً، والأنبياء والرسل -وهم في قمة البشرية- لم يسلموا من ذلك، وما بث في الفترة الماضية من فاكسات وبيانات متعددة كلها لا تخرج عن هذه الدائرة، دائرة الافتراء والكذب الصراح الذي لا أصل له، ولا نار بالضرورة موجودة من أجل هذا الدخان الكثيف، الذي تقف خلفه جهات معادية، وجهات حاقدة، وخاصة أنها جاءت متزامنة مع مرحلة باراك، وكأنه استحقاق لهذه المرحلة من أجل إضعاف واستهداف كل القوى المناضلة، وفي مقدمتها حماس التي يعتبرونها عقبة في طريق تصفية القضية الفلسطينية، وفي طريق إرغام الشعب الفلسطيني على القبول بأي شكل من أشكال الحل التصفوي بالقضية الفلسطينية.

ماهر عبد الله: ولكن، هل يمكن –فقط- القول أن مجيء باراك هو السبب الوحيد لنشوء هذه الشائعات، يعني توقيتها، لماذا حصلت في هذه الفترة بالذات؟

خالد مشعل: لأ، هو هذا –طبعاً- التوقيت بالتأكيد له علاقة، خاصة إذا علمنا من هي الجهات التي تقف وراءه، أنا أقول بكل وضوح: إن هناك مطبخ -وربما الطهاة متعددون- ولكنه مطبخ، ربما تديره الـ(C.I.A)، والـ(C.I.A) تتحدث عن أدوارها الأمنية في التنسيق بين عدة أطراف في ضرب القوى المجاهدة، وفي مقدمتها حماس، وهذه الجهات المعادية والمشبوهة لن تعدم أن تجد ضالتها في بعض الأشخاص الحاقدين، أو بعض الأشخاص الذين باعوا أنفسهم للأعداء، وبالتالي..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: ولكن هؤلاء الأشخاص يبدو -من صيغ بعض الرسائل والفاكسات التي أرسلت- أنهم على دراية ببعض تفاصيل الداخل الحماسي، يعني ليسوا بالضرورة من خارج حماس، يبدو أنه هناك بعضهم -أو بعض من تصفهم بأنهم الحاقدين- أنه أصلاً لهم تاريخ معين مع حماس.

خالد مشعل: في حركة كبيرة كحركة حماس الخصوصيات تكون عادة قليلة، حماس ليست حركة تعيش في الخفاء، حماس حركة كبيرة، وموجودة في الأرض المحتلة، ولها رموز وممثلون في الخارج، وتعيش في العالم، وتنهض بمسؤولية كبيرة تجاه الشعب الفلسطيني، وحماس من ثقتها بنفسها صفحتها مكشوفة وبيضاء أمام كل أبناء شعبنا، وبالتالي من أراد أن يلبس الأمور، وأن يدعي ادعاءات كثيرة، يبني على معلومة صغيرة، ولكن يقيم عليها هالة كبيرة من الأكاذيب والترهات يستطيع، لكن بالتأكيد حماس أنقى وأصفى من هؤلاء الذين يتهمونها.

وأنا أقول: حماس ليست في حاجة أن تدافع عن نفسها، خالد مشعل أو غيره من رموز الحركة ليسوا بحاجة أن يدافعوا عن أنفسهم، يكفي أن نترك ذلك لحكم لشعبنا، ونحن واثقون أن شعبنا يعلم أن حماس نقية، وأن حماس بعيدة عن المفاسد التي اعتاد الناس عليها في تجارب الآخرين.

مثلاً الموضوع المالي الذي أشرت له، يعني الحالة التي يعيش بها أبناء حماس، ورموز حماس، وهم يعيشون بين أبناء شعبهم، وبذات الكيفية التي يحياها عامة

الناس، الناس أدرى بحقيقة حماس، وبأنها بالمبالغ المحدودة -التي بين يديها- تنهض بمسؤولية ضخمة جداً، لو كان هذا الفساد المدعى موجود في حماس، لما استطاعت حماس بمواردها المالية المتواضعة -التي هي من تبرعات الشعوب- لما استطاعت أن توظفها في خدمة الشعب الفلسطيني، والنهوض بمسؤوليات عديدة، سواء في مقاومة الاحتلال، أو في رعاية أسر الشهداء والمعتقلين، أو في تقديم الخدمة الاجتماعية لأبناء الشعب الفلسطيني.

ماهر عبد الله: يعني قد تكون حماس بمنأى عن الفساد المالي لقلة الموارد، أو لأسباب أخرى، لكن ثمة جانب آخر من التوترات -اللي بيمس الحركات في العادة- بعيد شوية عن الجانب المالي، الجانب الإداري البحت.. الجانب القيادي، جزء مما يقال عن حماس في الآونة الأخيرة أنه هناك توترات داخل أطرها القيادية، وفي هذا المعرض يذكر ثلاثة أسماء تحديداً: الشيخ أحمد ياسين -بصفته مؤسس الحركة وأبوها الروحي- خالد مشعل -بصفته رئيس المكتب السياسي- وموسى أبو مرزوق (بصفته رئيس سابق للمكتب السياسي)، هناك كلام عن رغبة للشيخ أحمد ياسين، باستبدال خالد مشعل بموسى أبو مرزوق، لأنه يرى فيه كفاءة أكثر للمرحلة التي تقبل عليها الحركة.

خالد مشعل: قبل ذلك أريد أن أؤكد على حقيقة، حماس أمينة على المال ليس لأنه قليل، فإن كان نادراً أو كثيراً فحماس مؤتمنة على المال، لأنها تتمتع بالتزام سلوكي عالٍ، وبأخلاقية عالية يشهد بها الجميع، أما في هذا الادعاء، فيما يتعلق بخلافات مزعومة بين رموز الحركة، وفي مقدمتهم الشيخ المجاهد أحمد ياسين، فهذا كلام لا أصل له.

