- الحجاب أيام الشيوعية
- المرأة البوسنية المسلمة والبحث عن الذات والهوية

الحجاب أيام الشيوعية

نيرا عوديتش كوفاتش
سنادا طاهروفيتش
عائدة تولي
سابينا تيهيتش

نيرا عوديتش كوفاتش/ عازفة كمان وأستاذة بالكلية الإسلامية-سراييفو: عقب وصول الدولة العثمانية إلى أرض البوسنة والهرسك عام 1463 للميلاد اعتنق الشعب السلافي القديم الدين الجديد الإسلام وبدأ بنشره، ففي ذلك العام وصل السلطان محمد الفاتح إلى البوسنة والهرسك وفتح أراضيها ومنذ ذلك الوقت أضحى السلطان حاكم البوسنة وهو حاكم ديني، منذ قيام حسين قبطان غرادتش تشيفيتش بالثورة ثم تمرد عمر باشا لاتاسا حتى ضم البوسنة والهرسك على يد الدولة النمساوية الهنغارية يبقى الشعب وفيا ومخلصا لتراثه أي للإسلام، ويبقى وفيا ومخلصا للتراث الشرقي الإسلامي.

سابينا تيهيتش/ ربة منزل:

استنادا إلى كلام أبي فإن عائلة أبي موجودة هنا في سراييفو منذ أربعمائة أو خمسمائة سنة تقريبا، فمنذ تلك الفترة تسكن عائلتي في سراييفو في حي يسمى بيستريك ولا يزال في ذلك المكان الذي كان فيه بيت أبي ما يقرب من عشرة بيوت تابعة للعائلة تيمو، لم يبق منها الآن سوى ثلاثة أو أربعة بيوت إذ بيع معظمها أو مات أهلها فسكنها أناس آخرون وملكوها. إن شعبنا المسلم الذي يعيش هنا يتذكر كل شيء بخير، فنحن لا نرى أن الأتراك احتلوا أرضنا بل نراهم فاتحين وأتوا بكل خير، ثم أتت النمسا وهنغاريا من بعدهم وقد تحمل المسلمون أكبر الضرر بمجيء هاتين البلدتين لأن الحضارة التي جاءتا بها لم تكن مسلمة ومع ذلك فنحن لا نذكر اليوم هذه الحضارة إلا بخير بل نمدحها لأنها عمرت مدينة سراييفو وتركت وراءها الأبنية والعمران وغير ذلك.

زهراء/ أستاذة في كلية الدراسات الإسلامية-سراييفو:

نلاحظ على مر التاريخ أن البوشناقيات كن يرتدين الحجاب لأسباب مختلفة، كان ذلك عملا إلزاميا في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى كن يرتدين الحجاب في أوقات الصلاة أو عند الذهاب إلى المسجد وخاصة في رمضان والأيام المباركة الأخرى، ولو أنك عدت إلى عائلتي لوجدت أن جدتي لأمي وجدتي لأبي كانتا ترتديان النقاب خارج المنزل وهو ما يشير إلى هويتهما الإسلامية وقد استمر ذلك حتى إصدار الأوامر الشيوعية بمنع النقاب عقب الحرب العالمية الثانية، ثم استمر الحجاب بعد ذلك لكنه لم يعد جزءا من الهوية الإسلامية خارج المنزل.

سابينا تيهيتش:

الكثير من أبناء هذا العصر يهاجمون فترة النظام الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية عندما سيطر على البلاد نظام شيوعي، لقد كان آباؤنا وأمهاتنا يحجبون عنا حقيقة أننا مسلمون خوفا علينا، كانوا يخفون ذلك تماما، ومن ناحية أخرى كان التعليم الديني ممنوعا في مرحلة نشأتي وهذا الأمر لا يتعلق بالمسلمين فحسب بل كان ذلك حال الأديان كلها.

