عثمان عثمان
حسن الشافعي

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من الشريعة والحياة والتي تأتيكم هذه المرة من القاهرة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70] ويقول النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل رضي الله عنه بالحديث المشهور: "يا معاذ ها تدري ما حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟ فيقول معاذ رضي الله عنه: الله ورسوله أعلم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألّا يعذب من لا يشركوا به شيئاً" فهل الإنسان في الشريعة هو إنسان التكليف لا إنسان الحقوق، وما حدود منظومة الحقوق عند الفقهاء؟ منظومة الحقوق والواجبات موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا الدكتور حسن الشافعي نائب إمام الأزهر ورئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة، مرحباً بكم فضيلة الدكتور.

حسن الشافعي: أهلاً بكم وسهلاً وبالسادة الكرام ومشاهدي الجزيرة.

مكانة النفس البشرية في الإسلام

عثمان عثمان: الإنسان شكّل محور الخطاب القرآني ومحور الخطاب النبوي، بدايةً ما أهمية الإنسان أو ما مكانة الإنسان في الشريعة الإسلامية؟

حسن الشافعي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين ومن تبع هداهم إلى يوم الدين وبعد، فإني أحاول الإجابة على هذا السؤال بأن مكانة الإنسان في الكون يعبر عنها مبدأ الاستخلاف وهو استخلاف الله تعالى عباده من بني آدم من البشر على غيرهم من مخلوقات الله في هذه الأرض، وهذا هو الذي يرتبط به مبدأ التكريم الذي تفضلتم به بذكره في أول الحديث {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} [الإسراء:70] وإلى آخر الآية، وأحب أن أقول بأن هذا كله ينبع من مفهوم الأمانة، فالأمانة في الحقيقة هي تجمع ما بين الاستخلاف من ناحية وما بين مبدأ الحقوق والواجبات من ناحية أخرى فأود أن أبين الأساس الشرعي في هذا الموضوع ثم بعد ذلك تنبع الحقوق والواجبات المختلفة، وهذه فكرة في الحقيقة ليست لي وإنما أنا أرويها للسادة المشاهدين والمستمعين عن إمامين كبيرين من أئمة المسلمين أولهما هو صاحب الذريعة إلى مكارم الشريعة الراغب الأصفهاني وهو زميل الإمام الغزالي في الدراسة وفي التدريس، وكان أستاذاً في الجامعة النظامية في بغداد التي كان الشيخ الإمام الغزالي شيخ العقيدة فيها، والثاني هو الإمام الغزالي نفسه لكن الفكرة مدونة في كتاب للراغب الأصفهاني اسمه الذريعة كما أشرت إلى مكارم الشريعة كان الإمام الغزالي كما روي لا ينتقل في سفر إلا وهذا الكتاب في يده، فالأفكار مشتركة بين الرجلين، يقول الراغب الأصفهاني كما هو موجود في كتابه الذريعة إن الأمانة هي مناط تكريم الإنسان لأن هذه الأمانة عرضت على غير الإنسان كما قال الله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ} [الأحزاب:72] فالإنسان كلف بأن يكون مسؤولاً عن نفسه من جهة ومسؤولاً عن غيره من المخلوقات من جهة أخرى، ولذلك سخر له كل ما في السموات والأرض والآيات التي تشير إلى هذا المعنى في أول كتاب الله سبحانه وتعالى من أوائل سورة البقرة فيها كل هذه المعاني فيها معنى التكريم وفيها معنى الاستخلاف وفيها معنى المسؤولية وكلها تبين مكانة الإنسان في الأرض، الذي أريد أن أنبه عليه في البداية إنه التكريم منوط بالمسؤولية يعني الحيوان غير مسؤول عن تصرفاته ولذلك فهو من يشغل مرتبة دنيا، الحيوان له حقوق وليست عليه واجبات لكن المسؤولية بمعنى أن ترتبط الحقوق بالواجبات ولا فرق بينهما إلا في نظر الشريعة أن الحق هو الواجب أو الحق الذي لي على الجماعة وأما الواجب فهو الحق الذي عليّ نحوها.

عثمان عثمان: لكن فضيلة الدكتور كما ذكرتك الآية التي تنص قبِل حمل الأمانة {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ...} [الأحزاب:72] إلى آخر الآية، وبمنطق هذا القبول للتكليف كان مكرماً لكن في ختام الآية يقول الله تعالى {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا} [الأحزاب:72].

حسن الشافعي: الآية تشير إلى ثقل المهمة، فلم يكن الإنسان عندما هيئ لقبول هذه المسؤولية وارتضاها قد حسب الحساب جيداً في الواقع أن الحساب أو العلم بالمستقبل هو لدى الله عز وجل {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:30] لذلك سنحتاج أن نربط هذه الآية في آخر سورة الأحزاب بالآية التي في البقرة كما قلت فإن الله تعالى يقول:{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:28] ويقول الله عز وجل {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} [البقرة:30] لا الملائكة ولا البشر يعلمون ما في المستقبل ولا يعلمون أيضاً عظم المسؤولية في هذا الشأن أن يكون الإنسان مسؤولاً عن نفسه وعمله ومسؤولاً عن خلق الله جميعاً في هذا الكون، فهذا هو وجه الجهالة والجهالة وهي لما كلنا نجهل القدر ونؤمن به كقضاء ولكن لا يجب علينا التسليم به بل يجب علينا أن نقاوّمه، القضاء بالقضاء فالله تعالى أجاب الملائكة {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:30] فالله تعالى هو الذي يعلم مواهب الإنسان وقدرته وأنه يصلح لهذه المهمة وأنه لا يصلح لها سواه وكشاهد على هذا فإن الله تعالى اختبر الملائكة وسألهم {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} [البقرة:34] {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}[الكهف:50] إلى آخر الآيات، لكن الله سبحانه وتعالى سأل الملائكة في مدى علمهم وسأل آدم واختبره وهو الآية تشير إلى الأسماء، الأسماء يعني الكائنات الموجودة في هذه الأرض وعلم الإنسان بحقائقها فالملائكة عجزت عن الإجابة "وإذ قلنا للملائكة" الآية تشير إلى أن الله تعالى..