وأنا أقول: إن هذا الإفك، وهذه الاتهامات ينبغي حين يسمعها الناس أن يثقوا بأنفسهم، كما قال الله -سبحانه وتعالى- "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً، وقالوا هذا إفك مبين) ونحن نقول رب ضارة نافعة (لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم).

هذه الاتهامات رد عليها كل رموز حماس، الشيخ أحمد ياسين هو شيخ الحركة، ومؤسسها، ومرشدها، وهو الذي يحظى بالاحترام والتقدير من كل أبناء الحركة، بل من كل أبناء شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية الإسلامية، وهو فوق الخلاف -الشيخ أحمد ياسين- وله كل الاحترام، بل رموز الحركة في الداخل في غزة وفي الضفة هم إخواننا، وأحبتنا وثقتنا بهم عالية جميعاً، ورموز الحركة في الخارج هم إخوة لإخوانهم في الداخل، وليس هناك أي اشكالات، أو خلافات بيني أو بين الدكتور الأخ الدكتور موسى أبو مرزوق أو أي رمز من رموز الحركة.

مشكلة هؤلاء -هذه الجهات المشبوهة المعادية، وأذنابهم وأدواتهم الرخيصة- مشكلتهم أنهم لا يفهمون حقيقة حركة حماس، لا يفهمون الحركات الملتزمة، النظيفة، المخلصة، الصافية، أنها حركات تغلب الصالح العام على الصالح الخاص، صراعها عادة يكون من أجل القضايا الكبيرة، معركتها مع الأعداء، ليس هناك منافسة على متاع الدنيا، المنافسة على التسابق على الشهادة، وعلى البذل، وعلى الغرم وليس على الغنم، مثلاً في الكثير من الحركات هناك منافسة على المناصب، نحن لا نتنافس على المناصب، أولاً هناك مؤسسية عالية في الحركة، القاعدة هي التي تنتخب القيادات، وليست القيادات هي التي تتقدم بنفسها.

وفي ظل مؤسسية، وشورى، وديمقراطية، وانتخاب حر، ففرصة الجميع متاحة، ولكن مقادير الرجال تبقى محترمة، وفي مقدمتهم الشيخ المجاهد أحمد ياسين، فأنا أقول كل هذا الكلام لا وزن له، وحقيقة علاقات الحركة الداخلية بين قياداتها في الداخل والخارج هي أكبر دليل على ذلك، وما صدر من تصريحات في الفترة الأخيرة هو الرد.. هو لسان الواقع -قبل أن يكون لسان المقال- عن حقيقة الحالة القيادية والداخلية في حركة حماس.

ماهر عبد الله: طيب، يعني لو أخذنا هذا الكلام على ما هو، في العادة، في تاريخنا الإسلامي سبق لأناس -أنا أزعم أنهم خير من رموز حماس الحاليين- وأن اصطرعوا على السلطة، للسلطة شبقها الخاص، يعني هذا لا ينتقص من الرغبة الشديدة في التضحية، لا ينتقص من الرغبة الشديدة في خدمة الصالح العام، خدمة القضية بمصطلح اليوم، لكن هناك رؤى، ورؤى تختلف، يعني شخصية خالد مشعل تختلف عن شخصية موسى أبو مرزوق، وكلاهما استلم مسؤولية الحركة، وكلاهما كان له أداء متميز، هذه الرؤى -في بعض الأحيان- إلى درجة لا يمكن معها التعايش بين الرؤيتين، وبالتالي مش غريب -من حيث المبدأ- أن يكون هناك منافسة، قد تكون منافسة شريفة، وضمن ضوابط مؤسسية -كما ذكرت- لكن هذا لا يكفي وجود المؤسسة، خصوصاً أنه الطابع العام للحركة بعد خروج أحمد ياسين كان أميل إلى خط -نسميه- تصالحي مع السلطة، ينسجم مع طروحات موسى أبو مرزوق أكثر من انسجامها مع طروحات خالد مشعل.

خالد مشعل: نحن في علاقاتنا القيادية لا تحكمنا الاعتبارات الشخصية، إنما تحكمنا المصلحة العامة، الأهداف العامة، ثم المؤسسية القيادية، أن يكون عند البشر نوازع نحو القيادة والسلطة صحيح، هذا في الحياة الإنسانية شيء معروف ولا يستطيع أحد أن ينكره، لكنه في حركة -مثل حركة- حماس محكوم بضابطين: الضابط الأول هو الضابط السلوكي، الأخلاقي، الإيماني الذي يجعل الناس -كما قلت- تتطلع إلى الآجل وليس إلى العاجل، وإلى المصلحة العامة، وليس إلى المصلحة الشخصية.

الضابط الثاني: هو المؤسسية الجماعية، القيادة الجماعية، هناك حركة، ليس هناك سطوة فرد، أو مسؤول، أو رمز س أو ص من رموز الحركة، هذا يجعل حتى المنافسة، حتى تنوع الرؤى يجعلها كلها محكومة، وبما يخدم مصلحة الحركة والمصلحة العامة، وثق –تماماً- أن محبتنا لبعضنا البعض شديدة جداً، سواء من تجاه الشيخ أحمد ياسين، تجاه الدكتور موسى أبو مرزوق، تجاه رموز الحركة في الداخل والخارج نحن كالجسد الواحد، نتداعى لنصرة بعضنا، ويكمل بعضنا بعضاً، هذا التعدد والتنوع لخدمة وإثراء الموقف العام للحركة، وزخمهاالسياسي والإعلامي، وليس تعدداً تصارعياً، أو ينحت من قدرة الحركة، وإنما هو يؤدي إلى تراكم، وتكامل في رؤية الحركة، وهكذا هي كل الحركات الكبيرة المحترمة، فأنا مطمئن وواثق أن واقع الحركة أفضل بكثير مما يتمنى أو مما يدعي هؤلاء، أو بالأحرى يتمنون، لأنهم يريدون حماس أن تكون بالصورة التي تخدم مصلحتهم في هذه المرحلة، مرحلة تصفية القضية الفلسطينية، والتآمر على كل المخلصين القابضين على جمر الصمود والمقاومة.