سنادا طاهروفيتش/محررة في مجلة المعلم الجديد:

بعد وصول الشيوعيين إلى السلطة أمروا النساء المسلمات بخلع الحجاب تماما بدعوى تحرير المرأة المسلمة وإدماجها في المجتمع وكان ذلك بلا شك أمرا محزنا جدا لنا. إن إلزام المرأة في البوسنة والهرسك خلع الحجاب نجم عنه عدم اندماج أكثر من 50% من النساء اللواتي طبقن هذا القرار في المجتمع على الرغم من حصولهن على البطاقات الشخصية وكان ذلك خطوة إلى الخلف بالنسبة إليهن، حتى استطعن لاحقا لبس الخمار والحجاب والخروج إلى الشارع. قبل منع الحجاب كن يخرجن لاصطحاب أولادهن إلى المدرسة أو إلى الطبيب وبعد منعه اخترن بإرادتهن البقاء في المنزل وهكذا ظلت الأجيال التالية من النساء منغلقات لافتقادهن حرية الخروج، لقد كن يشعرن بالحرية قبل منع الحجاب وبعد منعه التزمن البيوت تماما.

زهراء:

كانت جدتاي منذ ذلك الوقت ترتديان الحجاب خارج المنزل أما أمي فلم تكن ترتديه خارج المنزل لأنها كانت موظفة، في حين أنها كانت ترتدي اليمانية داخل المنزل واليمانية هي نوع من الحجاب الخفيف وكانت تعتبر جزءا من هويتها البوشناقية داخل البيت. عندما كنت أنا وأختي صغيرتين كنا نرتدي الحجاب ونذهب معا إلى الكتاب لتعلم الأحرف العربية الأولى وحفظ القرآن الكريم وتلاوته وكان اتصالنا بالحجاب أشد إذ كنا نحمله في حقائبنا مع المصحف ونرتديه، وحينما كبرت وانتقلت للعيش في المدينة الكبيرة كنت أذهب مع أقراني إلى المساجد والحفلات الدينية المختلفة ونحن نرتدي الحجاب الذي كان مطلوبا حينها مع انخفاض حدة الضغوط الشيوعية في هذه المناطق، لقد كان الحجاب آنذاك جزءا لا يتجزأ من الأغراض الشخصية التي أحملها دوما في حقيبتي.

سابينا تيهيتش:

كانت حياتي منذ عام 1976 للميلاد حتى بداية الحرب مملوءة بالواجبات التي لا أزال حتى الآن أتساءل في نفسي كيف استطعت القيام بها! وفي هذه المرحلة ارتديت الحجاب الذي كان آنذاك شيئا غريبا ولا أدري بأي شيء غريب يمكن أن أقارنه حيث كان الناس يبدون دهشتهم الكبيرة منه وكأنهم لم يروا من قبل شيئا مثله. مع مرور مدة من الزمن على منع النظام الشيوعي المرأة من ارتداء الحجاب نسي معظم النسوة كيفية ارتدائه أصلا ولذلك أنكر علي كثير من الناس الحجاب، وهناك من هاجمني قائلا من أنه لا داعي لارتدائه وأنه يمكن أن تكون المرأة مسلمة بغير حجاب أو نقاب. لم يكن هناك أحد يؤيدني أو يدافع عني سوى زوجي وأمه وأما والداي فلم يؤيداني إلا يسيرا لأنهما يخافان علي. كان زوجي يعمل في الجيش ولما ارتديت الحجاب وانتشر الخبر سرح من وظيفته وبقي بلا عمل وذلك في عام 1982 للميلاد، كثرا ما كنا نتعرض للاعتقال على يد رجال الأمن للتحقيق معنا وكان هؤلاء يهددونا بأنهم سوف يضعون أولادنا في دار إيواء للأطفال وبأنهم سوف يقولون لأولادنا ولأصدقائهم بأننا من أسوأ الناس وإننا مودعون في السجن وإن مصيرنا مجهول وغير ذلك، ولا شك أن هذه المرحلة كانت شاقة وصعبة علي ولا أحب أن أتذكرها ولكن كان علي المرور بها والعيش فيها.