عثمان عثمان: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة:31]

حسن الشافعي: أيوا {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة:31]

عثمان عثمان: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة:31- 32]

حسن الشافعي: ثم أمر الله تعالى آدم أن يجيب عن السؤال فاستطاع الإجابة ولأن الله سبحانه وتعالى علمه هذه الأسماء، الراغب الأصفهاني يقول: علم يعني لقّنه هذه الأسماء جميعها.

عثمان عثمان: سبحان الله.

حسن الشافعي: علمه يعني أوجد فيه القدرة على إعطائه الأسماء من واقع مهامها ووظائفها، يقول كلا الرأيين ممكن، ممكن أنه لقّنه أسماء البعض ورزقه القدرة على أن يخلع أسماءً على الكائنات الأخرى، هذا من كلام الراغب الأصفهاني نفسه، فقدرة آدم أو تميز لآدم بالعلم ومعرفة الأسماء وهي تعني معرفة وظائف الأشياء أيضاً هي التي هيأته لهذه الخلافة فضلا عن مواهبه الأخرى لكن هذا هو الفارق بين الملائكة التي تساءلت عن هذه المكانة التي حظي بها هذا المخلوق الجديد بينما هم يسبحون لله ويسجدون له {إنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:30] إني أعلم تميز هذا المخلوق.

عثمان عثمان: وقدرته على حمل الأمانة.

حسن الشافعي: الجديد في الأمر أو النادر وقد لا يقوله غيره من العلماء أو غيرهما الغزالي وزميله إن هذه الخلافة هي مربوطة أولاً كما قلت بالأمانة أي بالمسؤولية لأن عدم المسؤولية هي نقصان في الكرامة، الكرامة أن يكون الإنسان مسؤولاً عن تصرفاته ولذلك الحيوان غير مسؤول، ولذلك يشغل مرتبة دنيا لكن الإنسان بحكم أنه مسؤول عن الحيوان وغير الحيوان من الكائنات فهو مكرم، ليس هذا فقط وإنما هو يربط معنى المسؤولية ومعنى الخلافة بثلاثة أشياء: يقول إن الخلافة تعني العبادة والقيادة والعبارة ليس هذا كلاماً جديداً هو يبدو جديداً ولكن أي إنسان يعود إلى كتاب الذريعة سوف يجد هذا الكلام بعباراته، العبادة بمعنى أن الإنسان أول تكليف يجب عليه عند بلوغه الرشد معرفة ربه.

عثمان عثمان: هذه ربما سنتطرق في سياق الحلقة إلى أقسام الحقوق، لكن البعض فضيلة الدكتور يرى أن الفقهاء ميزوا بين إنسان التكليف وإنسان الواجبات أنتم تقولون بأنه لا فرق بين إنسان التكليف وإنسان الواجبات.

حسن الشافعي: هناك فرق وهناك اشتراك في المعنى لأنني كما قلت هذا المفهوم ليس أيضاً مفهوماً جديداً وإنما حديث نبوي في الحديث الوارد "أدّوا الحق الذي عليكم واطلبوا الحق الذي لكم" فكلاهما حق كلاهما واجب، فالحق الذي عليّ هو الواجب والحق الذي لي الحق هو الذي أتمتع به كل ذلك مربوط بمفهوم في الإنسان اسمه الذمة، فالذمة هي موضع الاستحقاقات أو إن شئت مناط المسؤولية.

عثمان عثمان: ما المقصود بالذمة؟

حسن الشافعي: الذمة يعني ضمير الإنسان الرشيد الذي يتحمل ويؤدي ما عليه نحو الآخرين والذي به يطلب حقوقه نحوهم أو عليهم، فالحق الذي عليهم نحوي هو واجب بالنسبة لهم والحق الذي عليّ نحوهم هو واجبي نحوهم فهي حقوق وهي واجبات.

عثمان عثمان: إذن حقوق وواجبات هي معنى واحد؟

حسن الشافعي: تشترك في كونها واجبات هي ثقافة مخالفة للثقافة السائدة ثقافة حقوق الإنسان أنها تجعل كل هذا حقوق يطالب بها الإنسان لا، المفهوم الشرعي أن الحق الذي عليّ نحو الجماعة واجب وهو حق وأن الحق الذي لي عليهم هو حق لي أطالب به، فينبغي أن أؤدي ما عليّ وأن أطالب بالذي لي أما أن يكون الإنسان مجرد مطالب يعني في تساؤل هنا أهو إنسان التكليف أم إنسان الحقوق؟ هو إنسان التكليف والحقوق لأنه عندما يطالب بالحقوق التي له على الجماعة هو إنسان الحقوق وعندما يؤدي الواجبات التي عليه نحو هذه الجماعة فهو إنسان الواجبات فهو يجمع بينهما وهذا كله هو مفهوم الذمة.