ماهر عبد الله: سأعود إلى من تقصد به هم، لكن قبل أن ننتهي من موضوع المنافسة، هناك كلام.. يعني واضح أن حماس داعمها الأكبر في الساحة الأردنية -وتقيم في عمان- هي حركة الإخوان المسلمين، حركة الإخوان المسلمين معروفة للقاصي والداني أنه تتنازعها في هذه المرحلة -لنقل- خلافات في الرأي شديدة ثمة كلام أن حماس تستفيد من هذا التنافس -إن لم نقل الصراع- وبالعكس هي تلعب على حبل هذا التنافس، لتحقيق بعض المآرب، وذهب البعض إلى القول باختراق تنظيم الإخوان المسلمين، والسيطرة عليه، لأنه يمكن أن يخدمها في أكبر ساحة تتحرك فيها بعد الساحة الفلسطينية، وهي الساحة الأردنية، تعليقك على هذا؟

خالد مشعل: يعني حركة حماس لها علاقات شديدة ووثيقة بالعديد من الحركات الإسلامية، والوطنية، والقومية في العالم العربي والإسلامي، ومن ضمن هذه الحركات الإخوان المسلمون في الأردن، أو في خارج الأردن، وعلاقتنا واضحة للعيان، ليست تحت الأرض، وليس لها طابع سري، لأننا نعتقد في حركة حماس أن مسؤولية فلسطين، والقدس، والأقصى، هي مسؤولية عربية إسلامية، والقوى الحية في العالم العربي معنية بهذه القضية، ونطلب دعم هذه الحركات، ونصرتها ومواقفها في دعم صمود الشعب الفلسطيني، ونضال حركة حماس، لكن هذا الذي يدعى ليس صحيحاً على الإطلاق، نحن -أولاً- لا نتدخل في شؤون الآخرين، لكل حركة خصوصيتها، نحترمها، ولا نتدخل فيها، ولسنا طرفاً في أي منافسات، أو أي أوضاع داخلية لأي حركة، والإخوان المسلمون في الأردن جماعة محترمة، ولها وزنها، ولها تقديرها، وهي بالتأكيد سند لفلسطين، وللشعب الفلسطيني، ولحركة حماس، وأي كلام خارج هذا الإطار ليس صحيحاً.

وإنما -كما قلت- هو جزء من هذا الإفك، جزء من هذا الاتهام، من خلط الأوراق، من ضرب القوى الحية ببعضها البعض، لخدمة أغراض سياسية، أغراض مشبوهة، لكن الجميع يعلم حقيقة الأمر، ونحن لدينا علاقات راسخة، ومحترمة، ولا نوظفها لخدمتنا، وفي المقابل نضر بالآخرين، لا نحن حريصون على مصلحة الجميع، كما نحن أحرص على المصلحة الفلسطينية، نحن –أيضاً- نحمل ذات الحرص على المصلحة العربية والإسلامية، ونتمنى الخير للجميع، وليس مقصوراً علينا وحدنا.

ماهر عبد الله: ما دمنا دخلنا في الساحة الأردنية، الأردن من أكثر الدول العربية التزاماً بالمشروع السلمي مع إسرائيل، والذي تقف منه حماس على طرف النقيض، كيف تبرر هذا الانسجام بين القيادة الأردنية وقيادة حماس، وسماحها لقيادة حماس بالوجود في الساحة الأردنية؟

ما أشيع في الآونة الأخيرة أن الحكومة الأردنية تراجع مواقفها، وهي بصدد الضغط، حتى بعض الصحف العربية ذكرت أنه مورس نوع من الضغط على القيادة الإسلامية لحماس في عمان من أجل تغيير مواقفها، من أجل البحث عن مكان آخر يكون أقل حرجاً للأردن، إلى أي مدى يمكن القول أن مثل هذه الشائعات يعني يحمل بعض الصحة؟

خالد مشعل: يعني عملياً لم يحدث أي طلب منا بصمت، أو بالتخلي عن وجودنا، أو عن دورنا، وإنما ربما هذه إشاعات تهدف إلى إضفاء أبعاد جديدة -ربما- في ضوء التطورات السياسية القائمة.

أما السؤال: لماذا يسمح لحماس بالتواجد في الأردن؟

للأسف أصبحت الصور الطبيعية هي المستثناة في المنطق السياسي العربي

اليوم، مع أنه العكس هو الصحيح، الأصل إنه أن يكون وضعنا في الأردن –وفي أي بلد عربي أو إسلامي- هو الوضع الطبيعي، خاصة في ظل حركة لا تتدخل في شؤون الآخرين، لا تسيء إلى الأمن العربي، بالعكس حريصة عليه، في ظل حركة تواجه المشروع الصهيوني الذي يشكل خطراً على الأمة جميعاً، في ظل عربدة صهيونية، ربما تغيرت لهجتها في عهد باراك الجديد، ولكن جوهرها ومضمونها الحقيقي لم يتغير، فما المبرر –أصلاً- لأن تتوتر العلاقة بين حركة حماس أو الأردن..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: التباعد الشديد في وجهتي النظر من العملية السلمية.

خالد مشعل [مستأنفاً]: صحيح لكل طرف رؤيته السياسية، ولكن ما دامت حماس تمارس دوراً سياسياً وإعلامياً في الساحة الأردنية، وفي الساحات العربية والإسلامية الأخرى، بينما جسمها التنظيمي ومقاومتها، وفعلها النضالي موجود في الأرض المحتلة، مادام حماس تحترم الآخرين، وتتعامل على هذه القاعدة، وبالعكس هي تشكل ذخيرة للأمة في مواجهة المشروع الصهيوني، أنا أعتقد الوضع الطبيعي أن يرحب بحماس، وخاصة ليس هناك في الموقف الصهيوني ما يغري -لا في الماضي ولا أعتقد في الحاضر والمستقبل- ما يغري أن يختلف العرب فيما بينهم، بينما العدو الصهيوني لا يزال يرفع السلاح، ولا يزال يقرع طبول الحرب، ولعله باراك، وهو يعود من أميركا، يعود ببرنامج حرب، وبرنامج تسلح، وتقوية أمنية وعسكرية، ولم يعد ببرنامج سلام، فأنا أعتقد وجودنا في الأردن

طبيعي، كما هو وجودنا في كل البلاد العربية والإسلامية.

