مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

د. يوسف القرضاوي

تاريخ الحلقة:

28/09/2003

- نعي القرضاوي للمفكر إدوارد سعيد
- أولويات الأمة الإسلامية بين الحوار الداخلي والخارجي

- تأثير الخلاف التاريخي على التقريب بين المذاهب

- حسن الفهم ودوره في التقريب بين المذاهب

- الأهداف الحقيقية للحوار والتقريب بين الأديان والمذاهب


ماهر عبد الله: سلامٌ من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

موضوعنا لهذا اليوم سيكون عن الحوارات التي تقوم للتقارب بين المذاهب الإسلامية.

من مفارقات السنوات الأخيرة التي عشناها أنه في الوقت الذي علا فيه الحديث وارتفع فيه الصوت متحدثاً ومطالباً بالحوار بين الأديان كانت للأسف الشديد أصوات المعارك هي التي حسمت الأمور، قُدِّم الصراع العسكري المباشر على كل أنواع الحوار الأخرى، بل إن البعض اعتبر أن الصراع العسكري هو جزء من الحوار الذي يدور، هو نوع من أنواع الحوار وإن كان عنيفاً وبغيضاً ومرفوضاً، يُعسَّل لنا بعض الكلام بالحديث عن حوار أديان، عن حوار ثقافات، في حين أن اللغة الوحيدة التي يبدو أن علينا أن نستقبلها هي لغة الحرب ولغة القتال، أن نكون نحن الذين نتلقى ويلقَى علينا الحِمل.

لكن السؤال عن حوار الأديان فتح سؤال آخر لعله قد يكون أَوْلَى، لعله قد يكون أهم أو على الأقل أكثر نفعاً، ذلك هو حوار الضعفاء -إذا جاز التعبير- فالأمة الإسلامية أمة ضعيفة محاصرة.

لكن كل هذا الحصار وكل هذه الحرب المعلنة عليها، لم تفتح آفاقاً حقيقية لأن تتعرف الأمة على نفسها، لأن تتحاور مع ذاتها، لأن تتحاور فيما بينها وبين نفسها بمذاهبها بطوائفها، بحتى جغرافيتها مازالت الشوفينية القُطرية، مازالت آمال الوحدة تبتعد عنا أكثر مما تقترب، وإن كان هناك مؤشرات على غير هذا.

في الأسبوع الماضي عُقد مؤتمر للتقارب بين المذاهب وبين الأديان كان من الشخصيات التي حضرته فضيلة أستاذنا وإمامنا الدكتور القرضاوي، وهو يعني ذو باعٍ طويل في مسألة الحوار، شارك في العديد من المؤتمرات حول حوار الأديان، وقطعاً له وجهة نظر في قصة حوار المذاهب الإسلامية بعضها مع بعض، بل إن آراءه في مسألة التقارب جلبت له من المتاعب أكثر مما جلبت له ربما من نتائج عملية، وهذه أحد مآسي الأمة.

لكن قبل الخوض في موضوع الحلقة التقارب بين الأديان، ودَّعت الأمة العربية والإسلامية على اعتبار أن كل من يعيش بين ظهرانينا هو جزء من.. من هذا التعريف العام للأمة، ودعت إدوارد سعيد (المفكر المسيحي العربي) الذي ساهم كان رجلاً جلس على البرزخ بين حضارتين بين ثقافتين، كان مسيحي الدين، ولكنه دافع عن الإسلام في الولايات المتحدة كما لم يدافع الكثيرون من المسلمين، وأنا أعتقد من.. من السنن الحسنة التي سنَّها الدكتور القرضاوي في هذا البرنامج أن يشير إلى بعض مساهمات بعض المفكرين الذين خدموا الأمة من حيث هي أمة. سيدي، تفضل.

نعي القرضاوي للمفكر إدوارد سعيد

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين وأزكى صلوات الله وتسليماته على من بعثه الله رحمة للعالمين وحجة على الناس أجمعين، سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين، وبعد:

فقد ودعت الأمة فعلاً هذا الرجل الكاتب المفكر الذي عاش لأمته ولقضيتها رغم بعده عنها من الناحية المكانية، فقد كان يعيش في أميركا بجسمه، ولكن عقله وقلبه وفكره ووجدانه كان مع أمته، إدوارد سعيد الحقيقة رجل كان مخلصاً لقضيته، وكتبه التي كتبها ومنها كتابه الفذ عن الاستشراق الحقيقة الذي حلَّل فيه الاستشراق وأهدافه ودوافعه ومضامينه يعني كان بهذا سبَّاقاً في هذه الناحية، ومواقفه مع القضية الفلسطينية يعني مواقف لا ينبغي أن تُنسى، وينبغي أن نعطي كل ذي حق حقه، خصوصاً نحن نعتبر يعني أهل الكتاب يعني لهم صفة خاصة عندنا نحن المسلمين، وخصوصاً النصارى أو المسيحيين منهم (لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى)، وخصوصاً العرب منهم، يعني إحنا بنعتبر المسيحيين العرب مسلمين بالثقافة والحضارة، وكان هنا منذ سنوات يعني يمكن حوالي عشرين سنة أو كذا، كان هنا الدكتور لويس عوض له ندوة مع الدكتور عبد القادر القط هنا في قطر، وكان الذي يقدم الندوة هو الأديب المعروف الأستاذ الطيب صالح، وبعد الندوة يعني طلب مني أن أُعلِّق على الندوة، فأنا يعني قلت يعني للويس عوض رغم يعني مواقفه المعروفة، قلت إن المسيحيين في بلادنا هم مسلمون بثقافتهم وحضارتهم وإن لم يكونوا مسلمين بالديانة والعقيدة، مسلمون بالثقافة والحضارة، هذا عبَّر عنه المسيحي المصري المعروف الزعيم مكرم عبيد، قال: أنا نصراني ديناً، مسلم وطناً، يعني هو وجوده في وطن الإسلام ودار الإسلام جعله مسلماً، ودا اللي بنسميه إسلامي الثقافة والحضارة، وكثيراً ما تقرأ لكُتَّاب مسيحيين ولمفكرين مسيحيين ولشعراء وأدباء مسيحيين كلاماً في مدح الإسلام ومدح محمد -عليه الصلاة والسلام- يمكن أكثر حماساً من بعض المسلمين، كان من هؤلاء الأستاذ فارس الخوري الذي كان رئيساً لوزراء سوريا، كان من.. من أكثر الناس حماساً للشريعة الإسلامية ولتطبيق الشريعة الإسلامية، ولهذا يعني نحن نقول إن إدوارد سعيد لم يكن مسلماً بعقيدته وديانته، ولكنه كان مسلماً بثقافته وحضارته وعيشه في قضايا أمته، ونسأل الله أن يعوِّض الأمة عنه خيراً.

أولويات الأمة الإسلامية بين الحوار الداخلي والخارجي

ماهر عبد الله: لو عدنا لموضوع حديثنا وهو كان أحد من.. من.. من كتبه كان تغطية الإسلام، عندما قامت الثورة الإيرانية رصد الطريقة التي غطَّى بها الإعلام الأميركي أحداث العالم الإسلامي، أهم ما يميز الكتاب وله علاقة بموضوعنا، إنه الغربي خصوصاً عندما ينظر إلى هذه الأمة كعدو لا يميز بين فسيفسائها الداخلي في المحصِّلة النهائية تماماً كما يخشى المسلم من المبشِّر لا.. لا يتوقف كثيراً عند كونه لهذه الملة أو هذه الطائفة المسيحية أو.. أو.. أو تلك.

