- أصول الفكر السياسي في القرآن
- التعددية حسب الرؤية الإسلامية

- التجربة الإسلامية العربية والتجربة التركية

- تباين الحركات الإسلامية العربية وآفاق تطورها


عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقة هذا اليوم من برنامج الشريعة والحياة، والتي تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز{ إن الدين عند الله الإسلام..}[سورة آل عمران/19]، ويقول، عزّ من قائل { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين }[سورة البقرة/2]، فالدين الإسلام، واحد لا يتعدد بحسب القرآن، وكون القرآن كتاب هداية، يعني أنها هداية شاملة وعامة، لما يحقق السعادة في المعاش والمعاد، في الدنيا والآخرة. فالهداية ليست مسلكاً تعبدياً يقتصر على المسجد وأداء العبادات من صلاة وصوم ونحوهما، بل تشمل الهداية كل الطرق المؤدية إلى إصلاح المعاش، وما يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وأصل الهداية في القرآن ومرجعية الإسلام، وحولهما يدور نقاشنا اليوم من خلال جملة من التساؤلات، فهل صحيح أن القرآن المكّي لم يحتو على فكر سياسي؟ وماذا يترتب على القول بأن القرآن المكّي والمدني كليهما احتويا فكراً سياسياً؟ ومن يمثل الإسلام؟ وما الموقف من السؤال المطروح، أي إسلام يحكم؟ وما مصير مقولة، الإسلام هو الحل، في ظل وجود تعددية إسلامية سياسية؟ الإسلاميون والإسلام موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور التيجاني عبد القادر أستاذ الفكر السياسي الإسلامي في جامعة زايد في الإمارات العربية المتحدة. مرحباً بكم دكتور.

التيجاني عبد القادر: مرحباً، مرحباً يا أستاذ.

أصول الفكر السياسي في القرآن

عثمان عثمان: طبعاً أمامنا العديد من المحاور التفصيلية، ولكن قبل الدخول إليها، من الشائع والمعروف أن القرآن المكي لم يتناول أصول الفكر السياسي، إنما ركّز على العقيدة وترسيخ هذه العقيدة لدى معتنقيه، أنتم تقولون بأن أصول الفكر السياسي كانت موجودة في القرآن المكّي، كيف ذلك؟

"
القرآن المكي يركز على قضية العقيدة ولا يطرحها باعتبار أنها مجرد مسألة فلسفية مجردة، ويعرض قضية العقيدة من خلال عرضه لنماذج تاريخية، وتطور تجربة سياسية عميقة
"
التيجاني عبد القادر: صحيح، هنالك فهم سائد بين الكثير من الدارسين أن القرآن المكّي لم يحتو إلاّ على أصول الاعتقاد، وأن الفترة المكيّة هي التي شهدت تنزيل الآيات المتعلقة بالتفاصيل الفقهية والقضائية، وبالتالي، القرآن المدني في الفترة المدنية هو الذي احتوى على تفاصيل التشريعات المتعلقة بالدولة. ولكن هذا قول يحتاج إلى مراجعة، وقد تيسر لي أن أنظر في سور القرآن المكّي ولاحظت الآتي، لاحظت أن القرآن.. صحيح القرآن المكي يركّز على قضية العقيدة، ولكن لا يطرح قضية العقيدة باعتبار أنها مجرد مسألة فلسفية مجردة، وإنما يعرض قضية العقيدة من خلال عرضه لنماذج تاريخية، وتطور تجربة سياسية عميقة ولهذا السبب ترى القرآن المكّي يبتعث قصة إبراهيم، والهجرة الإبراهيمية والمواجهة التي قام بها إبراهيم..

عثمان عثمان: أين المعنى السياسي في هذه القصص؟

التيجاني عبد القادر: المعنى السياسي هو يعرض نموذج للقيادة السياسية، يعرض رؤية للتغيير الاجتماعي، يعرض رؤية للمواجهة بين الحق والباطل، وتتجسد هذه بصورة أوضح في قصة سيدنا موسى عليه السلام، والتجربة الإسرائيلية بأكملها، لأن هذه التجربة اكتملت فيها عناصر الدولة والشعب المضطهد، يعرض فيها تجربة الطاغوت الفرعوني في مصر، فأيضاً هذه تجربة يعني كبيرة، فالسؤال أنه لماذا تُطرح هذه النماذج؟ أنا في تقديري، أن الفكرة وراء هذ العرض هو لفت النظر للوعي التاريخي، لأن هناك ارتباط قوي بين الرؤية السياسية والرؤية للتاريخ نفسه، لأنه إذا تكونت لديك رؤية للتاريخ سوف تنبثق عنها رؤية للسياسة، فالقصد في الفترة المكّية هو تركيز وترسيب هذه الرؤية وهذا الوعي التاريخي في نفسية الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي نفسية المؤمنين القائمين بها، ولماذا؟ لأن هذا الواقع الإسرائيلي أو الفرعوني أو الواقع السياسي المشتبك، لم يكن مجرد ماضي انتهى، وإنما سوف يقابلهم بعد قليل في المدينة نفسها.

عثمان عثمان: وربما هذا ما حدث تطبيقاً في السنّة النبوية أو في السيرة النبوية..

التيجاني عبد القادر: صحيح.

عثمان عثمان: يعني السنة النبوية كانت تمارس عملاً سياسياً أيضاً، كما ذكرتم في كتابكم، أصول الفكر السياسي في القرآن المكّي في الفترة المكية. ولكن دكتور، السؤال الآن، كيف نفهم نشوء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة بعد الهجرة النبيوة الشريفة؟