ماهر عبد الله: وجودكم في المرحلة السابقة كان مربوط برؤية خاصة بالملك الراحل الحسين في عمان، كان وربما تدخله المباشر، وتبنيه لقضية خالد مشعل، بعد محاولة الاغتيال، يعني أضفت نوع من الراحة على العلاقة، الآن حصل التغيير في الأردن، كيف تقيم علاقتكم بالأردن في ظل الملك الجديد؟

خالد مشعل: علاقتنا السياسية بالأردن هي علاقة متجاوزة للتغيرات السياسية التي يمكن أن تطرأ، سواء داخل الأردن نفسه، أو داخل حركة حماس، لأنها-كما قلت- قائمة على الحالة الطبيعية التي ينبغي أن تسود بين العرب والمسلمين، وواجب الأمة في نصرة الشعب الفلسطيني، ودعم صموده ونضاله.

العلاقة أيام الملك الراحل الملك الحسين-رحمه الله- كانت علاقة طيبة، وفي العهد الجديد، أعتقد أنها ستكون طيبة، ولا أجد أي مبرر لأي تغير يطرأ على هذه العلاقة، خاصة في ظل استمرار حالة الصراع مع العدو الصهيوني، واستمرار شطب العدو الصهيوني لحقوق شعبنا الفلسطيني، وأنا أقول: المعركة مع العدو لم تنته، لأن جوهر الصراع مع العدو هو القضية الفلسطينية.

ماهر عبد الله: لو سمحت لي بالانتقال لساحة مجاورة للساحة الأردنية -ولا تقل عنها أهمية- الساحة السورية، كل المؤشرات تقول: أن القيادة السورية مستبشرة خيراً بالتغيير الذي حصل في إسرائيل، صدرت مجموعة تصريحات متبادلة من قيادات إسرائيلية وقيادات سورية ترحب بالتغيير الجديد، وتعبر عن آمالها في أن يحدث نوع من الحركة الإيجابية في المسار السوري، الساحة السورية هي من أخطر الساحات العربية التي تجد فيها فصائل المقاومة -حماس وغيرها- بحبوحة من العيش، ومساحة من الحرية السياسية، هل تعتقد أن التقارب السوري الإسرائيلي -إذا وقع- سيكون على حساب علاقة القيادة السورية بالفصائل الفلسطينية المعارضة في دمشق؟

خالد مشعل: أولاً: استباق الأمور -أعتقد- خطوة مبكرة، خاصة إنه -حتى هذه اللحظة- لم يبلغنا نحن في حركة حماس أي طلب سوري رسمي، سواء من حماس، أو من القوى الفلسطينية الأخرى بتغير الموقف، الأمر الثاني: نحن في حركة حماس مع أي جهد لعودة وتحرير أي شبر من الأراضي العربية، سواء كانت في الجولان، أو في جنوب لبنان، لأن الأرض العربية أرض عزيزة، والأمة لها حق في تحرير أرضها، وفي طرد الاحتلال، وبالتالي نحن لسنا ضد أي خطوة باتجاه إزالة الاحتلال الإسرائيلي عن هذه الأماكن، بالعكس نتمنى ذلك.

لكن في ذات الوقت نقول: إنه مسؤولية الأمة العربية، وطبعاً سوريا -بمكانتها العربية والإسلامية- في طليعة هذه الدول المعنية بالهم الفلسطيني وبالقضية الفلسطينية، وحين يتم إنجاز خطوة في إنجاز الحقوق العربية، فإن ذلك لا يعني نهاية الصراع مع العدو الصهيوني، الذي ليس هو صراعاً فلسطينياً صهيونياً، إنما هو صراع عربي إسلامي فلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني الذي يشكل خطراً مشتركاً على أمتنا.

ولذلك نحن لسنا متخوفين، نحن نعتقد أن الشعب الفلسطيني له حق لدى كل الأمة العربية، دولها، وشعوبها، وقواها، ومفكريها، وشخصياتها، حق في الدعم والمناصرة، والإسناد، حتى ينجز الشعب الفلسطيني حقه المشروع في تحرير أرضه، وإقامة دولته المستقلة، ذات السيادة الحقيقية، وطرد الاحتلال.

لذلك أنا أعتقد مشكلة الإعلام الغربي، وكذلك.. أو العدو الصهيوني يحاول أن يجعل المعركة داخل البيت العربي والإسلامي، والأصل أن المعركة بيننا وبين عدونا، فينبغي للإعلام العربي أن يوجه المعركة باتجاهها الحقيقي، وليس أن تنقل الآن المعركة وكأنها معركة عربية –عربية، أو فلسطينية- عربية، بينما لا يزال الموقف الصهيوني على حاله في شطب حقوق شعبنا.

ماهر عبد الله: في معرض كلامك هذا، ذكرت أنك أو أن حماس مع أي استرجاع لأي أرض عربية، واضح من مضامين الكلام أن سوريا إذا أعادت شيئاً من الجولان فسيكون بالتفاوض وبالأسلوب السلمي، أفهم من كلامك أنك تؤيد مثل هذا العمل، لماذا تؤيد هذا إذا قامت به سوريا، ولا تؤيده إذا قام به ياسر عرفات؟ أو لماذا لا تعيد حماس النظر في سياستها من الحل السلمي؟ في المحصلة النهائية هناك محاولة لاسترجاع الأرض بأي طريقة، أو أي سبيل ممكن، لماذا يقبل هذا من سوريا، ولا يقبل من ياسر عرفات؟ ولماذا ترفضون -ما زلتم- مبدأ الحل السلمي من حيث المبدأ؟