سيدي، شاركت في الكثير من المؤتمرات حول حوار الأديان، مؤخراً شاركت ولم يكن هذا المؤتمر الأول، ونرجو ألا يكون الأخير حول حوار المذاهب الإسلامية بعضها، باعتقادك في هذا الجو الذي نعيش.. في هذه المرحلة أيهما أولى الآن حوار الأديان هذا مع الآخر الخارجي أم الحوار الداخلي مع الذات؟

د. يوسف القرضاوي: نحن المسلمين مأمورون بالحوار مع من يخالفنا، القرآن يقول: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) جادل المخالفين، حاورهم بالتي هي أحسن، وإذا كان هذا مأموراً به في حق غير المسلمين، فأولى أن يكون بين المسلمين بعضهم وبعض، الحوار الداخلي، حوار الذات، حوار مع النفس، هذا مطلوب، يعني لا يجوز إن إحنا نهتم بأن نحاور الآخرين لنقترب منهم ويقتربوا منا، ونحن في داخلنا منقسمون وممزقون.. ممزَّقون، فهذا ما يجعل يعني قضية الحوار بين المذاهب والتقريب بين المذاهب له أولوية، ونجد فقه الأولويات يقدِّم الأمور بعضها المهم على.. الأهم على المهم، والمهم على غيره، فإذا كان الحوار بين الأديان مهماً، فالحوار بين المذاهب الإسلامية والفرق الإسلامية والطوائف الإسلامية هو أهم وأولى..

من ناحية أخرى، نحن يعني نرى أن الإسلام يدعو إلى التوحيد، وإلى أن تكون الأمة يداً على من سواها يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا)، (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ)، (وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)، كل.. كل هذه آيات (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ).

الرسول يقول: "لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"، فالتعاليم الإسلامية تفرض علينا أن نتحد، وخصوصاً في أوقات الشدائد، يعني الأمة يمكن في حالة الرخاء والعافية والانتصار يعني يمكن إنها تنقسم، إنما الشدة والخطر يجمع المتفرقين ويوحِّد بين المختلفين ويقرِّب بين المتباعدين، ولذلك شوقي -رحمه الله- يقول يعني في قصيدته الشهيرة، فإن يك الجنس -يخاطب الحمام- يقول:

فإن يك الجنس يا بن الطلح فرقنا
إن المصائب يجمعن المصابينا

يعني فنحن أولى بأن.. من ناحية يعني أخرى نحن نرى العالم يتقارب بعضه مع بعض، يعني انظر إلى أوروبا كم حدث بين البلاد الأوروبية بعضها وبعض من حروب وصراعات، قروناً، بعض هذه الصراعات مذهبية، كاثوليك مع بروتستانت، القومية، هؤلاء مع هؤلاء، القومية الألمانية مع القومية الأخرى أو الإيطالية مع الكذا، يعني أحياناً بعض حروب مصالح وسياسات، وآخرها الحربان العالميتان الآخرتان التي حصدت ملايين من الأوروبيين، بعضهم قتل البعض، ثم رأوا من الحكمة ومن المصلحة أن يتناسوا هذا التاريخ الدامي والأسود، وأن يضع كل منهم يده في يد صاحبه، وأن يتحدوا سياسياً ويتحدوا اقتصادياً، ويتحدوا برلمانياً، ويتحدوا.. وأصبح لهم يعني اتحاد أوروبي وعملة واحدة وبرلمان واحد وكذا، وتنتقل من بلد إلى بلد لا.. لا يسألك أحد، الله! لماذا يتقارب العالم ونحن.. حتى اليهود والمسيحيون كانوا أعداء طوال التاريخ، من سنوات أصدر الفاتيكان وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح، واقترب اليهود من المسيحيين، واقترب الكاثوليك من البروتستانت، ويعني على كل المستويات يعني تقارب ديني، وتقارب جغرافي، وتقارب مصلحي إلا المسلمين فهم الذين يتباعدون للأسف الشديد.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: مرحباً بكم مجدداً في هذه الحلقة من برنامج (الشريعة والحياة) التي بإمكانكم أن تشاركوا فيها معنا بعد قليل إما على رقم الهاتف: 4888873، أو على رقم الفاكس: 4890865 أو على الصفحة الرئيسية (للجزيرة نت) على العنوان التالي: www.aljazeera.net

سيدي، لكن أوروبا هذه التي تحدثت عنها توحدت بعد أن أقرت أيضاً بخلافاتها، يعني لم يتناسوا ما بينهم من خلافات، غضوا الطرف عمَّا يختلفون عليه، في حين عندما نتحدث عن.. عن حوار، بعض الأحيان على الأقل ما.. ما يكتب وما نسمعه من بعض حتى الذين يشاركون، هو لا يذهب للحوار بنية أن يعترف بوجودك معه، لا يذهب إلى الحوار بنية أن.. أن يقرك بما أنت عليه، هو يذهب للحوار بنية أن.. أن يقنعك بأن تلتحق به، يعني فيه.. فيه خلط بين حوار قائم بين طرفين ندين، وبين دعوة إلى التوحُّد تبشير بما عندي لتلتحق بي، في المؤتمر الذي.. الذي شاركت فيه، أي الروحين كانت هي الغلاَّبة أن يتحاور مختلفَين مع إدراكهما للاختلاف أو الدعوة للالتحاق بالآخر؟

د. يوسف القرضاوي: لأ، هو الدعوة للتقريب، معنى التقريب يعني أيه؟ يعني أن يقترب بعضنا من بعض، فيه تجافي، فنحن نريد أن نزيل هذه الجفوة، ليس المراد بالتقريب أن يصبح السُني شيعياً، أو يصبح الشيعي سُنياً، إن هذه المذاهب يعني طالت عليها الآماد واستمرت قروناً، وليس من السهل أن يتحول الإنسان عن مذهب نشأ عليه واستمر عليه، فهذا يعني ليس من الأمر، إنما نحن نريد أن نتفق على أشياء معينة تقرِّب بعضنا من بعض، وتصلح ذات البين، فيه ما سماه الحديث فساد ذات البين، الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: "فساد ذات البين هو الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين"، ونحن نريد أن نصلح (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)، أعداء الأمة لا يريدون أن يقترب بعضهم من بعض، نحن نعلم أنه هؤلاء الأعداء يريدون تفريق الأمة بكل وسيلة، يعني فيه بلد.. مثلاً مسلم ومسيحي، ما فيش مسلم ومسيحي، يبقى عرب وأكراد أو عرب وبربر، ما فيش اختلاف عرقي، يبقى سُني وشيعي، ما فيش اختلاف مذهبي يبقى يميني ويساري أو قومي وإسلامي، يعني.. لابد أن يوجدوا.. يعني فلسطين الوقتي دي مش بلد واحد، وكلها في معركة واحدة وعدو واحد مشترك، لأ فيه بقت سلطة ومعارضة، ويريد أن يضرب بعضهما بعضاً، وإن السلطة عليها إنها تصفي المقاومة وتجردها من السلاح، يعني هم لا يريدونا أن نتفق أبداً، فرِّق تسد، وينبغي أن نكون نحن أعقل منهم وأحكم بحيث نفوِّت عليهم الفرصة، ولا ندع لهم ثغرة ينفذون منها، وهذا هو الذي نريده، وهذا هو الذي جعلنا نستجيب لهذه الدعوة، لأن الأمة كلها.. هم يريدون أن تقتتل الأمة بعضها مع بعض، وقد اقتتلت حدث حرب العراق وإيران، ودامت سنوات، وخسر فيها الفريقان ما خسرا من الأموال والأولاد والبشر وكل شيء، ولكن كان الطابع العام لهذه الحرب طابعاً قومياً، كأنما هي حرب بين العرب والفرس، لأ، هم يريدون حرباً دينية بين السُّنة والشيعة، ويريدون أن يرموا لها بالوقود لتتأجج النار وتأكل الأخضر واليابس، نار لا تأكل الأحجار والمباني، وإنما تأكل القيم والمعاني، تأكل الناس، فلذلك نحن لا ينبغي أن نستسلم لهذا، وأن نقاوم هذا التيار، وأن ندعو إلى تجميع كل قوى الأمة، فما بالك بالقوى الدينية بعضها وبعض؟

تأثير الخلاف التاريخي على التقريب بين المذاهب

ماهر عبد الله: جزء كبير من.. من الخلاف كونك ذكرت السُنة والشيعة تحديداً، جزء كبير من الخلاف تاريخي.

د. يوسف القرضاوي: آه.