جوادة شوشكو/ أستاذة في التاريخ:

اسمي جوادة شوشكو ولدت في 6 أبريل عام 1970 للميلاد في مدينة سليتش شمال غربي البوسنة. سافر والدي إلى ألمانيا ضمن المجموعة الأولى من الناس الذي هاجروا لأسباب اقتصادية ولما استقر هناك سافرت له وأنا ابنة أربع سنين وقضيت في ألمانيا 13 سنة ثم التحقت هناك بالحضانة والمدرسة الابتدائية ثم بالثانوية العامة وتخرجت فيها، ثم التحقت بجامعة هايدلبيرغ وهي أقدم جامعة في ألمانيا حيث أسست في القرن 14 للميلاد ولما أنهيت المرحلة الأولى من الدراسة حصلت على منحة دراسية للالتحاق بجامعة كالتن في أوتوا عاصمة كندا وكان ذلك لمدة فصلين دراسيين، ثم عدت إلى جامعة هامبورغ بعدها بدأت في كتابة رسالة عنوانها التاريخ وإنثولوجيا البشانقة.

نيرا عوديتش كوفاتش:

الجاليات المسلمة في البلقان أي البوسنة والهرسك وبالتحدي في سراييفو كانت تمثل جسرا بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي كان الوضع هكذا حتى وقوع العدوان على البوسنة والهرسك بين عامي 1992 و1995 للميلاد وهي الفترة التي تعرض فيها هذا الولاء للاختبار.

جوادة شوشكو:

كنت أعتقد أن الكروات والصرب والبشانقة جميعهم ينتسبون إلى شعب واحد، كان الأمر كذلك إلى أن حدث ما حدث في تسعينيات القرن الماضي لا أعاده الله، بداية بسلوفينيا ومرورا بكرواتيا وانتهاء بالعدوان على البوسنة الذي كان أعظم شرا، وبالطبع الكل يتساءل ما سبب تلك الحوادث ومن أي خرج كل هذا الحقد الدفين، في تلك المرحلة أقيمت معتقلات مركزية وزج كثير من الناس فيها وهذه المصائب تحرك في الإنسان شعورا بالحاجة إلى معرفة الكثير عن نفسه وضرورة دراسة تاريخه وأصله، وبعد دراسة الأمر تبين اختلاف أصول هذه الشعوب بعضها عن بعض بغض النظر عن حقيقة أنهم يعيشون معا أو أننا نعيش بينهم لأن ذلك لم يكن بإرادتنا بل فرض علينا فرضا ومن المعروف أنه لا يدوم شيئا أسس بالضغط والإجبار كما أن هذه الحوادث أشارت إلى أن هذه الوحدة والأخوة بين هذه الشعوب لم تكن حقيقية أو صادقة.

زهراء:

في أيام الحرب كان كثير من البوشناقيات يرتدين الحجاب لأسباب مختلفة إذ كان بعضهن يرتدين الحجاب من منطلق المعرفة والثقافة الدينية بينما كان بعضهن ترتدينه في أيام الحزن على آبائهن أو أبنائهن أو أزواجهن وذلك بحسب عادة متبعة في التراث البوشناقي تتمثل في ارتداء الحجاب في مثل هذه الظروف مدة تتراوح بين سبعة أيام وعام كامل، ولكثرة حوادث القتل آنذاك، بقي الحجاب موجودا لدى الكثير من البوشناقيات اللواتي فقدن عزيزا عليهن وهو ما حدث معي تماما بعد معرفتي بخبر مقتل أمي في بداية الحرب في روغاتيتسي إذ ارتديته سنة كاملة ثم صار من الصعب علي خلعه لأنني شعرت بأنه أضحى جزءا من كياني.