التيجاني عبد القادر: الدولة صحيح قامت في المدينة المنورة، لكن مُهِّد لها في مكة. يعني الرسول عليه الصلاة والسلام فترته التي قضاها في مكة، كان يسعى سعياً سياسياً مباشراً، إمّا لمحاولة محاكمة قريش إلى الحِس الأخلاقي، ومحاولة إضعافها من الداخل وتفجير بعض التناقضات في داخلها، أو محاولة تطويقها بأحلاف من الخارج، ولذلك تراه خرج من مكة إلى الطائف في محاولة لإيجاد حلفاء ولإيجاد وسائل لتطويق مكة في مصالحها الاقتصادية وكذا.. أيضاً تلاحظ أن الرسول عليه الصلاة والسلام قام قبل الهجرة بعقد تحالفات ولقاءات متصلة مع الأوس والخزرج، فبيعة العقبة الأولى والثانية تمت وهو في مكة، فهذا هو التمهيد وهذا هو السعي السياسي الذي مهد لدولة المدينة، فهو لم يذهب إلى المدينة إلاّ بعد أن أقام تحالفاً سياسياً مناسباً، يعني يمهد له إقامة الدولة. ثم لو تلاحظ أن أول عمل عمله في المدينة، هو أقام دستور وتحالف يجمع فيه القبائل العربية واليهود.. فهذا الدستور هو تجسيد وانعكاس للرؤية التاريخية التي تكونت في مكة. فيوجد علاقة بين دستور المدينة وبين التأمل في التاريخ الإسرائيلي، باعتبار أن القرآن المكّي يريد أن يقول للرسول عليه الصلاة والسلام أن هنالك تواصل في التجربة الدينية، أن الرسالة المحمدية هي رسالة خاتمة، لكن سبقتها رسالات على مدى التاريخ، وهناك اتصال فكأنما فترة الشرك القرشي الجاهلي هذه، كانت فترة انقطاع عن دين التوحيد، فتكونت هذه الرؤية الاتصالية واستمرارية التاريخ وانعكست في دستور المدينة. ولذلك الرسول لما جاء وأسس دولته في المدينة، يعني استوعب فيها الكيانات غير المسلمة حتى، وهذا استناداً على أنه نحن ننتمي إلى أصلٍ اعتقادي واحد وإن تعددت شرائعنا.

عثمان عثمان: نعم، إذاً أنت تقول دكتور أن القرآن المكّي والقرآن المدني كليهما يحملان فكراً سياسياً، ماذا يترتب على هذا القول؟

التيجاني عبد القادر: يتصلان، طبعاً نحن لا ندّعي أن هناك تبعيض أو تجزئة بين أجزاء القرآن، القرآن هو نسيج واحد. ولكن نريد أن نقول أن هنالك أصول، وهنالك في السياسية، في علم السياسية وفلسفة السياسية.. فلسلفة السياسية تتعلق بالأصول الكبرى، النظرة للمجتمع، النظرة إلى العلاقة بين المجتمع والدولة، النظرة لفلسفة الدولة الورائية، هذه كليات، فرُكِّزت هذه الكليات في القرآن المكّي باعتبار أنها معاني جامعة، ثم فصِّلت في الفترة المدنية، فيوجد تكامل بين القرآن المكّي والقرآن المدني بهذه الصورة. لكن الذي كنت أعترض عليه هو تجريد القرآن المكّي تماماً من الفكر السياسي، باعتبار أنه قضية توحيد فقط، فأنا كنت أقول أن التوحيد تدخل فيه السياسة يعني.

عثمان عثمان: ربما عقيدة التوحيد هي..

التيجاني عبد القادر: تشتمل.

عثمان عثمان: يعني في وجه عقيدة الشرك، وهو بحد ذاته كيانان متناقضان أو متصارعان.

التيجاني عبد القادر: صحيح لأن الشرك كان ترتيباً اعتقادياً، وتنبني عليه مصالح اقتصادية وتنبني عليه مصالح سياسية، وقريش كانت تدّعي أنها هي تمثل الدين والتراث الإبراهيمي، وكانوا يعتقدون أنهم على دين، دين آبائهم إبراهيم وإسماعيل، والكعبة وما فيها، فكانت يعني قريش تطوّع هذه الأيديولوجية لخدمة مصالحها، ولذلك لما تأتي دعوة للتوحيد والرجوع إلى أصل الدين الإبراهيمي، فهذا يجرّد قريش من هذه السلطة الأيديولوجية، وهذا عمل سياسي يهدد مصالحها السياسية، يهدد مصالحها الاقتصادية، ولو كان الرسول عليه الصلاة والسلام في مكة مجرد فيلسوف يتكلم فقط عن التجريد، لما أَبهت قريش لذلك ولما أخرجته أصلاً من مكة.

عثمان عثمان: عندما شعرت بأنه يهدد كيانها ووجودها. دكتور يعني من كلامك ربما نفهم أن المسلم يجب أن يحمل وعياً سياسياً، أن يتكون لديه وعيٌ سياسي ما، البعض يقول بأن المسلم الذي لا يحمل فكراً سياسياً، إسلامه منقوص، ماذا تقولون في ذلك؟

التيجاني عبد القادر: نحتاج هنا أن نعيد تعريف السياسة، إذا كان المقصود بالسياسة طبعاً، كما يقول إخواننا المصريون أنها هي بلطجة و.. فهذا لا يجوز للمسلم أن يُضيع فيه وقته. لكن السياسة في الإسلام لها معنى أعمق من ذلك، السياسة هي تتعلق بترتيب المعاش، كما تفضلت بذكر ذلك في المقدمة، والسياسة تتعلق بإقامة العدل، ولم يأت الرسل ولم تأت الرسالات ولم تأت الشرائع إلاّ لإقامة العدل بين الناس والحكم بينهم بالقسط، لأن الدنيا هي معبر إلى الآخرة، فإدارة الدنيا وترتيب الدنيا، هي جزء مكمّل إلى فلسفة الدين وإلى قضية التوحيد أساساً. فبهذا المعنى لا يمكن أطلاقاً أن نفصل السياسة من الدين.