ماهر عبد الله: من قتل؟ من.. من كان أولى بـ..، في هذا اللقاء حتى نكون عمليين في اللقاء الروح العامة.. مما لامست من خلال مشاركتك في لقاء البحرين هذا، كم كان حجم التاريخ في اللقاء؟ وكم كان حجم هذا الذي تتفضل بالحديث عنه من أخطار محدقة بنا اليوم وهذه الساعة؟

د. يوسف القرضاوي: هو.. هو أصل المشكلة كلها مشكلة تاريخية ، مَنْ أحق بالخلافة؟ هل هو علي أم أبو بكر أم عمر أم عثمان أم.. أم.. أم كذا؟ كان شيخنا الشيخ الغزالي -الله يرحمه- حدث نقاش بينه وبين أحد الناس، وقال له لأ علي أحق من أبو بكر، وعلي أحق من، قال له يا أخويا أبو بكر، راحت خلافة أبو بكر، وانتهت خلافة عمر، وانتهت خلافة علي، وانتهت الأمويين والعباس.. خلافة الأمويين وخلافة العباسيين والعثمانيين، وألغيت الخلافة نهائياً من ديار الإسلام، وأصبح الخواجات هم اللي بيتحكموا فينا، وجايين نقول إحنا دلوقتي مين أحق من مين؟ هذه أمور تاريخية، ودا اللي إحنا قلنا للإخوة، نعم اللي إحنا بنختلف على تاريخ وانتهى، والله -تعالى- يقول (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، لما سُئل عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- عن الخلاف الذي شجر بين الصحابة بعضهم وبعض، والقتال الذي حدث بينهم، فقال كلمة حكيمة: تلك دماء طهر الله منها أيدينا، فلا نلطخ بها ألسنتنا. إحنا ما شاركناش فيها باليد، فما يصحش بقى نقعد نلوث ألسنتنا بالكلام فيما مضى.

[موجز الأخبار]

حسن الفهم ودوره في التقريب بين المذاهب

ماهر عبد الله: سيدي، في الورقة التي قدمتها في مؤتمر البحرين، أبرزت كنقطة أولى، كمبدأ من مبادئ الحوار، كان فيه توسع في كلامكم عن ضرورة توفر حسن الفهم، ما الذي كنت تقصده بقضية حسن الفهم في.. في إطار التقارب بين المذاهب؟

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا أرى إنه من أسباب الجفوة والتباعد، أن بعضنا لا يعرف بعضاً كما ينبغي، وأننا إذا جلس بعضنا إلى بعض، واستمع بعضنا إلى بعض، سنفهم.. نفهم بعضنا بعضاً أكثر، وحسن الفهم يؤدي إلى حسن القرب، ولذلك يعني هذه القضية، يعني قضية إنه العلم مقدم على العمل، يعني التصور مقدم على السلوك وأول ما يصنع الإسلام يحاول أن يصحح تصور الإنسان، وإذا صح تصوُّره صح طريقه، لا يمكن إذا تصورت إن البلد اللي أنت عاوز تسافر إليها في الشرق وهي في الغرب، يبقى كلما ذهبت إلى الشرق كلما ابتعدت عنها، كلما انهمكت في السير كلما ازدت بعداً عن هدفك، ولذلك من المهم صحة التصور، القرآن أول ما نزل، نزل (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) والقراءة مفتاح الفهم، فلازم أن يفهم بعضنا بعضاً، ممكن الواحد ياخد فكرة وهي مش مضبوطة، وأنا أضرب لك مثل، أنا فعلاً كنت أظن إنه الشيعة بيصلوا على حجرة كده أو طوبة، لأنها يعني من طينة كربلاء، وأنها وأنهم يقدسونها، وأن هذا رشح من رشحات الوثنية والشرك وكذا، إلى أن زارنا في قطر في الستينيات من القرن العشرين الإمام موسى الصدر، وجلسنا معاً وتحادثنا، ومن ضمن الأشياء بأقول له إيه يعني حكاية الطوبة اللي بتسجدوا عليها دي وبتاع، يعني هل هي صحيح من كربلاء؟ وأنكم تقدسونها؟ قال لي لأ أبداً، قال لي دا إحنا عندنا السجود لابد أن يكون على الأرض، دي شيء من جنس الأرض، يعني من الأرض أو شيء من جنسها، يعني لا يكون من المنسوجات أو الملبوسات أو الأشياء اللي.. أو المأكولات أو أي شيء من هذا ولأن معظم مساجد المسلمين أصبحت مفروشة بالسجاجيد وبالأشياء اللي زي كده أو الموكيت أو.. إحنا بنوفر لكل مصلي حجرة تكون معاه لو راح يصلي في مسجد مفروش أو حاجة يحط دي قدامه، وأنا لاحظت هذا لما كنت في.. في إيران من حوالي خمس سنوات، وزرت إيران، وكانوا بيجوا يصلوا معايا يعني الشيعة وحتى قدموني أصلي بهم، وبعدين لقيتهم خدوا ورقة (كلينكس) وحطوها قدامهم، مامعهمش الحجرة ديه، قالوا يكفي الكلينكس ديه، لأنه الكلينكس دا لا شيء.. ليست شيئاً من المأكول ولا الملبوس، ولا كذا، هو من جنس الأرض، قلت لهم والله إذا كان دا، ما دام أنا هأصلي بكم إمام، عشان ما تعتقدوش إن صلاتي باطلة، هاتوا لي كيلنكساية وحطيتها أمامي، يعني، لما فهمت هذا يعني أصبح.. لما كنت واخد فكرة عنهم، إنه بيقدسوا الطين وبيعملوا عليه، وقالوا إنه ليس من.. من الشرط أن تكون من كربلاء، من أي مكان من الأرض يعني تؤخذ، فلا حرج في ذلك أبداً، ولا تضييق فيها. نعم.

ماهر عبد الله: لكن على.. على قصد حسن الفهم، وأعتقد أنك تعرضت لهذا في الورقة التي قدمتها أيضاً، يعني من.. من.. من الشائع -وأظنه من سوء الفهم ليس المتعمد- لكن الشائع أن للشيعة مصاحف غير التي نعرف.

د. يوسف القرضاوي: نعم؟

ماهر عبد الله: للشيعة قرآن غير الذي نعرف، من خلال لقائك بعلماء الشيعة، من خلال زياراتك لإيران، أين هو..؟

د. يوسف القرضاوي: هو يعني هناك بعض أقوال لبعض علمائهم، تقول: إنه فيه قرآن أطول من هذا القرآن، مصحف فاطمة، وإنه فيه مصحف عند المهدي المنتظر، يعني سيظهر معه وكلام من هذا يعني روايات هي من روايات الأخباريين وليست من تحقيق الأصوليين، وقال بها بعض علمائهم، ولكن فيه عدد من علمائهم ينكر هذا، العلماء الذين التقيت بهم مثل الشيخ آية الله التسخيري، وآية الله واعظ زاده، وهؤلاء كل هذا الكلام..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: لأ أنا السؤال عملياً..

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]: وبعدين أريد أن أقول شيء، هم جميعاً متفقون على أن ما بين الدفتين كلام الله، يعني لا يخالف شيعي في إن المصحف اللي بين أيدينا هذا كلام الله، من (الـم).. من.. من.. من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، إنما هل فيه قرآن زايد أو لأ هو دا اللي فيه الخلاف، المحققون يقولون مافيش أبداً، وبعدين إحنا لما بنشوف نجد المصحف الذي يطبع في إيران هو نفس المصحف الذي يطبع في مصر وفي السعودية وفي قطر وفي باكستان وفي بلاد المسلمين بصفة عامة، وهو الذي يحفظونه لأولادهم، وهو الذي يعلمونه في مدارسهم، وهو الذي يفسرونه في كتبهم، وهو الذي يتحدثون عن إعجازه، وهو الذي يستدلون به في كتب العقائد، وهو الذي يحتجون به في كتب الأحكام والفقه، فهذا أمر يعني واضح، فيعني بقربنا منهم عرفنا هذه الأمور يعني من غير شك يعني.