عثمان عثمان: مفهوم الذمة، ما معنى الحق عند الفقهاء فضيلة الدكتور؟

حسن الشافعي: الحق هو ما ينبغي القيام به سواء كان عليّ نحو الجماعة وهذا ما قلنا إنه واجب أو ما كان على الآخرين وهو استحقاق لي وينبغي أن أطالب به، فهذا هو الحق الاستحقاق هو وجوب الأداء سواء كان عليك نحو الآخرين أو هو واجب على الآخرين ولك أن تطالب به وينبغي لك بل على السلطات الشرعية أن ترد لك هذا الحق.

حق الله على العباد وحق المكلف

عثمان عثمان: نتحدث عن الفقهاء ربما قسموا الحقوق إلى أنواع حق الله عز وجل حق العباد وهناك حقوق مشتركة بين الله وبين عباده ما أساس هذا التقسيم وتطبيقاته على واقع الحياة؟

حسن الشافعي: هو في واقع الأمر محاولة أيضا لإيضاح مفهوم الحقوق وهي تشمل كما ذكرنا الحقوق والواجبات، ولكن نستطيع أن نقول بنوع من التبسيط أن حقوق الله سبحانه وتعالى هي حقوق الجماعة لأن الله سبحانه وتعالى..

عثمان عثمان: الحق العام.

حسن الشافعي: الله تعالى غني عن كل شيء {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ}[النساء:147] الحديث يقول (لو أنّ إِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ فسألُوه لَوْ أَنَّ كان إِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوْا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فَيْ مُلْكِيْ شَيْئَاً، وإنّ كَانُوْا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِيْ شَيْئَاً) فالله سبحانه وتعالى لا يعود إليه شيء من عبادتنا ولا من أفعالنا، فهو كامل مستغني عن كل من سواه، إذن مسألة الحقوق العامة أو ما يسمى بحقوق الله هو في الحقيقة كما قال كثير من الفقهاء المعاصرين هو حقوق الجماعة، وأما حقوق العباد فهي التي للمكلفين لهم على الجماعة كما أشرت، ينبغي على المسلم أن يوفرها لهم فتلك حقوق شخصية وهي منوطة بحياة كل كائن بشري بصرف النظر عن دينه أو لغته كل كائن بشري لأن ربنا ربط هذا المعني في الآدمية فقط {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70] فكل أدمي له هذه الحقوق الواجبة على الجماعة نحو كل شخص أو كل فرد وهو في ذات الوقت عليه حقوق نحوها عليه لا بد أن يؤديها التي نسميها واجبات أو إن شئت هي حقوق للجماعة عليه أو على ذمته أن يؤديها، فهذه الحقوق أو تلك الواجبات هي التي يشار إليها بحقوق العباد وحقوق الله، حقوق الله يعني حقوق الجماعة: المجتمع، الأمة المسلمة وحقوق العباد هي حقوق الأفراد على هذه الجماعة.

عثمان عثمان: والحقوق المشتركة بين حقوق والله وعباده؟

حسن الشافعي: الحقوق المشتركة في الحقيقة تكاد تشمل كل شيء لأنه أنا أقول لحضرتك أنا أتوضئ وأصلي هذا من العبادة فهو من حقوق الله ولكنه في ذات الوقت قربة إلى الله وصلاح للإنسان وخلاص من الذنوب والمسؤوليات فبما تسمي هذا؟ هل تسميه يعني عبارة عن تعبد فقط أو هو في ذات الوقت مصلحة إنسانية؟ ولذلك يربط العلماء دائما بين الحكم وبين الغاية أو ما يسمى لديهم الحكمة أو إن شئت المصلحة.

عثمان عثمان: أو المقاصد أم بعيد عن هذا؟

حسن الشافعي: المقاصد والمصالح والغايات..

عثمان عثمان: المآلات.

حسن الشافعي: كم واحد وهي فلسفة الحكم أو غاية الحكم، فالغاية التي يحققها الحكم شيء والسبب العلة التي يناط بها شيء آخر يعني نضرب مثالا هذا إذا تسمح لي.

عثمان عثمان: تفضل.

حسن الشافعي: إذا قلنا أن الخمر حرام فهل سبب الحرمة أنها غالية الثمن أم سبب الحرمة أنها سائل معين أو أنها لونٌ معين؟ لا، سبب الحرمة كما حققّ العلماء هو العلة لا شي يسبق الحكم، هو تأثيرها على العقل هي تغيب العقل، كلمة خمر يعني مخامرة مخالصة للعقل حتى تقضي عليه ولو إلى حين، الهدف هو حماية العقل الإنساني والمصالح كما نعلم مجملة كليا يعني إذا أريد تجميعها أو أهمها وهو ما يسمى بالضروريات خمس وهو حماية الحياة الإنسانية أولا حتى قبل الدين، ثم بعد ذلك حماية الدين ثم حماية العقل ثم حماية العرض، والعرض ليس فقط كما يظن الناس من الناحية العائلية أو الجنسية وإنما السمعة أيضا سمعة الإنسان وكيانه فهذا من عرضه وأخيرا المال، فحماية هذه المصالح الخمس أو الحقوق الخمس إن شئت سواء كانت لصالح الفرد أو عليه نحن الجماعة هي الأهداف الأساسية للأحكام الشرعية أو ما أسميناه بالمقاصد أو الحكم أو المصالح.