التعددية حسب الرؤية الإسلامية

عثمان عثمان: دكتور لندخل بتفصيل أكثر إلى واقعنا الذي نعيشه اليوم، طبعاً الآن نرى تيارات إسلامية، أحزاب إسلامية متعددة، هذا التعدد هل يُضعف الإسلام، هل يضعف تمثيل الإسلام أم لا؟

التيجاني عبد القادر: يعني التعدد هو جزء من الرؤية الإٍسلامية، الإسلام يبيح في تقديري ثلاث مستويات من التعدد، والإسلام يبدأ بالمستوى العقيدي، فهو.. أي أن الله لا يحب لعباده الكفر، ولكنه في نفس الوقت لا يجبرهم على الإيمان، لا يجبر أحد على الإيمان، إذا شاء أن يختار الكفر فليختره، فمافي إجبار. هذا يعني أنه يوجد تعددية على المستوى الاعتقادي. ثم هنالك تعددية على المستوى الشرائعي، لكلٍ منكم.. جعلنا شرعة ومنهاجاً، أصلاً الدين واحد ولكن الشرائع تتعدد، فإذن هذا مستوى ثاني، { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة.. .. }[سورة النحل/93] مما يعني أنه نحن أمم متباينة ومتنوعة، وشرائع متباينة، فهذا مستوى. يوجد مستوى ثالث، تعدد في داخل الشريعة الواحدة حتى، الذي هو تعدد مذهبي، وهذا ما انتجته الخبرة الإسلامية، أنه عندنا مذاهب متنوعة، نتفق في أصول الشريعة، نتفق في أصول الدين، ونختلف في بعض التفريعات المذهبية. هذا التعدد، في تقديري، يُثري العمل الاسلامي ويثري الحراك الإسلامي، ويجعل المجتمع الإسلامي مجتمع مفتوح، ومجتمع قابل للتجدد وقابل للتطور. إذا كان في سلبيات، أعتقد أن الإيجابيات تطغى على السلبيات في هذا المجال.

عثمان عثمان: ربما، يعني العلامة الدكتور القرضاوي يقول، إن المذاهب أحزاب في الفقه، والأحزاب مذاهب في السياسة. ولكن البعض يطرح إشكالية الفُرقة التي تنتج عن هذا التعدد، يعني كيف نوازن؟

"
داخل الصف الإسلامي يكون فيه تعدد في تقدير المصالح وفهم النصوص، والتعدد إذا لم ينضبط بإطار مذهبي واضح وعقلاني وقابل للمراجعة والأخذ والعطاء، قد يكون فوضى لأن كل إنسان يقول ما يشاء دون أن تكون هنالك ضوابط
"
التيجاني عبد القادر: طبعاً يعني، نحن في داخل الصف الإسلامي يكون فيه تعدد في تقدير المصالح، يكون فيه تعدد في فهم النصوص هذه، فهذا طبيعي. لكن هذا التعدد ينبغي أن لايتجاوز حدود الأصول الجامعة، يعني ينبغى أن لايتجاوز مصالح الأمة العليا، لكن في داخل هذه الحدود يعني التعدد جيد ومفيد. طبعاً ممكن أذكر أيضاً من السلبيات أن التعدد إذا لم ينضبط بإطار مذهبي واضح وعقلاني وقابل للمراجعة والأخذ والعطاء، فقد يكون فوضى طبعاً، لأن كل إنسان يقول ما يشاء دون أن تكون هنالك ضوابط، حتى نستطيع أن نستدرك عليه أو نضيف إليه بعض الأشياء.

عثمان عثمان: المفكر الدكتور محمد عمارة يقول كلاماً دكتور.. إن الإسلام منذ تحول إلى حضارة وأمة وتاريخ، جمع الأمة على خمسة جوامع. ربما هذه من ضوابط التعدد، وحدة العقيدة، وهذه لا تعددية فيها، وحدة الشريعة ولا تعددية فيها أيضاً، وحدة الأمة، وحدة الحضارة، ووحدة دار الإسلامي وفي إطارها تكون هناك تعددية ويكون هناك تنوع واختلاف. ولكن دكتور، يعني لو أردنا أن ننطلق إلى موضوع التعدد إلى الأحزاب، هل يمكن أن نرى حزباً إسلامياً معيناً يدّعي تمثيل الإسلام دون سائر الأحزاب أو تياراً دون سائر التيارات؟

التيجاني عبد القادر: طبعاً لكلٍ أن يدّعي ما يشاء، يعني لا تستطيع أن تمنع إنسان من أن يتقدم بأي دعوة، ولكن على المدعي أن يثبت أحقيّته بهذا الأمر. فإذا ادّعى إنسان أنه يمثل الإسلام، فأهلاً وسهلاً فليقل بذلك، ولكن عليه أولاً أن يُظهر لنا ما هو المذهب الذي يتخذه في الرجوع إلى مصادر الإسلام وفي استخراج هذه الأحكام، حتى نستطيع أن نتناقش معه في هذه المذهبية أو في هذه الإجراءات التي يستخرج بها الأحكام، وعليه ثانياً أن يقبل الحوار في هذا المذهب الذي يطرحه لنا، لأنه في النهاية لا يكون لهذا الادّعاء قيمة إذا لم ينل رضى مجموعة كبيرة من المؤمنين ومن المسلمين، فهو يريد أن يتحدث باسم الإسلام ونحن نؤمن بالإسلام، فمهلاً، لكن نريد أن نعرف على أي شي هو استند؟ وما هي حجته؟ وما هي أدلته؟ فإذا نال رضا عدد مقدّر، فليكن لا بأس في ذلك فيستحق أن يمثل الإسلام عن جدارة، لكن في هذه الحالة لا نقون أنه يمثل الإسلام، لكن نقول أنه يمثل رؤية يحملها عدد من المسلمين للإسلام، فالإسلام ليس شخص طبعاً، وإنما الإسلام هو مُثل، والإسلام هو أفكار، فأنت..

عثمان عثمان: وأنا كنت أود أن أطرح سؤالاً، يعني هل المرجعية هي تتعلق بأشخاص أم تتعلق بمنظومة أفكار وقيم ومبادئ؟

التيجاني عبد القادر: يعني بالتأكيد المرجعية تتعلق بالنظم وتتعلق بالمبادئ وتتعلق بالمثل. يعني المرجع نحن نقول، المرجع هو الشريعة نفسها، لكن الأشخاص لديهم رؤية لهذه الشريعة، لديهم تأويل لديهم فهم لهذه الشريعة، فمن حقّهم أن يدّعوا هذا. ولكن أيضاً من حقنا أن يُطرح علينا هذا الفهم ويدور حوله نقاش ويحدث تراضي حوله، مثلما حدث مع أئمة الفقه مثلاً، يعني الإمام مالك مثلاً له رؤية في تفسير النصوص وفي حجيّة بعض النصوص إلى آخره، لكن لم يجلس في بيته ويقول هذه رؤيتي وعليكم أن تسمعوا إليها والنهائي، وإنما طرحت هذه الرؤية على المجتمع العلمي..