جوادة شوشكو:

بعد كل هذه الظروف والأحداث كان لا بد لي من البحث عن أصلي وما شجعني على ذلك حادثة جرت بيني وبين صديقتي ليليانا وهي فتاة نصرانية من مدينة ديسليتش، بدأت صحبتي معها في ألمانيا حيث كنت أذهب إلى بيتها وأقضي معها بعض الوقت لكنني لاحظت لاحقا أنها بدأت تضيق بي وبوجودي في بيتها وأيقنت ذلك أكثر عندما لمّح لي أبوها الذي كان يتابع الأخبار باستمرار عبر إذاعة بلغراد ذات مرة بأن ليليانا لا تجد لديها وقتا تقضيه معي، فعدت حينها إلى بيتي وبدأت أبكي وبالطبع لم أفهم كل ما كان يجري حولي إلا بعد الأحداث الدموية وتدمير الأبنية الحضارية والدينية وكنت أتساءل كثيرا لماذا تدمر العمارات الدينية والجسور؟ لماذا يدمر شيء له فائدة ولا يمثل تهديدا لأحد؟! لا أدري كيف أصف كل ما كان يحدث آنذاك، ربما يكون قد استيقظ في ما نسميه العناد البوسني الذي لا يتنازل ولا يسمح لأحد أن ينتهك شيئا نحمله في أرواحنا وقلوبنا.

[فاصل إعلاني]

المرأة البوسنية المسلمة والبحث عن الذات والهوية

نيرا عوديتش كوفاتش: نحن الآن أمام المدرسة الموسيقية الابتدائية في إليجي وهي المدرسة التي كنت أدرس فيها، يمكننا رؤية البيانو المعروض هنا ليكون ذكرى أمام الأطفال وشاهدا على العدوان على البوسنة والهرسك بين عامي 1992 و1995 للميلاد على أمل ألا يتكرر ذلك أبدا، تربطني بهذه المدرسة ذكريات كبيرة جدا لأن قصة حياتي انطلقت منها، بعد إنهاء دراستي في هذه المدرسة التحقت بفرقة السلطان محمد الفاتح وهي فرقة تعزف الموسيقى الروحية للإسلام والألحان الصوفية. ما يثير اهتمامي كثيرا هو ما حصل في حفل افتتاح الجسر القديم في موستار الذي تم ترميمه بعد أن تهدم تماما إذ لم يسمح لي المخرج الذي كان مسلما بأن أظهر أمام الجمهور وأنا أرتدي حجابي وكنت أرغب بشدة أن أعزف في هذا الحفل بل كانت إحدى أمنيات حياتي وقد حقق الله أمنيتي لا أمنيته.

عائدة تولى/ أستاذة في علم النفس:

مرت طفولتي بمرحلتين، إحداهما في البوسنة والأخرى في ألمانيا ولهذا نشأت ضمن ثقافتين مختلفتين إلى حد ما نظرا لانتمائهما للثقافة الأوروبية الواحدة. كانت تربيتي مزيحا من حياة خاصة وحياة عامة وكان لدي مكون أساسي لحياتي الخاصة إذ كنت أكبر في مناخ عائلي يسوده الدين على الرغم من المفهوم السائد لدينا آنذاك من أن الدين للبيت ولا يذهب للخارج نحمله في قلوبنا ولا نظهره خارج البيت، وأعتقد أن هذا الأمر هو توجه أوروبي في التربية وموقف من الدين مفاده أن الدين أمر خاص بالفرد وأما الحياة الاجتماعية العامة فذلك شيء آخر ولا يمكن الخلط بينهما.

جوادة شوشكو:

عشنا تلك الفترة في ألمانيا التي كان فيها آنذاك تسامح واحترام للإسلام والمسلمين واستمر الوضع على ما هو عليه حتى أحداث نيويورك في 11 سبتمبر عام 2001 للميلاد. ربما وجد هناك أناس يتكلمون عن الإسلام أحيانا لكن لا يجدون من يلقي لهم بالا، ومع أحداث 11 سبتمبر بدأت المشاكل والنزاعات تجاه المسلمين واختفى التسامح وصار المسلمون يعاملون معاملة سيئة بغض النظر عن الالتزام الحقيقي بالدين من عدمه ولم نعد جميعا في نظرهم موضع احترام. كنت أفكر كثيرا في العودة إلى البوسنة وكنت أقول إن الالتزام بالدين هناك أسهل ويستطيع الإنسان إقامة الشعائر الدينية من دون أن يسأله أحد لماذا يفعل ذلك، وأيقنت أنني لن أضطر مجددا إلى الدفاع عن تصرفاتي الدينية والإسلامية في البوسنة وأنني خرجت بعد رجوعي إليها من حالة الدفاع لكن ذلك لا يعني أنني دخلت في حالة الهجوم.