عثمان عثمان: لكن ذكرتم أن العلة من تحريم الخمر هو تأثيرها على العقل مخامرة العقل لكن هل نحن كمكلفين مطالبون بأن نبحث عن العلة أو نلتزم بشرع الله عز وجل دون البحث عن هذه العلة؟

حسن الشافعي: الفقيه هو الذي يستطيع أن يعرف العلل ويحددها وأن يعرف الغايات ولكن المطلوب في المجتمع المسلم أن يكون هناك قدر من الثقافة الدينية يعني أن يعرف والآن أصبحت المسألة يسيرة أن يختبرون السائقين عندما يعرفون أن من شيء بسيط يعرفون نسبة الكحول فهم يعرفون قد تناول شيئا مخمرا أو لا..

عثمان عثمان: نتحدث عن سائر المحرمات.

حسن الشافعي: سائر المحرمات على الإنسان أن يلتزم بما كلف به وأن يمتنع عما حرم الله عليه..

عثمان عثمان: طاعة..

حسن الشافعي: وأن يتعاط المبيحات بقدر ما يستطيع، أما الذي يحدد علل الأحكام وأسبابها أو غاياتها وأحكامها وهما مرتبطان لأن العلة التي هي بمراعاتها تتحقق الغاية، فهذا من عمل الفقيه.

عثمان عثمان: ذكرتم في سياق الحديث تطرقتم إلى موضوع الحقوق الغربية، ما وجه الافتراق بين حقوق الإنسان الغربية وبين منظومة الحقوق عند الفقهاء حق الله وحق العباد؟

حسن الشافعي: الفرق واضح وهو أنني كما أشرت إن الإنسان مسؤول، وإذا كان الإنسان مسؤولا فهو كما قال النبي صلي الله عليه وسلم عليه أن يؤدي الحقوق الواجبة عليه ثم يطالب بالحقوق التي له، في الواقع أنه منظومة الحقوق تقوم في الغرب على فكرة حق الأفراد هي قامت أساسا على حماية حقوق الأفراد إزاء السلطة، ولذلك هي دائما تعمل على ما للإنسان على الجماعة أو على السلطة، وهي إذا كان حق الحياة أو حق التعلم أو حق العمل أو إلى آخر الحقوق فلأنهم أقاموا هذا ولكن ترسخت لديهم ثقافة الحقوق وأصبح الواحد منهم تلقائيا إذا دخلت عليه بفرصة عمل في الغرب فإنك تجدهم يعملون كالآلات ولا يتراخى إنسان أو يتوانى في أداء عمله، لكن عندما نقلت إليه ثقافة هذه الحقوق وهي مبنية فقط على ما للإنسان على الجماعة ولا تتعرض نظرا لاختلاف الظروف الثقافية والفلسفية لا تتعرض لما عليه هو أو ما بدأ به النبي في لفتة نبوية أنه أدوا الحق الذي عليكم أولا ثم بعد ذلك قوموا بالمطالبة بالحقوق التي لنا لأنه من مجموع الجهود الجماعية ستتوفر الإمكانات التي تتيح للأفراد أن يتمتعوا بحقوقهم على الجماعة، فلما نقلت إلينا للأسف الشديد نقلت إلينا عرجاء نقلت بجناح واحد وهو ما ينبغي أن يتمتع به، أما ماذا يجب أن نفعله؟ فليس موجودا، الإنسان لا يملك نفسه في الثقافة الإسلامية في الغرب الإنسان يملك نفسه وله أن يفعل في نفسه وماله ما يشاء والمرأة تملك جسدها وتملك نفسها ولها أن تتصرف في ذاتها كما تشاء، المفهوم مختلف تماما في الشريعة الإسلامية.

عثمان عثمان: إذن هناك تغول للمصلحة الشخصية والحق الشخصي على الحق العام في الثقافة الغربية أو منظومة حقوق الإنسان في الغرب.

حسن الشافعي: أو على الأقل تلك هي النتيجة التي تحققت لدينا كما قلت إن هذه الثقافة نقلت من بيئة إلى بيئة، وتلك البيئة لم تكن تعنى إلا بحقوق الأفراد وهذا هو الأساس ومبني على أساس فلسفي أن الإنسان يملك نفسه، أما لدينا فالمرء لا يملك نفسه ولا يملك بدنه إنما هو ملك لله سبحانه.

عثمان عثمان: هو مؤتمن على الجسد.

حسن الشافعي: هو مؤتمن حتى بتصرفه في بدنه ليس له كامل الحرية فيه ولا في ماله بأن يفسده أو يحرقه، لو أحرق هناك مثلا النقد فلا شيء عليه ولكن في المفهوم الشرعي ربنا حرم علينا القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، فالمال الذي أملكه أيضا هو فيه مصلحة للجماعة وهو واجب علي نحوه في  ذات الوقت ولا ينبغي إفساده، فالفلسفة مختلفة لما انتقلت الفكرة من بيئة إلى بيئة للأسف لم تكن متكاملة وأصبح كلنا نطالب بحقوقنا ولا نكاد نلتفت إلى أداء واجباتنا.