ماهر عبد الله: طيب، عندما تشيع هذه القصص عن تحريف القرآن، عن التربة المقدسة، هذه مدعاة لأن يذهب الإنسان وهو يسيء الظن، يعني كيف تتحاور من يعتقد بتحريف القرآن مثلاً؟ إلى أي درجة يمكن أن يساهم موضوع حسن الظن بالطرف الآخر في إنجاح الحوار أو إفشاله؟

د. يوسف القرضاوي: هو حسن الفهم يؤدي إلى حسن الظن، وحسن الظن في الحقيقة شيء أساسي، يعني هو معظم ما بين الفريقين هو فقدان الثقة، الثقة مفقودة بين الفريقين، أو حسن الظن مفقود بين الطائفتين، ولذلك إذا غلبنا حسن الظن تنحل كثير من المشاكل، حسن الظن دا صفة إسلامية أساسية، يعني هناك "خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير، حسن الظن بالله، وحسن الظن بالناس، وخصلتان ليس فوقهما شيء من الشر سوء الظن بالله، وسوء الظن بالناس" القرآن يقول يعني في حديث الإفك (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) وقال القرآن عن المنافقين (بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً) وظن السوء دا من خصال المنافقين، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول "وإياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" والقرآن يقول: (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) فينبغي إن الإنسان يُغلِّب حسن الظن، يعني الأصل في المسلم أن يكون حسن الظن هو الغالب عليه، وخصوصاً إذا كنت أتعامل مع مسلم، فأحمل حاله على الصلاح ما أمكن، إنما إذا أساء يعني ظن المرء بيؤوِّل كل شيء على أسوأ.. أنا أقول لك يعني ذكرت لبعض الإخوة، يعني بعض الناس الذين رأيتهم من الشيعة، ورأيت في كلامهم الصدق، وفي سلوكهم الاستقامة، ويعني.. قالوا يعني لا لأنه هم دا يعني يفعلونه تقية، والتقية دي يعني مبدأ أساسي عندهم، يظهرون غير ما يبطنون، ويقولون ما لا يفعلون، وإلى آخره، قلت له يا أخي دا أنا لما رحت لهم يعني هناك في إيران، الناس قدموني لأصلي بهم إماماً وكذا، ولم يروا إن الصلاة وراء سُني باطلة، قال لأ ما هو فعلوا ذلك تقية، طب هم الذين يدعون إلى هذه التقية، أنا ما طلبت يعني ولا توقعتها حتى يعني، إن يعني وبعدين قال هم أقاموا دولة، وأصبح عندهم جمهورية إسلامية، يعني التقية يمكن في أيام الضعف معقولة، إنما في أيام القوة، لماذا يعني يتقون؟ فهذا يعني من تغليب سوء الظن على حُسن الظن.

ماهر عبد الله: طيب اسمح لي نستمع من بعض الإخوة بس معايا على الهاتف من فترة، نسمع من الأخ عبد الكريم الأحمد من بريطانيا، أخ عبد الكريم تفضل.

عبد الكريم الأحمد: أستاذ ماهر.

ماهر عبد الله: تفضل يا سيدي.

عبد الكريم الأحمد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

عبد الكريم الأحمد: أحييك وأحيي شيخنا الفاضل.

د. يوسف القرضاوي: حياك الله.

عبد الكريم الأحمد: حقيقة أنا أؤيده في العبارة الأخيرة التي ذكرها الشيخ، بخصوص أحد القصص عن التقية، يقول ظرفاء شعب مصر عندهم ظريفة حلوة نكتة جميلة دائماً يرددونها، يقولون: "إذا مات حمار العمدة، خرجت القرية كلها تعزي في الفقيد الحصاوي، لكن إذا مات العمدة نفسه فلا أحد يخرج من بيته، حتى الغفير النظامي" بدهم بالحصاوي نوع من الحمير القوية في مصر، والغفير النظامي هو الحارس دائماً خلف.. خلف العمدة، فهذا معناه يقول دائماً يمارسون التقية خوفاً من بطش العمدة، عندما يموت حماره كلهم يخرجون إلى.. إلى تعزيته، لكن إذا يموت العمدة لن يخرج أي أحد إلى تعزيته، صح.. المهم هذه حقيقة أحد الخرافات التي تذكر كثيراً على التقية، يكفي بأنه..أؤيد الشيخ بأنه في إيران والعراق، بأنه الدولة من ذلك التاريخ إلى حد هذا التاريخ، معلنين على نهجهم وعلى مذهبهم علناً، وأنا أرجع إلى مقولة الشيخ الدكتور عبد الودود شلبي -يعرفه الشيخ جيداً- هو أحد مشايخ الأزهر الشريف، يقول كنت أنا السكرتير الفني للشيخ سليم البشري، يقول سليم البشري اعترف إنه لم يكن يعرف في هذا الوقت في وقته -أي سليم البشري- شيئاً عن دخائل الشيعة، فهنا يقول الشيخ عبد الودود يقول فما.. فماذا يمكن أن يعرفه عوام أهل السُنة أو عوام الشيعة عن الشيعة، يعني فما بالك بعض مشايخنا في السنة لا يعرفون شيئاً عن الشيعة، وكما قول الإمام علي -كرم الله وجهه- يقول: "الناس أعداء ما جهلوا".

حقيقة أنا والله يا أخ ماهر، والله أنا.. أنا أكره المذهبية، وأكره.. كلها والله أخي بس أنا يعز عليَّ، والله على أمة محمد يصير فيها هذا التشتت وهذا التشرذم والله، والله يعز علي بإني أشوف بعض البلدان يعني بتصادر حق أو حقوق من حقوق المسلمين، والله، بس أنا عندي سؤال للشيخ، أنا حقيقة حضرت جميع الحلقات حقه في البحرين، والله عجبني جداً كلامه، وأعرف أنا بعض الناس يمكن لا يعجبون.. لا يعجبهم كلام الشيخ، لأنهم مجرد سياسيين كما أوردها الكاتب الأردني المحامي أحمد حسين يعقوب في كتابه، يقول هناك بعض السياسيين يستغلون هذه الخلافات ما بين الشيعة والسنة في بلادنا الإسلامية قبل الغربية، لكي تضرب الأمة ولكي أيضاً ينفسون هذه، ينفسون هادول الإحباطات عند مع بعض..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طب أخ.. أخ عبد الكريم سؤالك للشيخ أيش؟ سؤال لو سمحت.

عبد الكريم الأحمد: وأسأل الشيخ.. لأ سؤال، بس للشيخ إذا تكرمت علي، سؤالي للشيخ حقيقة يا شيخ أنا قد بعثت إلى web site الـ web site عندكم، بعت بعض الوثائق التي أنا لكوني أنتمي لأحد المراكز في الغرب، عثرت على بعض الوثائق، وقد بعثتها لكم، وعندي بعض المصادر أحب أن أزودكم بها يا شيخنا الفاضل، يكفي بأن الشيخ البوطي قد ذكرها في البحرين، بأن هناك نهج استراتيجي في بلاد الغرب، لكي يضرب المسلمين بعضهم بعضاً، على مبدأ فرق تسد، هذا مبدأ جاري إلى الآن في البلاد الغرب، فيريدون أن يطبقوه في بلادنا، ويكفي الشيخ البوطي قد أورد الكثير من هذه الوثائق، وأنا حقيقة أيضاً بعثت لكم على E-mail بعض من هذه، وكثير من مصادر، من بعض الاستراتيجيين والمفكرين الغربيين عثرت عليها، وسوف أبعثها لكم لاحقاً.

د. يوسف القرضاوي: جزاك الله خيراً.

عبد الكريم الأحمد: سيدنا الشيخ الكريم، حقيقة هنا أتت في بلاد الغرب بعض الحركات السلفية وبعض الجماعات صدقني الآن مدعومة في بلاد الغرب، ويتوفر لها الأماكن، وتوفر لها الأصوات، وتوفر لها الوسائل الإعلامية، المفروض مثل هؤلاء المتطرفون المتشددون الذين ينكرهم الرسول -صلى الله عليه وسلم - والدين الإسلامي، أن يتواجدوا في مستشفيات للمصحات النفسية، خيراً من تواجدهم على القنوات الفضائية، أتمنى من شيخنا الكريم أن يطرح مثل هذه الموجة، بأن هناك بعض المسلمين مشبوهين يا شيخ، يعني يا شيخنا هنا في بلاد الغرب، أكو تقرير لـ CIA، ذكرها البوطي وأزودك فيه، يقول: هناك بعض العلماء ندرسهم في داخل الـ CIA في المخابرات المركزية الأميركية، نعلمهم فقه الخلاف ما بين المسلمين، حتى يزرعونها، صدقني يا شيخ، ويكفي بأن كثير منها بعض.. بعض المشايخ.. يكفي هذا أحد المشايخ الفرنسيين الذي مسكوه، الذي كان يزرع الفتنة في الشعب المغربي..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طيب أخ.. أخ عبد الكريم، أخ عبد الكريم النقطة.. النقطة واضحة -وإن شاء الله- يعني تسمع التعليق من الشيخ عليها، نسمع من الأخ طالب نعيم، أخ طالب أرجوك أن تكون مختصراً، أخ طالب من لبنان تفضل.