عثمان عثمان: هل ما تقوله دكتور ينطبق على واقع الحركة الإسلامية في هذه الأيام؟

التيجاني عبد القادر: الحركة الإسلامية، أنا في تقديري، تتهرب من أن تلتزم بمذهب واضح، سواء كان مذهب في الفقه أو مذهب في السياسة، وهذه مشكلة. طبعاً التهرب من المذهب كانت له أسباب موضوعية، باعتبار أنه نحن في خبرتنا الإسلامية، المذاهب تحوّلت إلى عصبيات وتحولت إلى تفريق بين المؤمنين فلذلك نفر كثير من المصلحين من الالتزام المذهبي. لكن، طبعاً التعصب مرفوض، ولكن لا ينبغي أن يُلغَى المذهب مع التعصب، فنلغي التعصب، نتخلص من التعصب، نتخلى عنه، ولكن نُبقي على المذهب..

عثمان عثمان: السؤل الذي أريد أن أطرحه دكتور، موضوع الحركة الإسلامية وتطابقها مع ما قلت من حيث المرجعية، هل هي مرجعية منظومة قيم ومبادئ وأفكار؟ أم أصبحت مرجعية أشخاص؟ أتكلم واقعياً.

التيجاني عبد القادر: واقعياً، بكل أسف، الذي ألاحظه في كثير من الحركات الإسلامية، أن المرجعية أصبحت مرجعية أشخاص، شخصيات قيادية لديها كاريزما معينة، أو لديها وجود فاعل في الحركة السياسية، وأكسبه يعني شيء كبير من الاحترام..

عثمان عثمان: طبعاً هذه إشكالية كبيرة، لماذا هذه الإشكالية؟

التيجاني عبد القادر: ما هو، الإشكالية طبعاً، أنت إذا تخليت عن المذهب فسوف يبرز الشخص. أول ما نقول نحن ماعندنا مذهب فقهي وليس لنا مذهب سياسي فإذاً المرجعية تبدو هي الأشخاص، لكن الإشكال هنا أننا نحن لا نعرف الشخص هو يتخذ قرارات خطيرة، ويتخذ ترجيحات، وتقدير مصالح، على أي أساس قام بهذا؟ فإذا تخلت الحركة الإسلامية لزعيمها أو لشيخها بأن يقوم بمثل هذا، فتكون هذه هي مشكلتها، وهذه مشكلة حقيقة. فالذي ألاحظه، صحيح أن الحركات الإسلامية في معظم الأحيان مرجعياتها هي أفراد.

التجربة الإسلامية العربية والتجربة التركية

عثمان عثمان: لو تحدثنا عن موضوع الحركات الإسلامية، اليوم في واقعنا المعاصر نعيش تجربتين، تجربة الإسلام العربي، التجربة العربية الإخوانية بشكل خاص، التي تقوم على أساس أن الإسلام هو الحل، والتجربة التركية من خلال حزب العدالة والتنمية، الذي لم يدّع أنه حزب إسلامي وبالتالي اعترف بالعلمانية، ما تعليقكم؟

التيجاني عبد القادر: يعني فيه أوجه للمقارنة لكن مع الفارق، يوجد فوارق بين التجربة الإخوانية العربية والتجربة التركية. وأولاً أنا أقول، إن المرحلة التاريخية التي يقف فيها حزب العدالة التركي، تختلف عن المرحلة التاريخية التي تقف فيها الحركات الإسلامية العربية.

عثمان عثمان: كيف ذلك؟

التيجاني عبد القادر: حزب العدالة التركي، يعني في تقديري، يقف في مرحلة ما بعد العلمانية الشاملة التي مرت بها تركيا، 75 سنة أو 80 سنة أو ما يزيد على ذلك بقليل، كانت مرحلة العلمانية المتطرفة، مرّ بها المجتع التركي ووصلت نهايتها تماماً. فحركة العدالة هذه، الحزب هذه، هي محاولة لتغيير الاتجاهات وترتيب الخطوات بصورة مختلفة. بالنسبة للحركات الإسلامية في الإطار العربي عندنا، هي لم تشهد مجتمعاتنا العربية في أسوأ حالاتها مثل التجربة العلمانية الشاملة التي شهدتها تركيا، فهذين إطارين مختلفين، واحدة. الشيء الآخر أيضاً، الاختلاف، أن الحركة السياسية التركية قريبة من الغرب وقريبة من التجربة الأوروبية عموماً، وليست قريبة فقط وإنما حليفة، وهذا القرب والتحالف بينها وبين الغربي أكسبتها بعض الأشياء الإيجابية، يعني استطاعت الدولة التركية، خلينا نقول أنها يعني، تكوّن قاعدة علمية، قاعدة تكنولوجية، يعني وقدرات مادية بصورة مناسبة، وتؤهل كوادر في هذا الاتجاه بصورة متقدمة على المنطقة العربية، في ذات الوقت المنطقة العربية كان ارتباطها بالاتحاد السوفيتي، لأسباب معروفة، لأنه نحن عندنا قضية قومية، هي قضية الاحتلال الإسرائيلي، ..

عثمان عثمان: حتى هذه المسألة، التحالفات العربية مع الاتحاد السوفيتي، أو العلاقات التركية الأوروبية، تؤثر على الحركة الإسلامية؟

التيجاني عبد القادر: نعم، تؤثر بصورة غير مباشرة، يعني طبعاً نحن، لو أكملت هذه النقطة، يعني فترة التحالف الطويل مع الاتحاد السوفيتي يعني خسرنا نحن، أقصد العرب والمسلمين، خسرنا من ذلك، أولاً التحالف كان بغرض المساعدة في القضاء أو في الدفاع خلينا نقول عن قضايانا المصيرية..