نيرا عوديتش كوفاتش:

بعد أن ارتديت الحجاب وعرفت حقيقة دين الإسلام بدأت البحث عن هويتي الذاتية في بيئة أوروبية مسيحية وقد أثر ذلك بالطبع في تفكيري نحو الفن ولكنني أستطيع القول إن نظرتي للفن مع الحجاب هي ذاتها نظرتي له من دون حجاب. حينما أحضر أو أقدم الحفلات الموسيقية في أوروبا أشعر بعدم تقبل الجمهور لي وبعملي الذي أقوم به وأنا مرتدية للحجاب وعندها أحاول إصلاح سوء الفهم بالموسيقى على الفور.

سنادا طاهروفيتش:

أنا أنحدر من أسرة بوسنية محافظة ومتمسكة بدين الإسلام بصورة كبيرة وقد أثرت تربية والدي في شخصيتي تأثيرا كبيرا فتعلمت الكثير عن الإسلام في سن مبكرة. أعتقد أن من الأفضل للمرأة أن ترتدي الحجاب عندما تشعر بالنضج وأن تكون قادرة على قبول ما تختاره وعندما تدرك أن اختيارها هو اختيار ذات ودليل على رشد الإنسان ينبغي للمرأة المواظبة على ارتداء الحجاب في مجتمع ليس من السهل فيه دائما القيام بذلك، أعرف كثيرا من النساء اللواتي واجهن مشكلات لارتدائهن الحجاب وقد حدث ذلك قبل الحرب وبعدها أيضا.

سلمى غوروشانوفيتش/ خريجة الأكاديمية الموسيقية ومدرسة موسيقى:

بعد انتهاء الحرب انضممت إلى الأكاديمية الموسيقية في سراييفو وكان ذلك عام 1996 في تلك الفترة لم تكن حياتي مرتبطة بالإسلام ثم حدث ذلك في السنة الثالثة من دراستي في الكلية عندما تعرفت إلى زوجي. بعض الناس وجهوا إلي انتقادات وطالبوني بألا أفعل ذلك وأنه ليس جائزا وهؤلاء الناس في رأيي راديكاليون لأنهم يفسرون كل شيء حرفيا، حتى إنهم كانوا يرون أن الموسيقى حرام وأنه لا يجوز لي مواصة ما أقوم به وكان بين هؤلاء صديقات لي متطرفات يمينيات.

جوادة شوشكو:

عندما عدت بدأت بالاندماج في هذه المدرسة الابتدائية فدخلت في مجلس الشورى للآباء والأمهات وأصبحت رئيسا له وكنت أعطي بعض الطلاب دروسا في اللغتين الألمانية والإنجليزية مجانا وهو ما أثار بعض الشكوك لدى إدارة المدرسة فأخذت تسألني لمصلحة من أعمل ومن الذين يؤجرني، بل كان بعضهم يقول بأنني أجيرة إيرانية وخاصة الإدارة التي تبنت هذه الدعوة فدهشت كثيرا من عدم تفهم مثل هذا الموقف مني. وهكذا تبين لي أن اعتزالي من ذلك كله أحسن من بقائي فيه لأن كل ما كنت أفعله هو أنني أساعد الطلاب الذين كانت درجاتهم متدنية وأعطيهم دروسا في الألمانية والإنجليزية من دون مقابل لأن آباءهم وأمهاتهم درسوا اللغة الروسية فقط.