طالب نعيم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام والرحمة.

طالب نعيم: أتمنى عليك أخي ماهر أن تفسح لي المجال لي فترة يعني أنتظر على الخط، يعني حتى أعبر عن الفكرة، سأختصر إن شاء الله.

ماهر عبد الله: تفضل.

طالب نعيم: بسم الله الرحمن الرحيم، إن مما يجب أن يدركه المسلمين، أن وجود الآراء الشرعية المتعددة في المسألة الواحدة هو أمر طبيعي، وذلك لأن أكثر نصوص القرآن والسنة ليست قطعية الدلالة، بل هي ظنية الدلالة، أي أنها تحتمل أكثر من معنى، وباختلاف المرجحات بين المجتهدين، فإنه سيوجد رأي لمجتهد يخالف فيه رأي مجتهد آخر، ورغم تعدد الآراء ووجود المذاهب الفقهية تبعاً لذلك، فإنه يحرم على المسلمين أن يتفرقوا إلى فرق مذهبية متناحرة متباغضة، فيجعلون مذاهبهم صوت الإسلام ووحدة المسلمين، فالله -تعالى- حين خاطب الأمة خاطبها بوصفها أمة واحدة من دون الناس، وسمَّاها باسم يبين واقعها وما يجب أن تكون عليه، فقال -تعالى- بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) فالمذاهب الفقهية إنما وُجدت من أجل أن يعرف المسلمون حكم الله في شؤون حياتهم، حتى يتقيدوا بأحكام الشرع فلا يجوز شرعاً أن تكون المذاهب سبباً لمعصية الله بالتفرق وأن تكون مانعاً من وحدة المسلمين، تلك الوحدة التي أوجبها الله تعالى على المسلمين بأدلة صريحة وهذه الوحدة لا تكون عن طريق إلغاء المذاهب الفقهية ومنعها من الوجود، لأن ذلك يعطل الاجتهاد وإنما تكون عن طريق وجود خليفة يبايعه المسلمون على الحكم بالإسلام، الخليفة هو الذي يرفع الخلاف بين المسلمين، ولذلك أجمع الصحابة -رضوان الله عليهم- على عدة قواعد، منها أمر الإمام يرفع الخلاف وأمر الإمام نافذ ظاهراً وباطناً، ذلك الخليفة الذي يوحد المسلمين في دولة واحدة هي دولة الخلافة، تلك الوحدة التي جعل الله المحافظة عليها في دولة واحدة وتحت راية خليفة واحد قضية مصيرية، ولذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه"

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: أخ.. أخ طالب.. أخ طالب يعني إحنا الآن اسمح لي.. لو بس تسمح لي بالمقاطعة، إحنا لا نتحدث عن الوضع المثالي الذي سيوجد عندما يوجد الخليفة سيحسم الخلاف لن يستشيرني ولن يستشيرك، سيملك من القوة ما يحدد به..، إحنا سؤالنا في هذه المرحلة التي تُبلبَل فيها قضايا الأمة سنضع قضية الخلافة هدفاً أسمى وأعلى، إلى.. إلى أن نصل إلى تلك النقطة، كيف نلتقي يعني كمذاهب كفرق؟ نسمع من الأخ علي الأحمد من بريطانيا. أخ علي اتفضل.

علي الأحمد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

علي الأحمد: الله يجزيك الخير أخ أحمد، تحياتي للشيخ يوسف القرضاوي الله يمد في عمره ويجزيه الخير، أنا ما بأعرف قبل فترة أعطيت للشيخ كتاب اسمه "شاهد ومشهود" ما بأعرف إذا كان اطَّلع عليه أم لأ، راح يتكلم الآن الشيخ في بداية الحلقة ذكر إنه يعني الخلاف الشيعي السني قديم ومنذ مئات السنين وانتهى واختفى، ولكن الآن أنا سوف أتكلم عن جزء حي وقائم.

د. يوسف القرضاوي: ما قلت إنه انتهى واختفى..

علي الأحمد: ومتحرك وماثل للأعيان أمام الناس جميعاً، وهو الصراع الذي حصل في سوريا بين فرقة النصيريين أو العلويين وبين قسم من أهل السنة في سوريا، ذهب.. الشيخ يعرف طبعاً والجميع يعرفون، ذهب ضحية هذا الخلاف آلاف مؤلفة من القتلى والجرحى والمشردين والمهجرين وما يزال يعني ما يزال لليوم وأنا أتكلم معك في السجن الآلاف والمفقودين آلاف، ووضع صعب جداً جداً يعني نتمنى من الشيخ أن يقول فيه كلمة، هناك سقط عشرات الآلاف من القتلى على.. على..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: بس يا أخ علي لو سمحت لي.. يا أخ علي.. يا أخي علي يعني الشيخ كلامه في هذه المرحلة هو هذا السؤال الجوهري: هل المطلوب منا الآن نبش كل هذه الملفات؟ هل.. يعني سنحرر سوريا بأن ننبش هذا الملف؟ سنحرر العراق بأن ننبش هذا الملف؟ سننصر الانتفاضة بأن نفتح هذا الملف؟ هو جوهر فلسفة التقريب، على كل الأحوال أنا لا أظن إنه الطائفة العلوية أصلاً كانت ممثلة في.. في هذا المؤتمر الذي نتحدث عنه، الطائفة العلوية لا أظن أنها كانت ممثلة في هذا المؤتمر، هي يعني فلسفة الموضوع الذي نتحدث عنه -أيها الإخوة الكرام- هو هذا ما أسماه الشيخ نفسه في بداية الكلام أولويات. الشيخ لم يدعُ لا إلى إغلاق باب التاريخ ولا إلى غض النظر عن ما جرى فيه من مآسي قديمة وحديثة، لكن هذه الروح هي الروح التي تصر على أن ترى الأزمة أولاً، أنا أعتقد إنه يعني ستسمعون من الشيخ تعليق على هذا.

[فاصل إعلاني]

الأهداف الحقيقية للحوار والتقريب بين الأديان والمذاهب

ماهر عبد الله: نحن لن يعني نغلق الباب أمام أي.. أي نقاش، أمام أي حوار، بالعكس جزء من المبادئ التي تعرض لها الشيخ في ورقته والتي إذا سمح لنا الوقت سنأتي عليها هو أن لا نتناسى هذه الجراح، هو السؤال الجوهري والأساس: كيف نخرج من أزمتنا؟ بإمكاننا طبعاً أن نقدم الجروح على كل شيء آخر، ولكن يعني السؤال هو: ما الذي يجب أن نقدمه أن ننكأ جراح بعض أم أن نتحاور؟

سيدي، جزء من كلام الأخ عبد الكريم كان أنه نسب إلى الشيخ البوطي، وهذه مقولة تكرر يعني أولاً نسبتها إلى كل الحركات السلفية أنا أعتقد فيها شيء من عدم الإنصاف، يعني هناك حمق في كل الحركات الإسلامية، هناك حمق في كل.. في البشرية لابد، هل ذكر الشيخ البوطي كلاماً عن أن بعض الدوائر الغربية لنقل تدفع لبعض المسلمين لا.. لا نقل..

