أكثر من ثلاث سنوات مرت على ثورات الربيع العربي، تصاعد خلالها منحنى التطرف في مختلف التيارات السياسية والفكرية وسط اتهامات بالتطهير العرقي ودعوات إلى تصفية المعارضين للأنظمة الحاكمة.
ففي العاصمة العراقية بغداد يجأر النائب عماد يوخنا بالشكوى من تعرض المسيحيين لممارسات ترقى إلى التطهير العرقي، وذلك بعد قيام ما دعاها "مليشيات خارجة عن القانون" بالاستيلاء على بيوت المسيحيين في بغداد، يجري هذا بينما تخفت أصوات قوى الاعتدال الداعية لمصالحة بين مكونات الشعب العراقي كافة.
أخبار مقترحة
وفي القاهرة يدعو لواء سابق في القوات المسلحة إلى تصفية الإخوان المسلمين، وتعلو أصوات أخرى لتبرير التصفية المعنوية والجسدية لمعارضي انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013 بالتزامن مع تراجع دعاة التوافق والتقارب بين الإسلاميين والعلمانيين.
حلقة السبت (11/7/2015) من برنامج "حديث الثورة" رصدت تصاعد منحنى التطرف في أوساط مختلف التيارات الفكرية والسياسية بدول الربيع العربي، وناقشت أسباب هذه الظاهرة وتداعياتها.
العودة للبدايات
بشأن هذا الموضوع يرى فواز جرجس أستاذ العلاقات الدولية ومدير مركز الشرق الأوسط في جامعة لندن أنه لفهم ما يحدث حاليا في دول الربيع العربي لا بد من العودة للتذكير بالبدايات التي شهدت خروج ملايين المواطنين العرب إلى الشوارع بكافة أطيافهم ومشاربهم السياسية والأيديولوجية للمطالبة بالكرامة والحرية والعدالة.
واعتبر جرجس أن التحول الذي حدث ليس غريبا بل كان متوقعا، لأن الثورات كانت تلقائية ولا تملك مشروعا وطنيا للتغيير، وكان التوافق بين الأطياف السياسية اتفاقا سلبيا وليس إيجابيا، ولم يكن هناك مشروع وطني للتغيير أو اتفاق على هوية الدولة.
ووصف أستاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن أن النخب السياسية العربية بكل أطيافها "نخب انتهازية" تتصارع على السلطة وليست لديها ثقافة التعددية والديمقراطية، مشيرا إلى أن الليبراليين في مصر على سبيل المثال تخلوا عن القوى الإسلامية في لحظة فارقة، مما كشف أنهم لا يعرفون الحوار مع الآخر.
وأضاف أن الثورات المضادة لعبت دورا بارزا في وصول دول الربيع العربي للوضع الحالي، بمحاولة وأد هذه الثورات في مهدها وتحويلها إلى حروب أهلية مدمرة كما في سوريا والعراق واليمن، وهي حرب لا تدمر فقط البنية التحتية للبلاد وإنما تدمر كل شيء بما فيه النسيج الاجتماعي.
وحذر جرجس من أن العالم العربي يمر بمرحلة تاريخية خطيرة للغاية، وقال إن التاريخ يكرر نفسه وهو ما قد يعني أن هذه الحالة قد تستمر لسنوات طويلة.
الثورات المضادة
أما أستاذ الأخلاق السياسية ومقارنة الأديان في كلية قطر للدراسات الإسلامية محمد المختار الشنقيطي فلا يرى أن الإسلاميين الذين تولوا الحكم عقب ثورات الربيع العربي يستحقون اللوم، لأنهم لم يحكموا ولم يتح لهم أن يحكموا، لأن الثورات صودرت وطغت عليها الثورات المضادة.
وأضاف أن حالة الاستبداد الحالية في الكثير من دول الربيع العربي هي "حرب أهلية مؤجلة، وكلما طالت كان الانفجار أقوى"، مؤكدا أن المستبدين قرؤوا الثورات قراءة سطحية واعتبروها سحابة صيف ستمر، ولم يدركوا أنها بركان يمكن أن يحطم الأخضر واليابس.
وتابع الشنقيطي أن الحكام العرب الذين أطاحت بهم الثورات لم يدركوا أن الثورات كانت تحولا طبيعيا للتاريخ، ولذلك جاءت أقوالهم على شاكلة "من أنتم؟" و"فاتكم القطار".
أما عن خفوت أصوات الاعتدال فيفسره أستاذ الأخلاق السياسية بأن سببه الثورات المضادة التي تغتال الاعتدال، معتبرا أن تاريخ الثورات في العالم يشهد على ذلك، لكن الأغبياء وحدهم من يكررون ذلك، بحسب وصفه.
نخب انتهازية
من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز خليل العناني أن النخب الليبرالية أثبتت أنها نخب أنانية وتمارس الاستئصال والإقصاء للغير أكثر من النخب الإسلامية.
وقال إنها تحالفت مع العسكر في مصر لتحقيق هدف واحد هو إقصاء الإسلاميين، ثم اختفت بشكل كامل عن المشهد السياسي بعد الانقلاب على الرئيس المعزول محمد مرسي.
وأضاف العناني أن النخب الليبرالية في مصر عادت لتحالفاتها القديمة في محاولة لاستعادة نفوذها السابق، وهي تراهن دائما مع الفائز وهو في الوقت الحالي الأنظمة السلطوية لتثبت أن معظم القوى المدنية في مصر أقرب إلى العسكر منها للقيم المدنية والليبرالية.