خالد مشعل: يا سيدي، البندقية، والمقاومة ليست هدفاً بحد ذاتها، هي وسيلة، أعطونا -نحن الفلسطينيين- أعطونا حقنا الكامل في فلسطين، وعند ذلك لن يجد الشعب الفلسطيني ضرورة في أن يحمل البندقية، لكن مادام الحق الفلسطيني مهضوماً، فنحن بالتأكيد ضد إسقاط البندقية، وضد إسقاط خيار المقاومة، الذي جرى في أوسلو، وما بعد أوسلو، لم يكن استعادة للحق الفلسطيني، حتى الأرض التي تم إعادة الانتشار فيها لم يتم تحريرها، وإنما إعادة انتشار، ولا تزال السيادة الحقيقية هي للعدو الصهيوني، نحن الشعب الفلسطيني نريد حقنا، فإذا ما أخذنا حقنا بالوسائل السلمية، فلن نلجأ للخيار العسكري، لكن في ظل البلطجة الصهيونية، في ظل الإصرار -إصرار العدو- مع الدعم الأميركي- على هضم حقوقنا، فمن حق الشعب الفلسطيني أن يخوض المقاومة، وهو حق مشروع خاضته كل شعوب العالم عندما طردت الاحتلال من أراضيها.

ماهر عبد الله: أنا لست ضد الحق المشروع في مواصلة الكفاح المسلح، أنا لا أرى في برنامج حماس السياسي -أو ما يظهر من مواقف حماس السياسية- أي إقرار بالشق الآخر من المعادلة، وهو فتح الباب على إمكانية الحل السلمي كخيار آخر، منظمة التحرير واضحة في ترك الخيار الأول ولجؤوها للخيار الثاني، حماس مصرة على الخيار الأول، دون أي إشارة إلى إمكانية قبولها -كحركة- بفتح الباب على الخيار الثاني.. الخيار السلمي، بأي طريقة حتى، ولو بشروط مغايرة.

خالد مشعل: يا أخي، الحديث عن العمل السياسي، سواء قاد إلى المفاوضات أو غيرها، هذا العمل السياسي عند كل المفهوم السياسي في العالم محكوم بأوراق القوى القائمة على الأرض، لا يمكن أن تتم خطوة سياسية حقيقية جادة، بدون توازن في هذه القوى على الأرض، خذ -مثلاً- نموذج الجنوب اللبناني، هل كان أحد يعتقد أنه سينشأ في الكيان الصهيوني توجه شعبي ضاغط -ومن ثم رسمي- بالقناعة بضرورة الانسحاب من المستنقع اللبناني، هل كان يمكن تتشكل هذه القناعة بغير المقاومة؟ لا يمكن.

الحالة في جنوب لبنان حالة ظهر فيها أهمية المقاومة، في الحالة الفلسطينية، ميزان القوى القائم –حالياً- لا يسمح باستعادة شبر حقيقي من أرضنا، وإنما سيتم ذلك في ظل وصاية صهيونية وهيمنة، ومقابل ثمن باهظ، وهو التخلي عن حقوق شعبنا الفلسطيني، بل نقل المعركة إلى الصف الفلسطيني، أصبحت السلطة الفلسطينية عبارة عن ذراع أمني، تلبي المطالب الأمنية الإسرائيلية، وتضرب شعبها الفلسطيني، لا يمكن الدخول في مثل هذا المستنقع مطلقاً، لكننا –إذا افترضناجدلاً، أنا أقول فرضية نظرية- أنه كان هناك إمكانية لاستعادة الحق الفلسطيني بلا مقاومة، سنرحب بذلك، بشرط أن نستعيد حقنا بالضبط، حق حقيقي، وسيادة حقيقية، ونملك الحرية، لا أن نكون تبعاً للكيان الصهيوني، وهذا في تقديرنا، لا يتحقق إلا إذا تغيرت موازين القوى، وصار هناك قدر من التوازن والاعتدال، وأعتقد لا يتحقق ذلك إلا عبر المقاومة، وعبر وحدة الموقف الفلسطيني، ومن خلفه الموقف العربي والإسلامي.

الآن نحن قبل أن نقدم على خطوة إجبار العدو على التراجع، هناك جهد كبير مطلوب، مقاومة شعبية، صمود، حشد القوى الفلسطينية، حشد الموقف العربي والإسلامي، بغير ذلك الكيان الصهيوني لن يكون مجبراً على التراجع، خاصة أنه لا يجد اليوم دولة قوية، مثل الولايات المتحدة، أو أوروبا، أو أي دولة عالمية، يمكن أن تجبره -ليس على الانسحاب- بل حتى على تطبيق ما وقعه من اتفاقيات سابقة.

ماهر عبد الله: ولكن، هذا الكلام شوية بعيد عن الواقع -بألطف العبارات يعني يمكن وصفه- لأنه أنت تتحدث عن حشد عربي وإسلامي، في الوقت الذي نرى أن التيار العربي والإسلامي يسعى سعياً حثيثاً، ويتحرك بهرولة بالاتجاه الآخر، باتجاه محاولة -لنقل- خلق وقائع جديدة، خلق علاقات جديدة مع إسرائيل، لكن عبر طرق غير المقاومة، وغير التعبئة بمعناها التقليدي.

فيعني كيف ستحشد الرأي العام العربي والإسلامي، في حين أن الغالبية المطلقة من الدول العربية والمسلمة تسير سعياً حثيثاً بالاتجاه الآخر؟

خالد مشعل: وجود هذه الثغرات في الموقف العربي والإسلامي لا تعني البقاء على الحالة الراهنة، أو أن الحال سيستمر على هذه الحالة، ولا تبرر لأي طرف فلسطيني أن يفرط في حقوق الشعب، وأن يقدم على خطوات تعيدنا إلى الوراء، وتكرس الاحتلال الصهيوني، إنما واجبنا نحن الشعب الفلسطيني -ابتداءً- الذين نقف على الخط الأول في المقاومة وظيفتنا، ومهمتنا، وواجبنا أن نقاوم هذا الاحتلال (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك، وحرض المؤمنين، عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا) فنحن واجبنا الشعب الفلسطيني والشعب الفلسطيني لا يقصر، دائماً -بغض النظر عن الوضع العربي أو الإسلامي- هو يدافع عن وجوده، وعن حقه عن حق الشعب، عن القدس والمقدسات، عن الأرض الفلسطينية المباركة، وأنا واثق أن الوضع العربي والإسلامي لن يستمر على حاله من الضعف، أو حاله من التمزق، والتشتت والبعثرة.