عثمان عثمان: يعني مثل.. بماذا تأثرت الحركة الإسلامية بهذا الموضوع؟

التيجاني عبد القادر: الحركة الإٍسلامية يعني ضغطت أمنياً لهذا السبب، لأنه طبعاً المعسكر الشرقي الذي كان حليف للقوى العربية هو معسكر معادي أيضاً لحركة الإسلام، وهو حركة علمانية متطرفة يعني، وبالتالي هو لا يريد أن يقوّي الحركة الإسلامية في العالم العربي، ولذلك تضررت الحركة الإسلامية باعتبار أن النظم العربية القومية التي كانت تتحالف مع الاتحاد السوفيتي، لم تتح مجالاً في العمل السياسي للحركة الإسلامية، وبطشت فيها في بعض الأحيان بطشاً شديداً، فهذا أثر على تطور الحركة الإسلامية، فتحولت إلى حركة سريّة، تحولت إلى حركة مستضعفة، تحولت إلى حركة، خطابها السياسي بصورة معينة، فهذه كلها تأثيرات سلبية بفعل هذا التحالف الاستراتيجي الذي أقيم بين النظم العربية القومية والاتحاد السوفيتي.

عثمان عثمان: طبعاً يعني مفارقة عجيبة عندما نتحدث عن العلمانية المتطرفة في تركيا، وكيف نتَج حزب العدالة، أو خرج حزب العدالة والتنمية من رحم الحركة الإسلامية ربما، وفي واقعنا العربي والإسلامي لم تكن تلك العلمانية المتطرفة، ولكن ربما نتج عن الحركة الإسلامية بعض الأعمال المتشددة والتي تجاوزت الحد عند بعض السياسيين والمفكرين. دكتور، نتابع معكم إنشاء الله بعد فاصل قصير، نعود إليكم إنشاء الله تعالى بعد هذا الفاصل، فتفضلوا بالبقاء معنا.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: مرحباً بكم مشاهدينا الكرام إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة، والتي نتحدث فيها عن الإسلاميين والإسلام مع الدكتور التيجاني عبد القادر. دكتور كنا نتحدث عن التجربة التركية والتجربة الإسلامية العربية، طبعاً أنتم تعتبرون التجربة التركية، حزب العدالة والتنمية، تجربة إسلامية أم لا؟

التيجاني عبد القادر: لا نستطيع أن نخرجهم من الإسلام، يعني هم خرجوا..

عثمان عثمان: هم قالوا بأنهم ليسوا حزباً إسلامياً.

التيجاني عبد القادر: ليسوا حزباً إسلامياً ولكن عندهم رؤية في هذا الأمر، هم يعتبرون أن الإسلام ليس الصوت الوحيد في الحياة السياسية التركية وإنما هو صوت من ضمن الأصوات.

عثمان عثمان: إنما سألت هذا السؤال حتى أصل إلى أمر آخر يعني، ما أسباب نجاح حزب العدالة والتنمية في تركيا، بينما لم نجد هذا النجاح عند الحركة الإسلامية في المجتمعات العربية؟

التيجاني عبد القادر: أنا أعتقد أن واحد من أسباب نجاح حزب التنمية في تركيا أنه هو.. في استمرارها، نفس ما ذكرناه سابقاً، أنه لم يحدث بينهم وبين العمق الشعبي والجمهور الشعبي، لم يحصل بينهم انقطاع مع الحزب، ففيه تواصل من خلال الفعاليات الشعبية من خلال حتى الحركة الصوفية العادية، التدين الشعبي الذي نسميه، فحزب العدالة يعني له جذور في العمق الشعبي التركي، رغم وجود العلمانية الطاغية في فترات كثيرة من الحياة، فهذا يعني أكسبه شيئاً، يعني هو مش مجرد حزب شكلي، وإنما حزب له أعماق. الشيء الثاني، أنا أعتقد أن اهتمام حزب العدالة بقضية العدالة وبقضية التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، هذه أمور مهمة جداً لأنه طبعاً، يعني في المجتمع الحديث، الحديث المجرد عن المثل وعن الشعارات لا يغني شيء، وإنما الناس يحتاجون أن هذه المثل تحوّل إلى برامج عملية في واقع الناس المعيشي. فأنا أعتقد أنهم أصابوا في هذا المجال، وجّهوا اهتمام مُركّز وعلمي مبرمج دقيق إلى مسألة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والاهتمام بصغار المنتجين وبصغار المزارعين وبصغار التجار، بالشرائح الضعيفة في المجتمع، وهذا تحالف استراتيجي أفادهم أيّما إفادة في المجتمعات التركية.

عثمان عثمان: بينما في المجتمع العربي تعتبر أنه لا يوجد مثل هذه التخطيط والعمل؟

التيجاني عبد القادر: نعم، أعتقد أن الخطأ الذي وقعت فيه الحركة الإسلامية في المجمعات العربية، هي أنها لم تحرص على التواصل مع الجمهور العريض، اكتفت بتنظيم هرمي مغلق، وانشغلت بقضايها وبمصالحها التنظيمية والفئوية إلى آخره، وأصبحت حركة صفوية فعلاً. يضاف إلى ذلك أن معظم الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي تتوجّس من التدين الشعبي ومن هذه القطاعات، إلاّ في..

عثمان عثمان: كيف ذلك؟

التيجاني عبد القادر: لأن طبعاً؟ التدين الشعبي فيه الكثير من التخليط، وفيه كثير من البدع وفيه الكثير من الجهل أيضاً، فهم يعني يستنكفوا عن هذا الاتجاه طبعاً، ولذلك تلاحظ أن الطرق الصوفية هي التي سدت هذا الفراغ، يعني المجال الشعبي تغطى بالطرق في كثير من المجتمعات الإسلامية، لكن الحركة الإسلامية حصرت نفسها في الغطاء الحديث المتعلم، المدارس العليا والجامعات وكذا.. إلى آخره، وهذا طبعاً أضعفها شعبياً. لكن يوجد بعض الحركات حاولت استدراك ذلك، بأنها فعلاً تنحاز إلى جانب المحرومين وإلى جانب المستضعفين. نحن الآن نعيش عصر العولمة هذا، والعولمة فتح فرص، ويعني فيه ناس يستفيدون منها، لكن العولمة عندها أيضاً ضحايا، ما كل إنسان يستطيع.. من الذي يعبر عن هموم وقضايا ضحايا العولمة هذه، النظام الرأسمالي الشرس هذا عنده ضحايا كثيرين جداً، الإنسان كان يتوقع أن الحركات الإسلامية هي التي تتبنى هذا الفاقِد الذي أنتجته حركة العولمة، في بعض الأحيان وفي بعض الدول انتبهت الحركة الإسلامية إلى هذا وحاولت أن تستدرك هذا النقص، ولكن تجربة تركيا تؤشر في هذا الاتجاه، أنه على الحركة الإسلامية فعلاً أنها يعني ترتب أولوياتها في المرحلة القادمة بصورة جديدة، بحيث أنها تحدد من هو حليفها الاستراتيجي بهذه المرحلة.