عثمان عثمان: الفقهاء يرون أن حقوق العباد مبنية على المشاحة والتضييق وأن حقوق الله مبنية على المسامحة ما تطبيق ذلك عمليا فضيلة الدكتور؟

حسن الشافعي: تطبيق ذلك عمليا أنه في الواجبات الشرعية هناك الرخص وهناك التسامح الإلهي، فالسفر مثلا يقصر الصلاة إلى اثنتين في الصلوات الرباعية، والسفر يعفي الإنسان من الصيام إلا إذا أراد هو أن يصوم كما هو موجود في نص القرآن {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}[البقرة:184] ولكن في الحقوق البشرية الإنسان عادة يتمسك بحقوقه حتى في أقرب الناس انظر إلى مسألة الإرث، كثير من الخلافات تقوم بين الوارثين بعد وفاة مورثه لا يكون الإنسان أناني، أحضونة الأنفس الشح يعني في صميم الإنسان الحرص على مصالحه الخاصة ولا يكاد يلتفت إلى مصالح الآخرين، فلما كان الله تعالى كريما سخيا فإنه أولا يسّر الأحكام والواجبات التي له وهي من قبيل العبادات ليست الواجبات التي علينا نحو الجماعة لأن هذه واجبات علينا لا بد أن نؤديها لكن الأمور التي تتعلق بالعقاب والثواب الله سبحانه وتعالى كما قلنا لا يعود إليه فضل في العبادة ولا نقص من ذا الجحود وذا الأداء، ولذلك فالله سبحانه وتعالى في هذا النوع من الحقوق المتعلق بحقوق الله أي العبادة ولذلك أنا قلت أن الرجل كان عبقريا إذ فرق بين العبادة وبين القيادة ويعني بها المسؤولية عموما (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) كل إنسان فهو راعٍ على الأقل إذا لم يكن له أسرة ويربي حتى كلبا فهو مسؤول عنه إذا قصر والتي كانت تصلي وتتعبد وحبست الهرة ولم تطعمها أو تتركها تأكل من خشاش الأرض فقال هي من أهل النار، فالمسؤولية على الإنسان عن نفسه وعن غيره من الكائنات هذا أمر لا تسامح فيه، ولكن الجانب الخاص بالعبادة والواجبات عليه نحو الله عز وجل فيه تساهل كثير بل كما قال الله سبحانه وتعالى في الحديث الذي بدأت به حق الله على العباد أن نعبده ولا نشرك به شيئا وحقهم عليه..

عثمان عثمان: أن لا يعذبهم..

حسن الشافعي: أن لا يعذبهم إذا لم يشركوا به شيء فهذا يؤكد حديث عظيم يقول: (عبدي إنك أطعتني وإنك ما جئتني لا تشرك بي شيئا ولو جئتني بقرابة الأرض خطايا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي) فمن الذي يمنع السماوات والأرض إذ جاء ربه عز وجل لا يشرك به شيئا فربما حتى غفر له وربما سئل قليلا ثم يحاسب.

عثمان عثمان: إذن نحن قدمنا بحقوق الله عز وجل حقوق..

حسن الشافعي: حقوق الله الخالصة في العبادة.

عثمان عثمان: العبد على المجتمع والمجتمع على الفرد لكن ماذا عن حقوق المسلم تجاه المسلم، نسمع الإجابة حول ذلك بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم من القاهرة، ضيفنا في هذه الحلقة فضيلة شيخنا الدكتور حسن الشافعي نائب إمام الأزهر ورئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة، وعنوان حلقتنا "منظومة الحقوق والواجبات في الشريعة" فضيلة الدكتور سألنا قبل الحلقة عن حق الإنسان على أخيه الإنسان وحق المسلم على المسلم ولكن قبل أن تجيبني عن هذا السؤال أود أن أعود إلى ما قبل الفاصل، أيهما يقدم أن يقوم به الإنسان أولا حق الله أم حق العباد؟

حسن الشافعي: يقدم حق الله من حيث الزمن لأن الإنسان لا يسأل إلا عند الرشد، فأول ما بلغ رشده فينبغي وعلم بالدعوة وأن هناك ثلاث شروط: أن يبلغ سن معينة وأن يبلغها رشيدا مكتمل العقل وأن تبلغه الدعوة الإسلامية أو الدينية في عصره فهنا يجب عليه شرعا أن يعرف ربه ويعرف ما عليه من حقوق نحوه، ولذلك عند الدخول في الدين يجب على المرشد أو المعلم أن ينبهه إلى الاغتسال وإلى الصلاة الوقتية التي تجب عليه وأن يؤديها وأن ينطق بشهادتين وإلى آخره فمن حيث الوقت هي مقدمة، لكن من حيث العقوبة نحن قد اتفقنا على أن حقوق الله سبحانه وتعالى هو سمح كريم سخي واسع وأنه يمكن أن يتلافى عن معاقبة عبده إذا إن جاءه لا يشرك به شيئا، ولكن حقوق العباد أخطر من ذلك فما لم يتنازل فالحق قائم، وعلى الإنسان أن يقضيه ولو في الآخرة، فكما جاء عن المفلس أنه ليس هو الذي يقل ماله ولكنه قد يكون ميسرا وقد أساء إلى هذا وشتم هذا وأكل مال هذا فيأخذ من حسناته ويعطى له ويأخذ من سيئاتهم ويضع عليه..

عثمان عثمان: ثم يطرح في النار.

حسن الشافعي: ثم يطرح في النار، فهذا هو المفلس فمن حيث المسؤولية في الحقيقة حقوق البشر أو حقوق العباد مقدمة لكن من حيث الوقت أول ما يبلغ الإنسان رشده فيجب عليه أن يعرف الله وأن يعرف حقه وهو العبادة فهذه إجابتي.