الوضع العربي تحت مطرقة الموقف الصهيوني الصارم -الذي لا يتزحزح عن ثوابته- وفي ظل المقاومة الفلسطينية الشجاعة الباسلة المجاهدة، في ظل اشتعال روح الجهاد في فلسطين ضد الاحتلال الصهيوني، أعتقد أن الموقف العربي سيتحسن، وسيتجه باتجاه إدراك مسؤولياته تجاه فلسطين، هذا الوضع الذي نعيشه وضع استثنائي، ولذلك لا يجوز في الحالات الاستثنائية -في ظل وضع طارئ- أن نعقد اتفاقات مع العدو مجحفة، وتشطب حقنا إنما نصبر ونواصل المقاومة، ونتمسك بعمقنا العربي والإسلامي، وعند ذلك أنا أعتقد أن ميزان القوى سيتعدل، وستسمح بإنجاز، أو بتحقيق إنجازات في صراعنا مع العدو الصهيوني.

ماهر عبد الله: أستاذ خالد، أنت تتحدث عن جمود المواقف الإسرائيلية، والصلف الإسرائيلي، وكأن شيئاً في إسرائيل لم يتغير، رغم أنه المراقب للوضع الإسرائيلي يجد تغيرات جذرية تحصل في المجتمع الإسرائيلي، يعني الانتخابات الأخيرة -مثلاً- حطمت عنفوان دعاة أرض إسرائيل الكبرى، الليكود تواضعت مكانته البرلمانية تواضعاً شديداً.

حزب (المقدار) القائم على الاستيطان في المقام الأول، أو المدافع الأكبر عن مصالح المستوطنين –أنا أعتقد أنه- تلقى صفعة قوية جداً، وهذا كان تيار يمثل –تقريباً- نصف المجتمع الإسرائيلي، أرض إسرائيل الكبرى التي لا تطمح –فقط- بأرض 48 والضفة والقطاع، إنما كان عندها طموحات حتى خارج فلسطين التاريخية، هذا التغير لا يمكن تجاهله، ثقافة السلام الآن –أنا أعتقد أنه تجذرت في المجتمع الإسرائيلي، هناك نسبة عالية جداً من الإسرائيليين –أنا أزعم أنها- تؤمن حقاً وحقيقة بالمشروع السلمي، ليس بالضرورة عطفاً على الفلسطينيين، أو شعوراً بالظلم الذي وقع عليهم، وإنما قناعة منهم بأن في هذا حماية إسرائيل، العيش المشترك هو ضمان لأمن الطرفين.

كيف يمكن لحماس أن تصر على مواقفها السياسية، في ظل هذه التغيرات التي يشهدها القاصي والداني في إسرائيل؟

خالد مشعل: وجود خلافات -بل صراعات- في المجتمع الصهيوني بين القوى والطوائف والأحزاب، وتأخذ مسارات عرقية، ودينية، ومن حيث البلاد التي هاجر منها اليهود الصهاينة، هذا صحيح ومعروف، ويستعر، ولعله من الإشكالات التي نشأت في ظل (نتنياهو) إن الاستقطاب زادت حدته في المجتمع الصهيوني، وهذه حقيقة قرآنية (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى) فهذا التمزق موجود صحيح، ولكن هل هذا التمزق والصراع ينحو منحى معسكر السلام -كما يسمى- أو أن ثقافة السلام تطغى في المجتمع الإسرائيلي؟

لا، بدليل –مثلاً- القوى التي تزداد اليوم هي القوى اليمينية، والقوى الدينية، وتأخذ مساحة كبيرة من الحزبين الكبيرين التقليديين: الليكود، وحزب العمل، مؤشر آخر: أن الغلبة –مثلاً- في حزب العمل اليساري هو للصقور وليس للحمائم، بالاتجاه اليميني وليس الاتجاه اليساري، بدليل سقوط (بيريز) –مثلاً- ونجاح باراك، لكن الذي جرى في المجتمع الصهيوني –في تقديري- أن كيان هذا الاحتلال، وقد تعود على عدة انتصارات على العرب في السنوات الأولى من الصراع، وكان يسير بخطى متوالية من أجل تطبيق حلمه، سواء في احتلال كل فلسطين، ثم احتلال أجزاء من العالم العربي، وتطبيق شعاره "أرض إسرائيل من الفرات إلى النيل".

ويبدو أنه في اللحظة التي استطاب له هذا الحلم، وشعر بالقدرة والتفوق لتحقيق ذلك، وبعد هزائم منكرة -خاصة هزيمة 67- نشأت حالة في العالم العربي لم تكن في حسابات الصهاينة، حصلت هناك نهضة عربية إسلامية، حالة صحوة إسلامية، وحرب أكتوبر –رمضان 73 أعطت مجرد لمحة كيف يقاتل العربي عندما يكون مؤمناً، ومتمسكاً بحقه، ومرتبطاً بربه، وتعود له الثقة بالنفس -بعد الثقة بالله وتعالى- هذه الحالة -في تقديري- دفعت القادة الصهاينة إلى إعادة النظر في التكتيك، كيف يصلون إلى أهدافهم الكبرى؟

فإذا كانت المعركة العسكرية، والتوسع على الأرض يستثير العاطفة والحمية العربية الإسلامية في الأمة، ويجمع الأمة في مواجهة هذا المشروع، وأصبح الإسلام حاضراً في العقل والوجدان العربي، بل حاضراً في المعركة، عند ذلك دفعت الصهاينة إلى إعادة النظر في التكتيك، والبحث عن خيارات

أخرى، ومنها خيار التسوية، ولعل –حتى- قادة الأميركان (نيكسون)، وأمثاله في بعض كتاباتهم وتصريحاتهم تحدثوا عن كون التسوية في المنطقة ضرورة ليس حفاظاً على الحق العربي، ولكن حفاظاً على الكيان الصهيوني، ولتبريد الصراع حتى لا تتوحد الأمة العربية والإسلامية، وتحشد في مواجهة هذا الكيان الغازي الغريب عن الأمة.