نيرا عوديتش كوفاتش:

في هذا الزمان إذا كنت ترتدين الحجاب فأنت غير متعلمة وغير متحضرة وأنت تنشرين الرعب العام من ركوب الطائرات مع المسلمين لمجرد ظهورك محجبة وهذا بالطبع ليس صحيحا فليس هناك أي صراع أو خلاف بين الحجاب وتطبيق الإسلام والثقافة الغربية.

سنادا طاهروفيتش:

من الغريب أن تحكم النظرة النمطية مجتمعنا وهذا الحال ينطبق على معظم المجتمعات الأخرى التي لا تخلو من مثل هذه الظواهر في الأغلب. في تسعينيات القرن الماضي كان الحجاب في نظر العامة أمرا قرويا لا يعبر عن الحداثة وليس مناسبا للشابات وكانت الفتيات اللواتي يرتدين الحجاب يوصفن بأنهن تحت تأثيرات محددة أي أنهن لن يخترن ذلك التصرف بإرادتهن بل إن هناك من أثر فيهن وقام بغسل عقولهن، هذه هي النظرة النمطية.

فاطمة لاتشيفيتش/ أستاذة الفلسفة وعلم الاجتماع بكلية الآداب: لقد زاد اهتمامي وتأملي في محاولة مني كي أفهم العلاقة بين المرأة المسلمة وبين اللباس الذي ترتديه فبحثت في الكثير من التفسيرات والموضوعات والآراء والأحكام التي تهتم بتحديد ما هو المهم بالنسبة لهوية المرأة المسلمة، كانت مرحلة طويلة ولكن كان يجب علي أن أبحث ويمكننا هنا أن نأخذ من كل تلك الأحكام والتفسيرات والآراء قولين بارزين فقط، القول الأول وهو الذي يرى أن المسلمة هي المرأة التي ترتدي حجابا يستر رأسها وشعرها ووجهها وتلبس الفستان الطويل والملابس الطويلة أيضا فكل من تفعل ذلك فهي مسلمة حقيقية، والقول الثاني يرى أن المرأة المسلمة التي لا ترتدي الحجاب أو قد ترتديه أحيانا وتخلعه أحيانا أخرى مثلما أفعله أنا هي أقل شأنا من الأولى التي ترتدي الحجاب، أو نستطيع أن نقول إنها أقل أصالة والتزاما من المرأة التي ترتدي الحجاب طوال الوقت، ذلك بحسب تعريف هوية المرأة المسلمة، هذا هو ما توصلت إليه بعد اطلاعي على كل الموضوعات والآراء التي تتعلق بتحديد هوية المرأة المسلمة.

عائدة تولى:

الهوية الأساسية هي ذلك الشيء الذي يكون طاقتنا الداخلية ويجعل قدرتنا فريدة وهو مجموع الصفات الشخصية التي نتحلى بها، أما الهوية الثانوية فهي كل ما نتصور أننا نتسم به وهي الهوية الدينية والقومية والجغرافية والسياسية والمهنية والأسرية وغيرها.

سنادا طاهروفيتش:

أعتقد أن مسألة ارتداء الحجاب لا يمكن أن تكون قضية مهمة حقا في أي مجتمع لأنني في الحقيقة لا أرغب في أن أقدم لأي شخص كان تبريرات أو أسبابا دفعتني لارتداء الحجاب، لا أرغب بفعل ذلك، برأيي هناك في كل مجتمع قاعدة وانحراف عنها فإذا كنت مطالبة بأن أبرر ارتدائي للحجاب فأنا منحرفة عن القاعدة إذاً لكن من الذي يحدد قاعدة السلوك؟ اليوم في البوسنة والهرسك أصبحت القاعدة هي عدم ارتداء النساء للحجاب، أما نحن المحجبات فأصبحنا منحرفات عن القاعدة فهل ينبغي أن أوضح لماذا أنا كذلك؟ لا لا، لا أريد ذلك حقا.