حق المسلم على أخيه المسلم

عثمان عثمان: بالعودة إلى السؤال حقوق الإنسان على أخيه الإنسان حقوق المسلم على المسلم أين موقعها من منظومة الحقوق الإسلامية وكيف تدور وما تطبيقاتها؟

حسن الشافعي: أولا أن هذه الحقوق قد تكون من حق إنسان فرد على إنسان فرد كما قلنا، وأولها أن الناس لا بد أن يتلاقوا وأن يتعاونوا وأنه إذا لقيه يبش في وجهه ويحيه ويسلم عليه.

عثمان عثمان: افشوا السلام بينكم.

حسن الشافعي: افشوا السلام بينكم والحديث أيضا يقول تبسمك في وجه أخيك يعني مش بس يقول السلام عليكم (تبسمك في وجه أخيك صدقة) فهذه هي أول الواجبات ثم بعد ذلك إذا ما قامت بينهما علاقة ثم اختفى أو ابتعد فعليه أن يسأل عنه إذا غاب، ثم بعد ذلك في حال غيبته لا يقع في عرضه وهي الغيبة، فالغيبة من أشد الأمور بالنسبة لعلاقة المسلم بالمسلم، وحديث الثلاثة الذين في سورة التوبة غفر الله لهم كان يظهر فيها كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم يبشر هؤلاء الذين يتكلمون عن الغائبين بخير، وهو كان إذا خرج يقول (لا يبلغني أحد منكم عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) فهذا أيضا من واجبات الإنسان على الإنسان، وأيضا إذا ما مرض أن يعوده في مرضه ولا يطيل الجلوس، وأيضا إذا ما انتقل إلى رجوعه أن يشيعه هذه حقوق شخصية وبعضها اجتماعي لأنه لا يستطيع الإنسان الفرد أن يقوم بمسألة التغسيل والتكفين والحمل إلى القبر وإلى آخره فمنها ما هو على الشخص نحو..

عثمان عثمان: فهو مرتبط الجماعة؟ 

حسن الشافعي: مرتبط الجماعة في الوقت نفسه.

عثمان عثمان: أريد هنا ربما سلسلة الحقوق والواجبات تجاه المسلم على مسلم كثيرة ومتعددة، لكن أريد أن أسأل عن حق معين أو واجب معين الحق في إغاثة اللهفان ونصرة المستضعف ورفع الظلم عن المظلوم؟

حسن الشافعي: نعم، هذا حق عظمته الشريعة بمعنى أنّ الإنسان إذا استطاع أن يقي أخاه من ضرر يوشك أن يقع به ولن يفعل فإنه يعد مسؤولاً في الشريعة، إذا كنت أنا في بيتي ولا علاقة لي بالشخص الذي يمر ولكن هناك فجوة في الشارع لو لم يلتفت إليها سقط ولم أقم بتنبيهه القاضي المسلم يحاكمني ويعطيني عقوبة لتقصيري في هذا الأمر، فحماية الإنسان لأخيه الإنسان هذا واجب شرعي وكذلك كما أشرتم إغاثة الملهوف لأنّ الملهوف معناها أنّ شخصا قد وقع به ضرر أو مصيبة ويعني قد استغاث والناس يجيبونه ليغيثوه، فهذا مما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه ومعروف في الحديث أنه..

عثمان عثمان: حتى قبل الرسالة.

حسن الشافعي: كان هناك خطر في المدينة المنورة خطر على البلد فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم وركب فرساً لأبي طلحة عرج ليس عليه سرج وركبه هكذا وهذا لا يستطيعه إلاّ فارس يعني وانطلق هو ليعرف حقيقة الخبر ثمّ عاد إليهم وقال: (لا تراعوا؛ تراعوا) يعني لا شيء ولا تخافوا شيئا، فمسألة الانتداب والمروءة لكي يحاول الإنسان أن يحمي الجماعة وأن يتعرف على الأخطار وأن يقي الناس منها مسألة ترجع أيضاً إلى واجب المسلم نحو إخوانه، وكما رأينا قام بها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه دون أن يتردد ودون أن يكلف بها شخصاً آخر، فإغاثة الملهوف سواء كان هذا على المستوى الشخصي كما قلنا أو على المستوى الجماعي وهو أن يكون هناك مثلاً فنحن الآن نعاني في مصر وفي الشام بما يسمّى شبيحة وبلطجي، فهؤلاء الناس الذين يعتدون على الآخرين ويهجمون عليهم بالعشرات ويعتدون على حرماتهم وعلى أموالهم وعلى أعراضهم في هذه الحال إذا استغاث جاري ولم أجبه فهناك من الفقهاء يقال أنه يقتل فيه إذا لم يغيثه وكان يستطيع حمايته يمكن أن يقتل أو على الأقل يعاقب عقوبة تناسب جريمته، إغاثة الملهوف أمر واجب على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي.

واجب المسلمين تجاه الشعب السوري

عثمان عثمان: الآن هناك استغاثات بالجملة في سوريا في القصير في مجمل المدن السورية من الإجرام والقتل الذي يقع عليهم، ما وسائل النصرة الواجبة لهذا الشعب المظلوم والمقهور؟

حسن الشافعي: أو لأي شعب مظلوم حتى لو لم يكن مسلما..

عثمان عثمان: نعم.