د. يوسف القرضاوي: هو ذكر صديقنا العزيز الأستاذ الشيخ الدكتور البوطي أن هناك تقارير.. قرأ تقارير أميركية وغربية تقول إنه يعني من الأشياء اللي هي تحرص عليها إنها تدفع المسلمين أن يعني يحارب بعضهم بعضاً وأن يشغل بعضهم ببعض وذكر يعني مراجع معينة وحدد، وهذا يعني أمر متفق عليه، وإحنا قلنا من أول الأمر إن أعداء الأمة هم الذين يسعون إلى التفريق بينها بكل وسيلة من الوسائل، والأخ يعني ذكر إنه هناك بعض السلفيين والمتشددين، ونقول هناك من الفريقين متشددون ومتنطعون، ونحن يعني أنا في الورقة التي قدمتها، قلت ينبغي أن نبتعد عن الغلو والتكفير ونبتعد عن شطط الغلاة من الفئتين، هناك يعني بعض الفئات من الشيعة يعني أنا قرأت في مجلة تصدر في الكويت للأسف اسمها "المنبر" تقول كلام يعني.. يعني تقشعر منه الأبدان، إن الصحابة اغتالوا الرسول -عليه الصلاة والسلام- إنه الصحيحان.. هل هما الصحيحان أم السقيمان؟ البخاري ومسلم، وإنهم حافلان بالإسرائيليات ومش عارف أيه! إن الانقلاب على التاريخ الذي استمر أربعة عشر قرناً، إن أبو بكر لم يكن هو صاحب النبي في الغار، يعني.. إن حديث الإفك اللي جاء في القرآن وبرأ القرآن السيدة عائشة ليست عائشة هي المبرأة، دا ماريا يعني هذا كلام في غاية من.. من السخف ويستفز الإنسان ويثير غضب الحليم ويثير الاشمئزاز، إلى أنه زي ما تيجي تقول دا الكعبة اللي موجودة دي مش في مكة اللي مذكورة في القرآن (لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً).. لا دا مش عارف.. فيه أشياء بنسميه التواتر، يعني التواتر الأشياء هي اللي تتواتر، دا بتفيد العلم اليقيني الضروري، يعني جاء أنا مارحتش بكين، إنما هل ممكن مادام ما رحتش بكين أقول مافيش بكين؟ يعني ما فيش واحد اسمه الإمام الشافعي أو أبو حنيفة أو جعفر الصادق؟ يعني فيه دا.. عرفنا هذه الأشياء باليقين التاريخي، طريق التواتر جيل عن جيل، فهؤلاء الناس يعني.. فهذا موجود، وهناك بعض المتشددين من السلفيين الذين يُكفِّرون الشيعة ويكفرون غير الشيعة، كفروني أنا! يعني ما.. وكفروا الشيخ محمد الغزالي وكفروا.. يعني الغلاة موجودون في الفريقين، ولو اعتمدنا على الغلاة لا يمكن أن نتقارب، سنتحارب، إنما المعوَّل عليه هم أهل الحكمة والاعتدال والبصيرة، الذين يعرفون يعني فقه الشريعة وفقه الواقع، ويقدمون المهم على غير المهم، والأهم على المهم، وأهم شيء في هذه المرحلة إن الأمة تقف صفاً واحداً لتواجه الخطر المقبل عليها..

ماهر عبد الله: طيب يعني ماذا تقول في..؟

د. يوسف القرضاوي: أنا أريد أصحح للأخ اللي بيقول الدكتور عبد الودود شلبي كان يشتغل سكرتيراً للشيخ سليم البشري، الشيخ سليم البشري دا مات من نحو مائة سنة، كان شيخ الأزهر، وهو جد صديقنا الحبيب المستشار طارق البشري جده، فيعني مش معقول إنه.. إن الشيخ عبد الودود شلبي وهو أخي وزميلي وكنا ساكنين مع بعض مدة طويلة من الزمن إنه كان بيشتغل سكرتير لسليم البشري، ما أعرفش فيه تحريف في الموضوع يعني.

ماهر عبد الله: لأ هو كان على كلٍّ يعني جوهر فكرته إنه إذا كان الشيخ البشري غير مُلم بتفاصيل كتب الشيعة فبالتالي من باب أَوْلَى أن يكون الجهل.. هل يمكن أن يكون فعلاً غير مُلِم؟

د. يوسف القرضاوي: لا دا هو فيه يعني محاورات يعني رواها أحد.. الشيخ حسين كاشف الغطاء محاورات بينه وبين الشيخ سليم البشري، يعني ذكرها، وإن كان لما سألنا الأستاذ طارق البشري عن هذه. قال إحنا بحثنا عن أصول أو أي مسوَّدات لهذه المحاورات في أوراق الشيخ فلم نجد لها أثراً يعني.

ماهر عبد الله: الأخ عبد العظيم المراغي يقول: كيف يكون.. على الإنترنت يسأل: كيف يكون التقارب بين المذاهب، والرسول -صلى الله عليه وسلم- وضح في حديثه أن الدين سينقسم إلى بضع وسبعين شعبة، واحدة فقط هي على الصواب والباقي ليس.. فكيف يكون التقارب بينهم؟

د. يوسف القرضاوي: أولاً: أنا يعني لست ممن يُصَحِّح هذا الحديث، يعني الحديث دا هناك من العلماء من رده ومنهم الإمام ابن الوزير الذي يعني رد هذا الحديث وخصوصاً الزيادة التي تقول يعني "كلها في النار إلا واحدة"، قال احذر هذه الزيادة فإنها من دسيس الملاحدة. لأنه بيجعل كل الفرق في النار، إنما على كل حال حتى الذين أقروا بهذا الحديث وحسَّنوه أو ربما بعضهم صححه، يعني قالوا إن كل هذه الفرق من الأمة.. قال: "ستفترق أمتي".. تفترق أمتي، فكلهم يعني فروع من هذه الأمة، وبعدين الرسول لم يحدد أي هذه الفرق، ما كل فرقة بتدعي هي إنها الفرقة الناجية، وبعدين الخلاف.. يعني فإحنا في هذه الأشياء إحنا بنقول إن هناك أشياء متفق عليها وأشياء مختلف فيها، فإحنا نركز على نقاط الاتفاق، ونقاط الاتفاق تتعلق بأن محمد رسول الله.. لا إله إلا الله محمد رسول الله، القرآن كتاب الله، الإيمان بالآخرة، يعني مؤمنون بأركان الإسلام الخمسة العملية وأركان الإسلام الستة، صحيح فيه خلاف في الركن السادس اللي هو القدر لأن إحنا بنفسر القدر بتفسير، وهم بيفسروه بتفسير، زي ما قال الأخ اللي بيتكلم عن الخلافة، إن فيه يعني نصوص قطعية الثبوت والدلالة، ونصوص ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة أو ظنيتهما، ومعظم نصوص الشريعة ظنية في ثبوتها أو في دلالتها، ولذلك الخلاف يتسع لهذا، فنحن علينا أن نركز على نقاط الاتفاق مش نقاط الاختلاف والتمايز، حتى القرآن علَّمنا في جدالنا مع أهل الكتاب قال (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) يعني نقول دا إن إحنا يا جماعة بنؤمن بكتابكم وإلهنا وإلهكم واحد يعني نذكر الجوامع المشتركة، مش نذكر، أنتم بتقولوا بالتثليث واحنا ما بنقولش لأ. في نقاط الحوار نذكر ما يجمع بين الفريقين ليقترب بعضهم.. فإذا كان هذا مع أهل الكتاب، فما بالك بالحوار مع المسلمين بعضهم مع بعض؟

ماهر عبد الله: يعني هنرجع لمسألة الاتفاق والاختلاف، بس خلينا نسمع من الأخ عبد الله أبو طالب من المغرب أولاً، أخ عبد الله تفضل.

عبد الله أبو طالب: آلو. السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

عبد الله أبو طالب: تحياتي إليكم وإلى فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي.

د. يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخي.

عبد الله أبو طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. إن مسألة اختلاف المذاهب تعتبر من أصعب المعضلات في العصر الحالي كما هو الحال في الماضي، وهذا الأمر يقف ضد وحدة الأمة الإسلامية، والسبب في ذلك يعود إلى فتح باب الاجتهاد الأعمى وتطاولاً على أحاديث رسول الله -صلى اله عليه وسلم- من قِبَل بعض علماء الأمة، ويعتبرون أنفسهم محققين، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أوتيت مفاتح الكلام وخواتمه" ويقول: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهنا علامة استفهام فليسمع العالم وكل علماء الأمة أن صاحب هذه المهمة وهو الذي يستطيع أن يفصل في.. أن يفصل في هذا الأمر، هو صاحب العصر والزمان الإمام المهدي المنتظر فهو المخلص المنقذ، وهنا أقول يا علماء الأمة..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طيب أخ.. أخ عبد الله إن شاء الله لما يعني نفس الكلام عن الخليفة بينطبق على الإمام المهدي لما يأتي لن يستأذن مني ولا منك إن شاء الله، سيكون له ما يريد لأنه سيكون مدعوم بقوة أكبر مني ومنك ومن الدكتور يوسف القرضاوي. طيب نسمع من الأخ عامر العراقي من المملكة المتحدة، أخ عامر اتفضل.