أعتقد هذا هو الذي استجد في العقل الصهيوني، والعقل الغربي الداعم له، ولذلك لجؤوا إلى خيار التسوية للقفز على هذه العقبة، ولتبريد الصراع، ولنزع فتيل التحشد العربي الإسلامي في مواجهة هذا المشروع، وبالتالي الذي تغير هو التكتيك وليس الجوهر، في تقديري، المطامع الصهيونية في الأرض العربية لا تزال قائمة، لكن تتغير أدواتها، بدل البندقية أو الدبابة.

هناك الهيمنة الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك فالهيمنة العسكرية لم تلغ بعد وستبقى هي الذراع الذي يلجأ إليها الصهاينة، وبدليل إنه حتى عندما الكيان الصهيوني دخل اتفاقية السلام فتطلعاته ومطامعه في الأرض العربية لم تتوقف، في مصر لم تتوقف، أطماعه في مصر في النيل.. استهدافهم للنيل، في الأهرامات، عندما جاؤوا إلى الأردن بدؤوا يبحثون عن كل موقع تاريخي يدعون نسبته إلى أنبيائهم، أو إلى أسلافهم.

ماهر عبد الله: يعني هذا قد يكون له من يمثله داخل السياسة الإسرائيلية، وداخل التيارات الثقافية، وحتى السياسية، أو الدينية في إسرائيل، ولكن هل هذا يعبر بالضرورة عن التوجه الإسرائيلي العام؟ يعني في الصف العربي والإسلامي هناك حركات متطرفة تتحدث باسم الإسلام بين الفينة والأخرى، وبالعكس تمارس العنف، وتسيء للإسلام أكثر مما تسيء إلى أي شيء آخر، ليست بالضرورة هي المعبر عن التوجه الإسلامي العام، تماماً مثلما أن هناك حركات في إسرائيل عنصرية شوفينية، مغرقة في يمينيتها، مغرقة في بغضائها للعرب، ربما مغرقة في حرصها على السيطرة العسكرية والاقتصادية، لكن هناك تيارات أخرى يبدو أنها هي التي بدأت تعم في المجتمع الإسرائيلي، يعني ثاني أكبر حزب اليوم في البرلمان الإسرائيلي –أو ثالث أكبر حزب- حزب (شاس) له موقف من الصهيونية، هو ليس صديقاً للعرب، لكن له موقف من الصهيونية لا يختلف عن مواقف كثير من الإسلاميين والعروبيين في الساحة العربية لأنه ببساطة شرقي الهوية، ويعتقد أن الحركة الصهيونية أسست لخدمة البيض من اليهود، هذا عامل قبل 15 سنوات لم يكن فاعلاً في الساحة الإسرائيلية، عرب 48 كرصيد –ربما- للقضية للشعب الفلسطيني، كامتداد طبيعي له، رؤيتهم للسياسة الإسرائيلية وللمجتمع الإسرائيلي اختلفت، فالجدل الدائر هذه الأيام عن لماذا لم نعط، ولا حقيبة وزارية؟ قبل عشر سنوات هذا الكلام كان من المحرمات.

بل إن بعض الإسلاميين داخل عرب 48 يطالب بالمشاركة السياسية، بعضهم مشارك بالبرلمان، وبعضهم عنده طموحات في الحكومة، كل هذه المتغيرات تجري ومع ذلك حماس -والإسلاميون عموماً- ما زالوا مصرين على نفس الموقف، ومواجهة إسرائيل بنفس الطريقة، كيف تفسر هذا؟

خالد مشعل: يعني أثرت جملة قضايا تحتاج إلى تناول من زوايا مختلفة، الإغراق في التفاصيل هذه لنرسم منها رؤية مبنية على مجرد هذه التفاصيل، أعتقد توصلنا إلى استنتاج خاطئ، نعم رصد هذه التغيرات –هنا وهناك- مهم، ونحن نرقبها جيداً، وكل سياسي ينبغي أن يلمس التغيرات ويلمس فروق الألوان المختلفة، ولكن ينبغي ننظر في النهاية محصلة المسار الصهيوني بأي اتجاه، هذا هو الذي يعيننا.

القرار السياسي عندما يتخذ -سواء في ظل قيادة ليكودية، أو قيادة عمالية- في أي مسار يتجه، هل هو –فعلاً- ترجمة لبعض هذه المتغيرات، وهو باتجاه السلام مع العرب أو الفلسطينيين؟ أعطيك أمثلة، على الصعيد الفلسطيني، في ظل نتنياهو كان الموقف الصهيوني واضحاً في أنه يقفز عن كل الاتفاقيات، ولا يحترمها، وبالتالي ليس هناك إيمان حقيقي بموضوع التسوية والتعايش مع العرب، في ظل حزب العمل سابقاً والآن في ظل باراك ما الذي يجري؟ باراك يعلن عن لاءاته الأربعة ثم أضاف لها لاء خامسة، وهو يفرضها حتى على الوسيط الأميركي –وهذه صورة غريبة- وبالتالي الموقف الإسرائيلي –عملياً- هو موقف ضد السلام مع العرب هو.. الصهاينة يريدون الأمن، ويريدون السلام لأنفسهم، ويريدون الأرض في ذات الوقت.

هو يشطب حق الشعب الفلسطيني في القدس، يشطب حقه في العودة، يشطب حقه في السيادة على الأرض، والسيادة على المعابر، حتى المياه في منطقة الضفة الغربية، وغزة، يعتبرون المياه الجوفية وغيرها هي حق إسرائيلي ينبغي أن يتم التفاوض عليها، هذا عن الموضوع الفلسطيني.