حسن الشافعي: فمن الواجب على المسلم أن يغيث المظلوم وأن يسعى في دفع ظلمه بقدر ما يستطيع، ولكني أقول هنا نميز بين أمرين  بين عدوان محدود يعني من الممكن أن نهاجم هؤلاء المجرمين أو البلطجية أو الشبيحة- كما يسمون- بيتاً من البيوت ويريدون الحصول على أشياء أو يريدون قتل من فيه، فيجب هنا أن ندفعهم وهذا اسمه في الشريعة دفع الصائل بصرف النظر عن مسألة الجهاد أو وجوبه أو عدم وجوبه بصرف النظر عن عقيدة المهاجم أو لا نعرف عنها شيئاً.

عثمان عثمان: الدفاع عن النفس عن المال.

حسن الشافعي: الدفاع اللي هي نستطيع أن نقول هي يعني حق الدفاع عن النفس، فهذا الدفع اللي ساعات يسمى حق الدفاع الاجتماعي يعني هو ليس واجباً على المعتدى عليه فحسب هو واجب عليه وعلى جيرانه، أولاً له هو حق دفع المهاجمين أو الصائلين، الصائل يعني شخص يعتدي معتمدا على قوته فيصول يعني يحاول التغلب على هؤلاء الغير المسلحين وغير المتهيئين ولا ينتظرون عدوانا، فهنا يجب على الإنسان أن يدفع عن عرضه والحديث يقول: (من مات دون ماله فهو شهيد ومن مات دون عرضه فهو شهيد ومن مات دون دينه فهو شهيد) ولكن المعتدي إذا ما قتل فهو إلى النار وعلى الإنسان أن يرده بما يستطيع به الرد يعني ليس مباشرة بالقتل وإنما إن استطاع أن يرده بأي طريقة أخرى وإذا لم يكن إلاّ بالقتل فله قتله ولا شيء عليه وهذا المعتدي إلى النار.

عثمان عثمان: هذه في الحالة الفردية ماذا عن.. نعم.

حسن الشافعي: في الحالة الفردية ولكن على جيرانه ومن يسمعون استغاثته ويعني في يدهم أن يغيثوه ولم يفعلوا فعليهم مسؤولية شرعية ثقيلة وأنا قلت أنها تصل إلى حد الإعدام إذا كان تخلفهم أو تقصيرهم أو جبنهم هو السبب في قتل جيرانهم هذا في بعض المذاهب وفي كل الأحوال هو واجب عليهم وللقاضي أن يعاقبهم بالعقوبة التي يراها مناسبة.

عثمان عثمان: يعني هنا أريد أن أسأل عن واجب المؤسسات الإسلامية العامة ومنها مؤسسة الأزهر تجاه ما يجري في سوريا كمثال ونموذج وتجاه ما يجري في سائر أقطار العالم الإسلامي حتى العالم في نصرة المظلوم لو كان غير مسلم؟

حسن الشافعي: أنا أشرت إلى اختلاف حالتين أولاً ما يجري في سوريا هو عدوان من أقلية معينة تناصرها جماعات من المنتفعين داخلية وفئات أخرى خارجية كما نعلم جميعاً وذلك لتعذيب وقتل وإيذاء أجزاء من الشعب السوري وبالأخص أهل السنة والجماعة هذا أمرٌ الآن معروفٌ للجميع وقد انكشف وفُضح بعد أن ضمت فئات من الشيعة من خارج سوريا نفسها إلى السلطات الجائرة وأصبحت تحارب إلى جانبها، كما هناك من البداية قوات أو على الأقل مساعدات تأتي أيضاً من خارج سوريا من الشرق وهناك أمور أخرى كما نعلم من القوى الدولية، فهذا ضرب من الجهاد ولكن ينبغي أن ينظر إلى أنّ في داخل الجماعة المسلمة إذا ما حصل خلاف وصل إلى حد الاقتتال فهو يسمّى في المفهوم القرآني بغياً والآية الكريمة في سورة الحجرات تقول: {وإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات:9] في البداية..

عثمان عثمان: نعم.

حسن الشافعي: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] فبصرف النظر عن عقيدة هؤلاء أو عن موقفهم الديني، الواجب الشرعي الآن هو مناصرة الجانب المظلوم والضعيف في هذه المعادلة وهو الشعب السوري المعتدى عليه أو إن شئت السنة والجماعة وإن كان إني أعتقد أنّ هناك طوائف من الشعب السوري حتى من غير المسلمين يعني مثلا كان النصارى يسكتون لأنهم ولكنهم أعلنوا في البداية أنا قرأت يعني لا شأن لهم في السلطة الباغية ويتبرؤون من أفعالها، فعلى أية حال مناصرة الشعب السوري المظلوم الذي سقط منه أكثر من 100 ألف شهيد حتى الآن إزاء سلطة باغية لا تريد أن تتوقف عن إسالة الدماء وتستعين بذلك على السلطات الخارجية حق واجب على المسلمين سواء أسميته جهاداً أو أسميته مقاومة للبغي كما نص الله تبارك وتعالى في سورة الحجرات وأوجب على المسلمين أن يقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمره، فالبغاة هنا هم الحكام وليس هم المظلومون من الشعب، القائمون بالمقاومة أو ما يسمّى بالثورة السورية.