عائدة تولى:

تعتقد المرأة أنها إذا غيرت لباسها فقد تحررت من جميع القيود ولا سيما آراء الناس فيها وأنها بذلك ستنال حقوقها ولكنني أعتقد أن تحليل المشكلة بهذه الطريقة خطأ، وبالطبع إذا كان تحليل المشكلة مبني على خطأ فلن يتوصل المرء إلى حل لها، إذاً من المهم جدا أن نقوم بتعريف المشكلة وتحليلها بأسلوب صحيح.

سنادا طاهروفيتش:

في إطار امتحان تخرجي في كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو كنت أعالج موضوع النقاب والحجاب وانتهيت إلى أن النقاب والحجاب كانا جزءا من لباس النساء في البوسنة والهرسك حتى الحرب العالمية الثانية وفي الفترة ما بين الحربين العالميتين كانت تجري هنا مناقشات شديدة ومكثفة بين المثقفين المسلمين بشأن ما ينبغي أن يفعله المجتمع الإسلامي حتى ينضم إلى قطار الحداثة الذي كان قد تنقل في أنحاء كثيرة من أوروبا، وما أن يطرح سؤال الحداثة والتحرر حتى تقفز إلى أذهان المثقفين المسلمين وغير المسلمين قضية المرأة وحقوقها وأهمية تعليمها ولا سيما ارتداء الحجاب الذي ينبغي أن يكون بقرار شخصي منها، وبالفعل جرت في البوسنة والهرسك مناقشات كثيرة وطرحت آراء مختلفة بشأن ذلك الموضوع خاصة من أولئك الذين يرون أن الوضع الحالي للمرأة المسلمة لا يمكن أن يتغير وأنها يجب أن تبقى منفصلة داخل المجتمع مثلما كانت حتى ذلك الوقت.

سلمى غوروشانوفيتش:

أي نوع من أنواع العزلة عن الحياة ليس جيدا سواء للرجل أو المرأة كما أن ذلك النوع من الأشخاص ليس مقبولا في أي مكان وخاصة في البوسنة والهرسك التي تتميز بخصوصية الحياة والطوائف المختلفة التي تعيش على أراضيها وتلك الآراء الراديكالية أو المتشددة التي لا تلقى كثيرا من الدعم كانت موجودة ولا تزال ولكنني أعتقد أنها لن تدوم كثيرا هنا، ببساطة يمكن القول إن المرأة في البوسنة والهرسك حرة تماما وتتمتع بجميع حقوقها التي منحها لها الإسلام منذ أكثر من 1400 سنة تقريبا.

سنادا طاهروفيتش:

مثلما تكون المرأة المسلمة ربة منزل فإنها تستطيع تماما أن تشارك في جميع التيارات المجتمعية داخل مجتمعها التي تعيش فيه. وذلك التصور برأيي هو الأفضل لأنه لا ينبغي لأحد أن يحدد لي ماذا سأفعل.

أرضوانا كوريتش/ مذيعة ومحررة برامج: قضيت عدة ليال وأنا أستمع إلى جدل كان يدور في الغرفة المجاورة لغرفتي بين أبي وأمي التي كانت ترجوه أن يحترم قراري ولا يخلع الحجاب بغلظة عن رأسي وعندها أيقنت أنا ما أقوم به هو الصحيح لأنني مقتنعة به تماما وأمتلك من القوة والإرادة ما يمكنني من الالتزام به على الوجه المطلوب. أنا أول مذيعة تعمل في الإعلام وتظهر في التلفاز وهي ترتدي الحجاب في المنطقة عامة، أشعر بأن الحجاب مسؤولية كبيرة ملقاة علي، لأكون عند حسن ظن الجمهور الذي منحني ثقته وأؤكد بصدق أنني لم أواجه أي مشكلة بسببه بل ربما لفت الحجاب الأنظار إلي ولا شك أن هذا أمر مهم لأي مذيعة ومن هنا أرى أن واجبي أن أبذل جهدا يفوق جهد زميلاتي ثلاثة أضعاف لأن كل كلمة أقولها محسوبة علي والأنظار كلها موجهة إلي.