عامر العراقي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

عامر العراقي: تحية طيبة لك أخ ماهر ولضيفك الكريم.

ماهر عبد الله: حياك الله، اتفضل.

عامر العراقي: الحقيقة يعني هناك يعني نقطتان رئيسيتان أود التطرق إليهما وأرجو أن تفسح لي المجال، المسألة الأولى حول مسألة الخلاف بين المذاهب المختلفة، والحقيقة أن هذه المسألة هي مسألة قديمة، يعني منذ عهد صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان هناك خلافات فيما بينهم حول مسائل فقهية متعددة، ولذلك حل هذه المعضلة وهذه المشكلة لا يكون من خلال الحلول الفردية أو من خلال المساعي الفردية، حيث إنها لم تنجح طيلة الفترة الماضية في حل هذه المشكلة، والحل الوحيد لهذه المشكلة هو أن يكون للمسلمين إمام يحسم النزاع وحضرتك تساءلت إنه ماذا نفعل في الوقت الراهن؟ يعني إذا لم يكن إمام، ونحن نقول إنه العمل لإقامة هذا السلطان للمسلمين والسعي الدؤوب لذلك بدلاً من إلهاء أنفسنا في الحوار مع هذا أو الحوار مع ذاك في مسائل لا طائل منها، ولن تُحسم حيث أنها لم تُحسم طيلة الأربعة عشر قرن الماضية، هذه المسألة الأولى. المسألة الثانية: حول مسألة المحاورة سواء مع المذاهب الإسلامية أو مع المخالفين للمسلمين أو مع الكفار، الحقيقة الكلام حول التقارب والحوار حول مسائل الالتقاء والابتعاد عن مسائل الخلاف هذا ليس من سمة الإسلام، حيث أن الله -سبحانه وتعالى- أمرنا بأن نجادل بالتي هي أحسن، أي أن نقارع الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان والدليل بالدليل حتى نثبت أننا على حق وأن الكافرين على باطل وحتى أن نظهر للناس أن دين الله هو الحق وليس أن دين الله قد..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: أخ عامر اسمح.. اسمح قليلاً لي بس قليلاً بالمقاطعة يمكن هذا سبب الاجتزاء لأن إحنا خذنا بعض المكالمات ومنهم مشاركتك هذه، على كل مشكور على مداخلتك، وإن شاء الله تسمع على السؤال الأول، لكن هو إنصافاً للدكتور هو يتحدث عن مسألة ما اتفقنا عليه كتمهيد لنلتقي، عندنا محور آخر هو سنتحاور فيما اختلفنا فيه، هذا المتفق عليه ولن يكون موضع حوار، فيه محور آخر يعتقد إنه الشيخ من مبادئ الحوار وهو أن نتحاور فيما اختلفنا فيه لكن هو كان يريد أن يثبت أن ثمة قواسم مشتركة يجب أن نخرج من إطارها والتحاور فيها، لكن إن شاء الله هيكون فيه فرصة للحديث عنها نسمع من الأخ مهنا حداد من الأردن، الأخ مهنا تفضل..

مهنا حداد: هل تسمعني؟

ماهر عبد الله: نعم، تفضل.

مهنا حداد: يا سيدي أنا كنت مسيحياً وأصبحت مسلماً وعندي مشكلات كبيرة، بمسألة الحوار ما بين المسلمين والمسيحيين، أنتم تتحدثون عن حوار الأديان، أنا أعتقد هناك فرق بين حوار الأديان وحوار المتدينين بأديان مختلفة، وأنا أعتقد أن الشيخ القرضاوي والذي يحظى باحترامي الجزيل وحقيقة له عندي كل تقدير وكل امتنان أيضاً لمواقفه الجليلة، إنما هناك فرق شاسع بين أن نتحاور كناس.. كجماعة أو كأناس يعتقدون بأديان مختلفة وأن نستصدر الحقيقة، إذا كانت المسألة استصدار الحقيقة وإثبات من معه حق أو ما معه حق، فهذا ليس حوار بين الإنسان والإنسان، هذا الحوار هو حوار بين وحي ووحي، وأنا أعتقد أننا لا نرقى إلى مسألة هذا الوحي، هذا من ناحية.

إذا كنا نتوقع أن نتحاور معاً حول مَنْ نحن كبشر وكيف نتعايش؟ هذه مسألة مختلفة، الاختلاف فيها هو أنك مسلم وغيرك مسيحي وغيرك يهودي وغيرك بوذي وغيرك تابع الـ(..) هذه أديان مختلفة، هذه الأديان المختلفة تدعو إلى تعايش الإنسان مع الإنسان وليس لإثبات من معه الحق ومن ليس معه حق.

ثانياً: أنا حقيقة أسأل نفسي السؤال المباح بأعتقد وهو: هل ندعو إلى أمة إسلامية وكأننا عدنا إلى عهد الخلافة، أم نحن ندعو إلى مسلمين في دولٍ مختلفة لها دساتير مختلفة ولها معتقدات مختلفة وفئات مختلفة في كيف نتعايش؟ إذا كانت العملية هل الالتقاء بين الجماعات الإسلامية و المذاهب الإسلامية المختلفة بما فيها المدارس الحنفية وغيرها الشافعية وغيرها هذا سؤال مختلف جداً، نحن الآن في بلاد عربية تدعو نفسها إسلامية ولكن كل منها يُشكل دولة لوحدها، إذن هذا.. لو سمحتم.

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: أنت تتحدث مهنا أنت تتحدث في محورين جميلان، أنا اسمح لي أشكرك، الوقت بدأ يدركنا، وأنا أعتقد -إن شاء الله- تسمع تعليق من الشيخ للنقطتين جميلتين جداً ومشكور.. مشكور جداً عليهم.

سيدي الأخ عامر العراقي عطفاً على كلام الأخ عبد الكريم بداية، إنه كل ما تفعلونه من حوارات في المحصلة النهائية لن يجدي مضيعة وقت، يجب التركيز على قضية واحدة الإمام هو الوحيد القادر على حسم هذا الموضوع، الخليفة أو المهدي -إذا أخذنا رأي الأخ عبد الله أبو طالب- هل الخليفة هو فعلاً يعني نعطل كل ما.. كل هذه الحوارات..؟

د. يوسف القرضاوي: هذا يعني كلام علقنا عليه مراراً وتكراراً إخواننا لا يملون يعني الحقيقة من هذه القضية.. وهي الحقيقة الكلام يعني فيها مضيعة للوقت، نحن من أوائل الناس الذين يدعون إلى إقامة الخلافة الإسلامية لأن الخلافة هي مظهر وحدة الأمة الإسلامية، وأنا على عكس الأخ اللي تكلم وقال إنه كان مسيحياً ثم أسلم..

ماهر عبد الله: مهنا.

د. يوسف القرضاوي: نحن ندعو فعلاً إلى أمة إسلامية مش..، إحنا لسنا مخَّيرين وربنا سماها أمة واحدة (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) وإذا كان العالم بيتقارب فلماذا لا يكون؟ ولكن الآن فيه صور لوحدة أو لاتحاد يمكن أن نختار أقربها إلى تحقيق المصالح، فيه اتحاد فيدرالي، فيه كونفيدرالي فيه أشياء من هذا ليس من الضروري يكون مركزية صارمة تتحكم في كل.. إحنا فيه بلد واحد 1200مليون.. يعني مليار ومائتين مليون في الصين الهند أكثر من مليار الآن، لماذا يستبعد يعني يستكثر على المسلمين أن يكونوا يعني في أمة واحدة يعني، ولكن هذا لا يأتي بقرار إن كونوا أمة واحدة نكون.. لأ، دا لابد أن نقرب بين الثقافات بعضها وبعض ونزيل الفجوات والجفوات لأنه فيه أكثر من مانع يمنع الأمة من الوحدة، هناك اختلاف المناهج واختلاف الفلسفات وهناك اختلاف الولاءات والارتباطات وهناك الأهواء التي تفرق وهناك دعوات قومية وعصبية، وهناك.. لابد هذا كله يحتاج إلى علاج قبل أن ندعو إلى الوحدة أو إلى إقامة الخلافة، ولذلك من.. من.. من أسباب هذا إننا نزيل هذا التجافي بين الطوائف الكبرى في الأمة مثل السُنَّة والشيعة أو السُنة والأباضية، السُنة والأباضية أقرب، السنة والشيعة هو اللي دايما تثار الخلافات بينهم، فعلى العقلاء أن يحاولوا أن يقربوا قبل ما نقول الخليفة.. والخليفة كأنه يعني الخليفة كن يا خليفة كن فيكون!! هذا ليس من المنطق يعني في شيء.

