قال الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي إنه من الخطأ تعريف السياسة بأنها "قذرة"، فكما هناك حكام وسياسيون اعتمدوا على وسائل غير شريفة للوصول للحكم، ولم يقدموا أي شيء لشعوبهم، يوجد في المقابل سياسيون مارسوا السياسة بشرف، وناضلوا من أجل شعوبهم، والتزموا بتعهداتهم بعد وصولهم للسلطة.

وخلال مشاركته في الجزء الأول من حلقة برنامج "المقابلة" بتاريخ (2017/2/9)، أكد المرزوقي أن الاستبداد يبدأ بمستبد عادل يملك مشروعا وطنيا، ومع مرور الوقت يزيد استبداده ويقل عدله، لكن الأخطر هو أن هذا المستبد ربى حوله مجموعة من المرتزقة والمنتفعين والانتهازيين، وهؤلاء هم الذين يرثون هذا الديكتاتور عندما يموت، فيتحول الاستبداد العادل إلى الاستبداد الفاسد.

وحول موقفه السياسي، قال المرزوقي "أنا أرى نفسي عربيا ومسلما في المقام الأول، لكن أن تكون مسلما ليس بالضرورة أن تكون عضوا في تيارات الإسلام السياسي، فأنا اعتقد بأن الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى كالديمقراطية وحقوق الإنسان أمر مفيد للأمة الإسلامية، ولا يخالف الإسلام، وهذا لا يجعلني أتنكر لديني وتاريخي".

ورفض المرزوقي فكرة الحرب الأيديولوجية بين الإسلاميين والعلمانيين، وعدّها مشكلة مفتعلة، رغم أن الشعوب العربية متعددة ولها روافد سياسية وثقافية متعددة، مشددا على ضرورة أن نتعلم كيف نحكم بلادنا ونتعايش مع بعضنا البعض ونحل مشاكل الفقر والاستبداد.

وردا على سؤال حول تطور فكره السياسي، أشار المرزوقي إلى أنه وُلد في أسرة وطنية، ولاحقا اكتشف القومية العربية، وانخرط في هذا التيار، لكنه اكتشف بعد ذلك أن القومية أصبحت أداة موالاة ليس للأمة أو اللغة العربية، بل لأنظمة مصرية أو سورية أو عراقية أو ليبية، "فأصحبت أرى نفسي عروبيا غير قومي، ثم شيئا فشيئا اكتشفت أن أحد أسباب مشاكلنا هو الاستبداد، فأصبحت عروبيا غير قومي ديمقراطيا".

تجربة المعتقل
وفي قضية أخرى، تطرق المرزوقي إلى فترة اعتقاله عام 1994، حيث قال إنه كان رئيسا لرابطة حقوق الإنسان، وكان شوكة في حلقة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، فدبّر له عملية انقلاب وأخرجه من الرابطة، فأعلن نيته منافسة بن علي في الانتخابات الرئاسية، لكن النظام حرمه من الترشح بتهمة سرقة سيارة، وعندما انتهت فترة الانتخابات دخل السجن الانفرادي دون تهمة أو محاكمة.

ومضى قائلا "لم أتعرض لتعذيب بدني، لكن التعذيب النفسي في زنزانة انفرادية وصغيرة كان قاسيا جدا، فأنت لا تعرف مصيرك، وتشعر بالخوف على عائلتك، لكنني خرجت بعد أربعة أشهر بعد توسط رئيس جنوب أفريقيا الراحل نيلسون مانديلا".

وأشار المرزوقي إلى أنه كان يقول خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات للحبيب بورقيبة وبني علي سيرا على درب الإصلاح ونحن معكم، وفي بداية عام 2000 اكتشفت أن هذه الأنظمة لا أمل فيها، وبعد الربيع العربي عادت بقايا تلك الأنظمة للحكم مرة أخرى، ونحن نقول لهم "الشعوب لم تعد تحتمل الاستبداد والفساد، ويجب أن تسيروا في طريق الإصلاح قبل أن ينفجر الشعب مرة أخرى".

وأعرب المرزوقي عن رضاه عن أدائه خلال فترة رئاسته البلاد، مؤكدا أن استقباله بالورود من قبل أنصاره بعد تركه الرئاسة، وبقاءه في بلاده هو دليل على نجاحه، مشيرا إلى أن الرؤساء العرب عندما يغادرون مقاعد الرئاسة فإن مصيرهم يكون إما السجن أو المنفى في أحسن الأحوال.

وردا على سؤال: لماذا نحن متخلفون؟ أجاب "هذا أصعب سؤال أحاول الإجابة عنه منذ سنوات، واعتقد بأن هناك أسبابا عدة؛ نحن نتحمل بعضها ولا نتحمل الجزء الآخر"، مشيرا إلى أن أحد أهم أسباب تخلف الدول والمجتمعات العربية هو عدم تقبلها فكرة التعددية، وأنها لم تستطع حتى الآن أن تقيم نظاما سياسيا فعالا تستطيع أن تتعايش فيه، ولم تقبل أن تكون نظاما ديمقراطيا، وبقيت تتعامل مع الحكم كغنيمة حرب للحاكم وعائلته؛ و"بالتالي نحن مطالبون بثورة فكرية قبل الثورة السياسية".