نرمينا باليفيتش/ نائب في البرلمان: أنا أعمل حاليا مدرسة لثقافة الديانات في المدرسة البوشناقية الأولى في سراييفو وأدرس الطلاب قبل كل شيء التسامح والآداب التي تتحدث عنها الديانات السماوية الثلاث. طبيعة عملي تفرض علي أن أقابل شبابا مختلفي الطبائع ومع ذلك لم أشعر أن حجابي يقلل من شأني أو يزيد نفوذي أكثر من اللازم وأنا أحاول إقامة التوازن في هذا الشأن. انخرطت في العمل السياسي بنشاط عقب العدوان على البوسنة والهرسك وقضيت خمس سنوات سكرتيرة في الحزب السياسي الأقوى على مستوى إقليم سراييفو، كما أمضيت فترتين في مقاعد مجلس الإقليم بصفتي نائبة في مجلس الإقليم وبرلمان الفيدرالية ومجلس الشعب، ظهوري في الحياة العامة كان أكبر نظرا لكوني المرأة المحجبة الوحيدة ضمن عدد قليل جدا من النساء في الحياة السياسية وذلك لأن السياسة ليست بأي حال من الأحوال عملا سهلا بالنسبة إلى المرأة وخاصة المرأة المحجبة.

ماجدة ملاعثمانوفيتش/ طبيبة: لم يمنعني الدين وتقاليد ارتداء النقاب في عائلتنا من دراسة الطب والعمل في هذا المجال لأنني حاولت بقدر المستطاع أن أوفق بين اعتقادي الديني وظروف عملي في مجال الطب وذلك من خلال استبدال النقاب بالقناع الطبي ولقد كانت فكرة ممتازة وأعتقد أنني نجحت في ذلك إلى حد كبير. أنا أدرك تماما استحالة عمل المرأة التي تضع النقاب خاصة أن هناك شروطا يجب توافرها في مكان العمل لكنني استغللت القناع الذي يعد جزءا أساسيا من الزي الطبي وربطته باعتقادي الديني ولهذا لا أواجه أي عائق في عملي. زوجي آدم يعمل طبيبا مثلي وكنت وما زلت ألقى تأييدها كبيرا منه في عملي وديني وأسرتي، أنا وزوجي آدم كنا نعمل معا منذ أيام الدراسة بعد ذلك بدأنا العمل سوية في كتابة العديد من المقالات والنشرات التي حاولنا فيها الربط بين الصحة والإسلام.

أرضوانا كوريتش:

هناك سؤال كثيرا ما كان يطرح علي أثناء مقابلاتي مع وسائل الإعلام البوسنية أو الكرواتية هو هل طريقة ارتداء الحجاب أسلوب خاص بي style أو هو أمر ديني؟ فكنت أجيب عن هذا السؤال دائما بأنني أنا صاحبة القرار في هذا الشأن وليس مطلوبا مني أن أقدم الأسباب والمبررات التي دفعتني لارتداء الحجاب. في عام 2008 جاءني عرض من اليونيسيف بأن أكون سفيرة البوسنة والهرسك في مكافحة التيتانوس وهو العرض الذي أدهشني تماما مثلما أدهش كل من حولي من الأقارب والأصدقاء والزملاء وتساءل الجميع آنذاك عن سبب اختيار اليونيسيف لي دون غيري، وأعتقد أن هذه هي المرة الأولى التي تختار فيها المنظمة الدولية سفيرا لها من البوسنة والهرسك يعمل باسمها في مكان ما في هذا العالم.

جوادة شوشكو:

كثيرا ما نسمع بعضهم يقولون إن المرأة المحجبة مظلومة ومعرضة للذل والتضييق عليها في كل مكان، وفي الواقع إن المرأة المحجبة هي أولا وأخيرا إنسان مثلها مثل أي امرأة أخرى مسلمة أو غير مسلمة في هذا العالم ويجب أن تعامل باحترام وبطريقة تناسب منزلتها وإمكاناتها العقلية، ومن هنا أطالب جميع النساء المحجبات بمواصلة السير على طريق التقدم والنجاح. woujhat@aljazeera.net