خذ الموضوع العربي، هل يمكن أن نقرأ الموقف الصهيوني على أنه يبحث عن سلام مع العرب بينما هو يهدد العراق، ويهدد إيران، ويهدد مصر من خلال منابع النيل، ويتآمر مع إريتريا في جزر حنيش ضد اليمن؟!

هذا الذراع العسكري الصهيوني الذي يوسع (بيكاره) ليشمل مساحة ضخمة من الأمة العربية، ويعتبر كل نهوض عربي إسلامي سواء كان في باكستان، أو حتى ماليزيا أو في منطقة الشرق الأوسط يعتبرها خطر عليه، أنا لا أعتقد إنه هناك تحول.. ليس هناك تحول.. بالتأكيد ليس هناك تحول حقيقي في الموقف الصهيوني، ولكن الذي يتغير هو التكتيك، لكن داخل المجتمع الصهيوني.. نعم هناك خلافات، وهناك صراعات، هناك قوى ليست دينية، ولكنها يمينية في موقفها السياسية، هناك قوى مثل شاس قوى دينية وشغولة بالمفردات الدينية التعبدية والسلوكية، وليست معنية بالموضوع السياسي، وحتى الخلاف في الحركة الصهيونية منذ نهاية القرن التاسع عشر، كان هناك خلاف بين اليهود حول هل الحركة الصهيونية هي المسار الصحيح المتفق مع النصوص الدينية عندهم التوراتية والتلمودية، أم لا؟ وهناك أطراف رفضت مسيرة الحركة الصهيونية.

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: الفرق هنا إنه.. أنا أعتقد أنه حتى الرئيس ياسر عرفات حريص على إرجاع فلسطين -كل فلسطين- كحلم مثله مثل خصمه، أو صديقه الجديد الإسرائيلي، أيضاً عنده حلم إسرائيلي في أرض -ربما- أكبر مما بين النيل والفرات، لكنه قادر على الفصل بين ما يحلم بتحقيقه، وما يستطيع تحقيقه، ولأنه السياسة فن الممكن، فهو يعمل ضمن المتاح، لماذا الإسلاميين لا يستطيعون الفصل بين ما يريدون فعلاً تحقيقه، ما يحلمون بتحقيقه، وما يستطيعون حقاً وحقيقة تحقيقه؟

خالد مشعل: أنا مدرك لهذه القضية، خذ الموقف الصهيوني بين حلمه وواقعه، الحلم الصهيوني قد نختلف فيه في هل لا يزال الصهاينة يتمسكون به، أو تخلوا عنه؟ نحن في قناعتنا لم يتخلوا عنه، لكن خذ الواقع الصهيوني، هل الواقع الصهيوني هو واقع سلام؟ هل الواقع الصهيوني هو واقع تعايش؟!

اتفاق (واي بلانتيشن) الذي جاء وفق المقاسات الصهيونية، وتفاخر به نتنياهو أنه أنجز ما لم ينجز حزب العمل مع الفلسطينيين، نتنياهو تراجع عنه، وباراك الذي وعد بتطبيقه في حملته الانتخابية هاهو يتراجع عنه، ويريد أن يعدل الخرائط والنسب، وأن يطبق جزءاً منه، بينما يتراجع عن جزء، ثم يلحق كل هذه العملية بمفاوضات الوضع النهائي، أنا لا أتكلم عن الحلم الصهيوني.

أنا بأتكلم عن الواقع الصهيوني، وهو واقع عسكري، خذ زيارة باراك للولايات المتحدة الأميركية، الأصل لو كان الناخب الصهيوني انتخب باراك من أجل السلام مع العرب، الأصل إنه كان –برأيي- يسلك سلوكاً يعبر عن هذه الحقيقة، ولكنه ذهب للولايات المتحدة، وعاد ببرنامج حرب، برنامج تسلح ليس فيه من السلام إلا مجرد وعود، أنه سيتحرك في المسارات، وحدد خمسة عشر شهراً لذلك، ولكن خمسين طائرة (F-16)، برنامج دعم سلاح صواريخ (آرو)، دعم مكافحة الإرهاب والقدرة الإسرائيلية في ذلك، برنامج دفاعي، زيادة المساعدات العسكرية للدخول في البرنامج الفضائي.

فالحقيقة نحن… وبالتالي حماس لا تعيش حالة (طوباوية) حماس تعيش الواقع، أنا أعتقد دعاة التسوية المتهالكة، دعاة الهرولة، دعاة أوسلو وملحقات أوسلو، هم الذين يعيشون حالة وردية، حالة من الخيال والحلم الذي لا صلة له بالواقع، لا يجوز أن أتعامل مع عدو يتسلح كل يوم، ويشطب حقوقي، بينما أبقى أنا أتكلم بنفس المفردات قبل خمس سنوات أو ثمان سنوات.

ماهر عبد الله: هل أستطيع أن أفهم من هذا الكلام، أننا سنرى في الأيام القادمة عودة حماس لممارسة نشاطها المسلح، وعملياتها العسكرية؟

خالد مشعل: أعتقد من حق الشعب الفلسطيني -ما دامت أرضه محتلة، وحقوقه مهضومة- أن يقاوم هذا الاحتلال بكل الوسائل المشروعة، وفي مقدمتها الجهاد والمقاومة، ولا يستطيع أحد أن ينتقص من حق حماس والشعب الفلسطيني إلى أن تتحقق أهداف شعبنا في التحرير، والعودة، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية الحرة المستقلة.

ماهر عبد الله: هل سنرى عواقب ذلك في المستقبل القريب؟

خالد مشعل: هذا البرنامج برنامج مستقر وثابت في برامج حركة حماس، وأما توقيتاته وتفاصيله، ومفرداته، فمعني به الجناح العسكري للحركة كتائب عز الدين القسام.

ماهر عبد الله: سيد خالد مشعل، شكراً لك على هذا اللقاء.

خالد مشعل: شكراً لكم.

ماهر عبد الله: أعزائي المشاهدين، إلى أن نلقاكم في لقاء آخر، هذه تحية، والسلام عليكم ورحمة الله –تعالى- وبركاته.