عثمان عثمان: مولانا عقد أكثر من مؤتمر علمائي عالمي إسلامي لنصرة الشعب السوري وآخره مؤتمر في القاهرة خرجت جملة من التوصيات والمقررات من مؤتمر القاهرة أخيراً منها يعني دعوة إلى الجهاد إلى نصرة المظلوم إغاثة الملهوف إلى مقاطعة الدول التي تعادي الشعب السوري وتدعم النظام القائم وخاصة أنّ هذه القوى تنطلق بفعلها ضد الشعب السوري من منطلقات دينية ودعوات إلى الجهاد المقدس في سوريا، هذه التوصيات التي خرج بها مؤتمر القاهرة هل تعتبر ملزمة لعامة المسلمين وخاصتهم بمعنى آخر هل هي فتاوى شرعية يجب الالتزام بها؟

حسن الشافعي: دعني أجب بطريقتي..

عثمان عثمان: تفضل.

حسن الشافعي: فأنا يعني كنت أيضاً في هذا الملتقى وسئلت أيضاً من الحاضرين وشاهدت أيضاً بعض المشاركات وبعض الخطب، فعلى كل حال أنا معك في أنّ على الأمة الإسلامية علمائها وغير علمائها أن يناصروا الملهوف وأن يدفعوا عن المظلوم وأن يقفوا في الجانب الضعيف، الشريعة دائماً تقف في الجانب الضعيف، جانب العبد جانب الرقيق جانب المرأة جانب المعتدى عليه جانب المدين لا تقف بجانب القوي وإنما تقف دائماً في مناصرة الضعيف، فالواجب الشرعي كما قلت سواء كيفت هذا على أنه جهاد أو كيفته على أنه مقاومة للبغي هذا واجب شرعي، ولكنني لا أحب التقليل من فكرة الحشد الشعبي أنا قلت لإخواني وأنا خارج إنّ عبقرية صلاح الدين لم تكن في القتال والحرب هو كان عادي معذرة يعني إذا ما قرأت التاريخ هو كان قائداً عسكرياً عادياً ولكن عبقريته تمثلت في الحشد أنه جمع فعلاً كل القوى الإسلامية ابتداءً من البلد التي جاء منها في شمال العراق وهي ايش؟

عثمان عثمان: تكريت؟

حسن الشافعي: لا ليست تكريت وإنما إلى جانبها على أية حال هو..

عثمان عثمان: جمع كل المسلمين من كل البقاع..

حسن الشافعي: جمع الموجودين في العراق والموجودين في الشام والموجودين في مصر قد ينسى الناس أنه عمل وزيراً للفاطميين في آخر عهدهم، ولكن عندما أحس الفاطميون بضعفهم وقصروا أيضاً في الواجب التاريخي وهو مقاومة الصليبيين فإنّ الشعب المصري تخلى عنهم ولذلك أرادوا أن يتقربوا إلى هذا الشعب بتعيين وزير سني وكان صلاح الدين وبعد بضع سنوات أسقط هذا النظام وقام أو أقام هو بالنظام الأيوبي بعده، فصلاح الدين عبقريته تتمثل في الحشد وتجميع الأمة الإسلامية لاستعادة مقدساتها في فلسطين وليست في الجانب القيادي أو العسكري، فأنا لا أحب التقليل من هذا، الأزهر أصدر نحو أربع بيانات تتعلق بحق الشعب السوري على إخوانه من المسلمين وآخر بيان كان منذ ثلاثة أيام وفيه يقول شيخ الأزهر أنه يدين أولاً هؤلاء الذين دخلوا سوريا من المحاربين اللبنانيين أو ما يسمّى حزب الله وقال إن هؤلاء قد فضحوا أنفسهم ونحن نقول لهم إنّ الطريق طريق المقاومة أو الطريق إلى القدس لا يمر من قصير ولا من دمشق ولا من حلب قال لهم هذا الكلام صراحة، هذا شيء مهم جداً لأن تحديد عناصر العدو أو الفئات الباغية وتحديد عناصر المقاومة وهو أهل السنة جميعاً وهم أكثر من مليار في العالم أو مليار ونصف لأنّ الشيعة في العالم لا يزيدون عن اثنين أو 200 مليون أو ثلاث أو أربعة مليون يمكن في العالم كله ولكن الكتلة الكبرى في العالم الإسلامي هي قرابة مليار وشيء..

عثمان عثمان: نعم وستمائة ألف.

حسن الشافعي: قد يصل إلى نصف مليار أيضاً.

عثمان عثمان: نعم.

حسن الشافعي: فعندما يعلم هؤلاء جميعاً سواء قلت لي إنّ هذه الفتوى واجبة النفاذ أو إنها تحريض لأنّ الواجب في القتال ليس أن أكون أنا مثلاً الذي تعديت الثمانين في صفوف المقاتلين وإنما أن أؤيد المقاتلين اللي أنا منهم.

عثمان عثمان: نتحدث مع الجهاد بالنفس والمال والوقت..

حسن الشافعي: الجهاد بالوقت وبالنفس والمال والسنان واللسان كلّ أولئك ذلك جهاد..

عثمان عثمان: أشكركم.

حسن الشافعي: وأيضاً يجب القتال على أهل المنطقة ومن بجوارهم ومن بعدهم ومن بعدهم إذا لم يكن مقاومة العدو إلاّ بمزيد من القوات الأخرى لكن لا تنتظر من كل العلماء والأفراد في العالم الإسلامي أن يتركوا واجباتهم الأخرى ويذهبوا إلى ميدان القتال.

عثمان عثمان: أشكركم فضيلة الدكتور حسن الشافعي نائب إمام الأزهر ورئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة على هذه الإفاضة الطيبة..

حسن الشافعي: عفوا أنا الذي أشكركم.

عثمان عثمان: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يحييكم من القاهرة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.