عثمان عثمان: دكتور يعني تحدثنا بإسهاب عن التجربة التركية، برأيك هل استفادت الحركة الإسلامية في البلاد العربية بهذه التجربة، يعني هل بدأت تعيد النظر في غرفة عملياتها؟

التيجاني عبد القادر: لا أعتقد ذلك، لا أعتقد ذلك، نحن قدرتنا على التغيير والتجاوب مع الحركات الجديدة ليست عالية، ولن تستطيع، في تقديري، الحركات الإسلامية أن تستفيد من مثل هذه التجارب، إلاّ إذا تخلت فعلاً من بعض الاعتقادات.

عثمان عثمان: هل ربما نشهد حركات أخرى غير الحركة الإسلامية الأم، نشهد حركات إسلامية على غرار حزب العدالة والتنمية في البلاد العربية؟

التيجاني عبد القادر: طبيعي، نحن في عصر تتدفق فيه المعلومات و تظهر فيه نماذج جديدة، فلست أستبعد أنه فعلاً تظهر حركات وتيارات، خلينا نقول، على هامش أو على جوانب الحركات الإسلامية التقليدية، فعلاً، والعالم يعني أصبح وحدة متقاربة أو متصل مع بعضه. لكن المرء يتمنى أن الحركات الإسلامية تستوعب هذه التجارب ولا تتجاوزها هذه الأحداث. نحن لا نقول أن التجربة التركية هي التجربة المثالية أو هي التجربة القدوة، ولكن نقول فقط أنها تؤشر على بعض النواقص في برنامج الحركات الإسلامية، ويجب استدراك هذه النواقص وتعديل البرنامج.

عثمان عثمان: طيب دكتور يعني إذاً الاستنساخ، استنساخ حزب العدالة والتنمية في البلدان العربية، شيء ممكن وربما نشهده في القريب العاجل؟ لو أردت أن أتحدث بموضوع، كذلك، يتصل بهذا الأمر، عن موضوع العمل الإسلامي أو موضوع الأحزاب أو العمل السياسي، الذي يضم في داخله إسلاميين وغير مسلمين، ما وجهة النظر تجاه هذا الموضوع؟

التيجاني عبد القادر: هذه طبعاً تعود بنا إلى قضية التعدد، التي تحدثنا عنها قبل قليل، فطبعاً التعدد يعني المغايرة، طبيعي في البرنامج، و يعني التناقض في بعض الأحيان، لكن هذه المسألة يمكن استدراكها بترتيب القوى السياسية ترتيب يتسق مع البرنامج الإسلامي. كيف يكون ذلك؟ أنه لو أخذت مثلاً المجموعات العلمانية، يعني المجموعات العلمانية ليست كتلة واحدة، أو المجموعات القومية يعني ليست كتلة واحدة، فقد تحمل برنامج مناقض للبرنامج الإسلامي، لكن هذا التناقض يكون مجرد تناقض ثانوي وسلمي، في الإطار السلمي، فهذا، أنا في تقديري، ينبغى للحركات الإسلامية أن تقبله وأن تتعامل معه، كل من يحمل تناقض ثانوي في إطار سلمي، يمكن التعامل معه ولا إشكال في ذلك. لكن قد يكون التناقض مش ثانوي، تناقض رئيسي لكن أيضاً تناقض سلمي، فهذا أيضاً يمكن التعامل معه، يعني الإنسان ممكن يعترض على البرنامج..

عثمان عثمان: حتى لو كان تناقض عقَدي؟

التيجاني عبد القادر: حتى ولو كان تناقض عقدي، طالما أنه يقبل الحوار ويقبل النقاش، فيمكن أن المجتمع السياسي يحتمله ويتعامل معه.

عثمان عثمان: ولكن هذا الذي يحمل مشروعاً أو فكراً عقدياً، أو عقيدة مخالفة لعقيدة الإسلام، هو يسعى من خلال عمله السياسي للوصول إلى سدة الحكم؟

التيجاني عبد القادر: نعم، لا بأس في ذلك، فنفتح له حرية الرأي، ونفتح له حرية التنظيم، ونستمع له، فمن يدريك لعلّنا أيضاً نكسبه أيضاً لصالح الإسلام، فليس يعني فيه إنسان يكون مصمت فالحوار والنقاش و.. . لكن الإشكال الوحيد هو في حالة أن يتحول التناقض الرئيسي هذا إلى حمل السلاح، وإجبار الآخرين على عقيدته هذه، هذا طبعاً لا يمكن في أي مجتمع، سواء كان مجتمع مسلم أو غير مسلم، لا يُسمح به. يعني من حمل السلاح ويريد أن يجبر الناس على اعتقاده، فخرج من إطار المجتمع السياسي السلمي، لكن أي مجموعة سياسية أخرى حتى ولو كانت مخالفة في الاعتقاد لكنها تقبل في قواعد العمل السلمي المدني فهذه يمكن التعامل معها بصورة طبيعية ولا حساسية فيها ولا حرج من الدين ولا حرج من الشريعة. بتقديري طبعاً.

تباين الحركات الإسلامية العربية وآفاق تطورها

عثمان عثمان: دكتور بالعودة إلى الحركة الإسلامية العربية، لنقل، أو في العالم العربي، الباحث خليل العنّاني يقول أو يتهم الحركة الإسلامية بأنها وصلت إلى خريف عمرها، ويتساءل هل دخل الإسلاميون العرب مرحلة الأفول السياسي؟ ثم يطرح أنه لو أرادت هذه الحركة أن تنفض عنها غبار الماضي أو أن تنهض من جديد، لا بد من أن تقوم بتجربة البيروسترويكا، وذلك بتجديد الخطاب الديني، تفكيك الخطاب الإسلامي، تجديد دماء الحركة الإسلامية، مارأيك بهذا الكلام؟

التيجاني عبد القادر: يعني التعميم غير دقيق، نحن لا نستطيع أن نعمم أن الحركة الإسلامية العربية، فيه خصوصيات قطرية، وخصوصيات إقليمية. وهذه الحركات تتباين، يعني الحركة السياسية في الأردن تختلف عن الحركة السياسية في، خلينا نقول اليمن، والحركة السياسية في اليمن تختلف عن الحركة السياسية في مصر، وفي السودان تختلف وفي تونس وهكذا.. ، ففيه تباين في هذه الحركات، بعضها مجتهد وبعضها مقصر وبعضها متقدم، لكن جوهر ملاحظاته فيه صحة، أنا أعتقد أن فعلاً الحركة الإسلامية تحتاج إلى تجديد فعلاً..