ماهر عبد الله: طيب، نسمع المكالمة الأخيرة من الأخ كمال شكري مع اعتذاري للإخوة، الأخ كمال أرجوك باختصار من ألمانيا أخ كمال.

كمال شكري: .. يا أستاذ ماهر وتحية للسيد الدكتور الفاضل يوسف القرضاوي، الحقيقة يا دكتور يوسف، أنا بأتمنى إن حضرتك يعني تركز على نقطة هامة جداً في هذا الوقت العصيب للأمة الإسلامية والعربية، المسجد الأقصى يحترق بمعنى الكلمة وإحنا نتكلم عن مذاهب وعن سُنَّة وعن شيعة وعن مالكي وشافعي، المنطقة مش محتاجة، فلسطين تضيع يوماً بعد يوم لو حضرتك شوفت الإنترنت فيه موجود أيه؟

يعني ده لازم المسلمين والسادة المداخلين يعلموا شيء أساسي جداً أن الصهيونية تتربص لهم، وإنها تتمنى أن يتكلموا في هذه، أنا لا أقول -لأني ليس عالم إسلامي- تفاهات وإنما هي أكيد قضايا هامة، والأهم منها يا دكتور يوسف -وأنت تعلم هذا أكثر مني بكثير- المحافظة على المسجد الأقصى، ولا نريد أن نقول هذا خادم الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى القبلة الأولى للمسلمين جميعاً تترك تُحترق ولا يهتم بيها أي شيء، وعلينا أن نكون.. أن نركز أن الوطن الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه مهدد، لأن الصهيونية لها مخطط واضح وشامل، القضاء على هذا..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طيب، الأخ كمال مشكور.. مشكور جداً على مداخلتك، وأنا متأكد إنك هتسمع من الشيخ تعليق عليها، ولكن قبل ذلك سيدي الأخ مهنا كان أثار نقطة إنه هذه الحوارات سواء مع الأديان أو.. هل هي لإظهار الحقيقة والوقوف عليها، أم هي بحث عن عيش مشترك بين بشر؟ يعني أيهما الأجدى؟

د. يوسف القرضاوي: لأ هو فيه أحد الإخوة بيقول إن الجدال بالتي هي أحسن هو مقارعة الحجة بالحجة وإظهار الحق وإبطال الباطل، هذا في المناظرات، يعني لما نكون عايزين مناظرة ونشوف مين اللي هيغلب ومين اللي.. إنما الجدال هو مقصود به التقريب بالتي هي أحسن، بالطريقة التي هي أحسن وأجود، والتي واللي ذكر القرآن لنا منها أمثلة (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)،( قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ولم يقل ولا نسأل عما تجرمون، (اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ)، الجدال بالتي هي أحسن الذي يقرب ولا يباعد ويبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق، هذا هو المقصود، وإذا كان الأخ الغيور على المسجد الأقصى ومن واجب الأمة كلها أن تغار على المسجد الأقصى وأن تغضب من أجل المسجد الأقصى.. المسجد الأقصى محتاج إلى أمة تدافع عنه، الأمة متفرقة عن هذا بخلافاتها فيما بينها وتنسى قضاياها اللي مفروض تجمع الأمة كلها عليها، فنحن نريد أن نجمع الأمة من أجل قضاياها المصيرية الكبرى، بحيث أنها تنسى كل المعارك الجانبية كل الخلافات الجزئية، هذه كلها تفرق الأمة عن القضايا الكبرى، اليهود في أنحاء العالم مجتمعين على نصرة إسرائيل، والقرآن ذكر (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) ورغم ما يفرق بينهم يهود الشرق ويهود الغرب ويهود أوروبا.. ويهود أوروبا، ويهود الفلاشا ويهود كذا..، كلهم في الجيش الإسرائيلي يد واحدة ونفس واحد ولا تكاد ترى بينهم فرقاً.

نحن الأمة التي تبحث دائماً عن ما يفرق بينها، نحن نحاول أن نجمع..، نحن كما قلنا إنه التقارب لا يعني إنك تترك مذهبك أو هو الآخر يترك مذهبه، إنما -كما تقول- العيش المشترك مش في أيام الخلاف أيام الحرب الباردة بين السوفيت والمعسكر الغربي، كانوا بيقولوا فيه -أيه- إن إحنا التعايش السلمي، عايزين نتعايش سلمياً، رغم إن إحنا مختلفين أيديولوجياً، عايزين نتعايش سلمياً، نحن المسلمين نريد أن نتعايش، وأن نتوحد لنواجه المعركة صفاً وجبهةً متراصة (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) هذه القضية بديهية ألا نفهمها؟ إلى متى نظل نعمى عن الحقائق الواضحة؟ واحد وواحد يساوي اثنين يعني دي بدهيات ومع هذا نجادل فيها للأسف، ونشغل أنفسنا بنظريات وأحلام وأماني نتمنى أن تتحقق، ولكن حتى تتحقق ماذا نفعل؟ لابد للناس أن يتفاهموا وأن يتفقوا على الأشياء الأساسية، عندنا قاعدة ذهبية، قاعدة الشيخ رشيد رضا -رحمه الله- نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، أضاف إليها أحد إخواننا -الله يرحمه- أخونا عبد الحليم أبو شقة قال: نتعاون ونتحاور فيما اختلفنا فيه، يحاور بعضنا بعضاً، فالتسامح في المختلف فيه والتحاور في المختلف فيه والتعاون فيما نتفق عليه وما نتفق عليه كثير جداً يحتاج إلى جهود لا تنتهي، هذا هو الذي ينبغي أن نشغل أنفسنا به.

ماهر عبد الله: سيدي، باقي معنا دقيقة ونصف، فيه محور نختم به في هذه الروح، هل يمكن أن نتحاور إذا كان ما تستخدمه في حقي من ألفاظ وما استخدمه من حقك في ألفاظ استفزازي؟

د. يوسف القرضاوي: إذا كان أيه ؟

ماهر عبد الله: استفزازي، يعني اللغة التي تستخدم هل يجب أن يذكر الشيعي بأنه منحرف في عقيدة دينية، هل يجب عليه أن يذكرني بأني منحرف، هل بالضرورة..

د. يوسف القرضاوي: لأ لغة الاستفزاز لا يمكن أن تؤدي إلى تقارب، لابد أن نستعمل اللغة المقربة وهذا هو معنى بالتي هي أحسن، وبالتي هي أحسن دي استخدم اللغة التي تقرب الطرف الآخر منك وتقربك منه، إنما اللغة مستفزة زي الأشياء اللي ذكرتها من مجلة "المنبر" دي لا يمكن، ولذلك أنا أقول البعد عن شطط الغلاة، هذا شيء أساسي، ونعتمد على أهل الحكمة والبصيرة وأهل الأناة والاعتدال، وهؤلاء هم الذين يعني يُرجى أن يجمعوا الأمة، أنا كثير ما تكلمت مع الشيخ تسخيري والشيخ واعظ زاده، وقالوا إن إحنا دخَّلنا في مناهج التعليم مواقف لأبي بكر ومواقف لعمر، وهذا كان ممنوع من قبل، هذه الخطوات هي التي تقرب الأمة بعضها من بعض.

ماهر عبد الله: طب سيدي، شكر الله لك، نختم بالثواني الأخيرة الأخ أسامة منصور: إن الاختلاف بين المذاهب كان القصد منه التسهيل على المسلمين، ولكن ما نراه الآن هو سبب المشاكل بينهم، ألا ترون الحاجة إلى حاكم ديكتاتور يفرض إسلاماً واحدا على الجميع؟

إلى أن نلقاكم الأسبوع القادم، تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.