عثمان عثمان: هل هي وصلت إلى خريف عمرها بالفعل؟

التيجاني عبد القادر: هذا حكم متشاءم أكثر من اللازم، أنا لا أعتقد أنها وصلت إلى خريف العمر، ما هو الحركات السياسية يعني لا يحكم عليها بجيل أو جيلين، يعني ده عمل طويل. محاولة استدراك النهضة الإسلامية، هذا عمل استراتيجي تشتغل عليه أجيال بعد أجيال، فالمهم أن يحدث تراكم، والمهم أنه يحدث استيعاب للواقع، والمهم أنه يكون فيه اعتراف ومحاولة جادة لتصحيح هذه الأخطاء.

عثمان عثمان: قبل أن نكمل دكتور دعنا نأخذ هذه المشاركة من السيد هشام حميدي من تونس، تفضل أخ هشام.

هشام حميدي/ تونس: نعم.

عثمان عثمان: أخ هشام أسمعك تفضل.

هشام حميدي: السلام عليكم.

عثمان عثمان: عليكم السلام ورحمة الله.

هشام حميدي: أريد.. لكل بلد خصوصيته، لا يمكن إسقاط النموذج التركي على باقي الدول العربية، هذا ما أريد الإشارة إليه. لكن أريد أن أسأل الدكتور في هذا الجانب، عن مدى دور الأنظمة الحاكمة في العالم العربي، باعتبار الأنظمة الحاكمة في العالم العربي كلها علمانية تقريباً، عن دورها في ضبط أو في تحجيم وفي عدم إعطاء الحركات الإسلامية حريتها في التنظُّم، وفي بسط برامجها، وفي التوغل داخل الجماهير. لست معك في تكريس تركيا، تركيا لها خصوصيتها في هذا وليست كالعالم العربي. أريد من الدكتور أن يوضح لنا هذه النقطة بالذات. وشكراً.

عثمان عثمان: شكراً لك الأخ هشام. معنا الأخ الدكتور سيف موسى من الإمارات العربية، تفضل دكتور.

سيف موسى /الإمارات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: وعليكم السلام تفضل دكتور.

سيف موسى: بس كنت.. لو تفضل الأخ الضيف الدكتور التيجاني عبد القادر يعطينا أيضاً لمحة عن التجربة الإسلامية العربية حزب الله، باعتبار أنه حزب ظهر على المسرح السياسي بشكل أكثر من الاحزاب العربية الأخرى، يعني رغم أن المذهب على المذهب الشيعي، لكنه هو أيضاً بالتأكيد يُعد رافد مهم جداً من الروافد المذهبية في العالم العربي، فنتمنى من الدكتور أيضاً يُدخِل نموذج حزب الله في العمل السياسي والتغيير.

عثمان عثمان: هل من سؤال آخر دكتور؟

سيف موسى: شكراً جزيلاً.

عثمان عثمان: اتصال آخر من الأخت ناهد إدريس من الدوحة.

ناهد إدريس /الدوحة: ألو

عثمان عثمان:ألو مرحباً.

ناهد إدريس: دكتور السلام عليكم.

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

ناهد إدريس: أنا دكتور بدي أسأل عن التجربة الإسلامية في السودان، ويعني هي تعتقد أنها قدمت نموذج سيء..

عثمان عثمان: عفواً لم أفهم السؤال، تجربة..

ناهد إدريس: التجربة الإسلامية في السودان، نحن، كشباب، نعتقد أنها قدمت نموذج سيء للتجارب يعني.. لأنها في آواخر أيامها بعد الانشقاقات التي حصلت في التيار الإسلامي، أصبحت تقدم نموذج سيء في الاقتصاد، وفي الوضع الاجتماعي..

عثمان عثمان: وصلت الفكرة أخت ناهد، شكراً جزيلاً لك. دكتور، الأخ هشام حميدي قال، لا يمكن إسقاط النظام أو تجربة حزب العدالة والتنمية في الواقع التركي على الواقع العربي، يَعتبر أن هناك خصوصية لكل بلد.

التيجاني عبد القادر: نعم، صحيح وهذا ما أشرنا إليه نحن، أنا قلت عندها خصوصية وعندها ظرف تاريخي هذه التجربة فلا يمكن اسقاطها بحذافيرها، ولكن يمكن الاستفادة منها، نحن ننظر إلى الأشياء الإيجابية التي نجحت فيها هذه التجربة، ونقوم بمقايسة، لأنه طبعاً إذا أنت أسقطت إمكانية الاستئناس بالتجارب واستعصمت بفكرة الخصوصية المطلقة، فمعناها أن التجارب البشرية لا يمكن الاستفادة منها إطلاقاً، وهذا غير صحيح، وإنما فيه جوانب يمكن الاستفادة منها، وأنا أشرت إلى ذلك، أن التركيز على المحتوى الاجتماعي، الاهتمام بالعمق الشعبي للجماهير، عدم الإصرار على الهيكل التنظيمي الواحد بهذه الصورة، فهذه أشياء مفيدة للحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، وتحتاج أن يُستأنس بها.

عثمان عثمان: هو طرح موضوع دور الأنظمة العربية في تحجيم الحركة الإسلامية، والحد من دورها، طبعاً أنتم تحدثتم عن ذلك.

التيجاني عبد القادر: تحدثنا عن ذلك، ولكن الحركات الإسلامية كان في مقدورها أن تفعل هذا الأمر، يعني أنت في كل الظروف سوف يكون هناك عائق أمامك، صحيح النظم العربية نظم قمعية في معظمها، وضيّقت على الحركة الإسلامية ولكن الحركة الإسلامية أيضاً لم تقصر من جانبها، بأنها تساعد الآخرين في محاصرتها، فكان يمكن أن تغير في أساليبها وبرامجها وتلتف على هذه النظم العلمانية المهترئة في معظمها يعني، ليست لديها قوة منهج، وليس لديها وضوح في الفكرة، وليس لديها سند في الجماهير.

عثمان عثمان: دكتور، فيه عنّا دكتور سيف موسى، يعني يريد أن تعطيه فكرة أو رؤية حول تجربة حزب الله في لبنان.

التيجاني عبد القادر: تجربة حزب الله طبعاً أيضاً لها خصوصيتها، ولكن الظاهر في هذه التجربة هي أنها تجربة لا.. تختلف من التجربة الإخوانية، في أنها لا تستعجل نحو القفز إلى جهاز الدولة، طبعاً هذا أيضاً ناشئ أيضاً من خصوصيات الوضع في لبنان وغيره، ولكن هذا توجّه استراتيجي لديهم، أنهم لا يريدون في هذه المرحلة أن يستولوا على جهاز الدولة، فهذا وفّر عليهم عناءً كثيراً وجعلهم يتفرغون بصورة كبيرة إلى العمل الاجتماعي والعمل الجماهيري وإلى العمل الثقافي، وهذه هي نقطة التشابه والتلاقي بينهم وبين التجربة التركية، فهم أراحوا نفسهم من عناء القفزة إلى الدولة وترتيباتها إلى آخره.. وإن كان هم طبعاً عندهم قضايا أخرى، اللي هي مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، فما وفّروه في جانب الدولة يعني صرفوه في جانت الجهاد المستمر وتجييش الشباب وتعبئتهم.. إلى آخره، وهذا شيء خاص بمنطقة لبنان والدول المواجهة للاحتلال الإسرائيلي، لا يوجد مثيل لها في المجتمعات العربية الأخرى.

عثمان عثمان: طبعاً هذا لا يغفل الواقع السياسي داخل لبنان أو التعدد الطائفي والمذهبي، فكل طائفة ومذهب له حصته في الدولة وفق النظام، وفق اتفاق الطائف الذي كان موجود. دكتور ماذا تتوقعون للعمل السياسي الإسلامي، أيّ رؤية ترونها له؟

التيجاني عبد القادر: يعني طبعاً لسنا في مقام أنه.. يعني وصاية على الآخرين، ولكن نحن مجرد مراقبين للمواقف السياسية، ومن هذا الموقف نلاحظ أن الحركة الإسلامية عليها مطلوبات كثيرة إذا كانت تريد فعلاً أن تبقى في قيادة الجماهير وتكون طليعة في التغيير، فعليها أن تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية والسياسية في المرحلة القادمة، ونحن نقول هذا ومراعين للتغيرات الهائلة التي تقع على المستوى العالمي الدولي وعلى المستوى الإقليمي، فنحن في مرحلة تاريخية غير عادية، فأيّ حركة إسلامية واعية وراشدة لا بد أن تضع ذلك في اعتبارها، ولا يمكن أن الحركة الإسلامية تشتغل بتنظيم قبل خمسين سنة، وباستراتيجية قبل سبعين سنة، وبقيادة قبل خمسين سنة، لا بد أن تراعي هذه المتغيرات وتدرجها حتى تضمن أنها عندها موضع قدم في المستقبل، وإلاّ سوف يتجاوزها الزمن تماماً.

عثمان عثمان: ربما البعض يأخذ على الحركة الإسلامية أنها لا تعطي فرصاً للطاقات الشابة في قيادة المجتمعات؟

التيجاني عبد القادر: هي الفرص لا تُعطى وإنما تُؤخذ، يعني الحياة أيضاً تقوم على التدافع طبعاً. صحيح أن الحركات الإسلامية كرّست مسألة التنظيم الهرمي والقيادة التاريخية وحافظت على هذه الرمزية أكثر من اللازم، فأدى إلى اختناقات في داخل هذه الحركة، وكان ينبغي أن تُزال هذه الاختناقات في التنظيم الإسلامي بصورة طبيعية، يكون فيه انسياب في المعلومات وانسياب في القيادة وعمليات إحلال وإبدال بصورة طبيعية ولا تنشأ هذه العصبية، لأن الحركة الإسلامية أصلاً هي نشأت كنقيض للعصبيات السابقة، لكن الذي تلاحظه أنها هي نفسها التي تحولت إلى عصبيّات تنظيمية، وهذه العصبيات التنظيمية تسد الآفاق، وبالتالي حقيقةً يعني لا يكون فيه تطور سياسي طبيعي.

عثمان عثمان: دكتور، حتى موضوع العصبيات الحزبية أو التنظيمية، هذه تكون داخل الحركة الواحدة أو حتى بين الحركات والتيارات داخل المجتمع الواحد. يعني أنت إذا لم تكن معي.. يعني ربما يعيدنا إلى السؤال الذي طرحناه في وسط الحلقة عن تمثيل الإسلام، أنت إذا لم تكن داخل تنظيمي أو تياري فأنت في الطرف الآخر المناقض حتى للإسلام ربما.

التيجاني عبد القادر: صحيح، ولذلك أنا أقول أن الحركات الإسلامية تعاني من أمرين، من تقاطع في البرامج، وانقطاع في العمق الجماهيري. تقاطع في البرامج مع أنه لايوجد اختلافات جوهرية ولا استراتيجة بين هذه المجموعات.

عثمان عثمان: هذا الأمر الأول، والأمر الآخر؟

التيجاني عبد القادر: الأمر الآخر، انقطاع عن عمقها الاستراتيجي الجماهيري، يعني الحركات أصبحت حركات صفوية، ليست حركات شعبية، وتحالفاتها الاستراتيجية ليست هي التحالفات الطبيعة مع القوى صاحبة المصلحة الحقيقة اللي هي الجمهور المسلم العريض.

عثمان عثمان:أشكرك الدكتور التيجاني عبد القادر على هذه المشاركة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحية من معد البرنامج معتز الخطيب، ومن المخرج منصور طلافيح ومن سائر فريق العمل. وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.