بعد سنوات من المنع والحظر بدأت الفعاليات الفنية والترفيهية تطرق أبواب العديد من المدن في المملكة العربية السعودية فاستبشر بعض السعوديين بها وتحفظ آخرون، لكن الإعلان عن آخر حفل للمطربة المصرية شيرين عبد الوهاب أثار موجة من الانتقاد والاستنكار والتهكم على وسائل التواصل الاجتماعي، مما دفع هيئة الترفيه العامة إلى إلغائه رغم أنها بررت قرارها بأسباب إجرائية لا أكثر.

آخر حفلة غنائية أقيمت في الرياض كانت في احتفالات العيد الوطني، وكان من المفترض أن تكون حفلة المطربة المصرية أحدث هذه الحفلات، وبين الحفلتين بدأت الكثير من التساؤلات تطرح عن دور هيئة الترفيه في قيادة قاطرة الانفتاح في بلد محافظ لم يألف شعبه الحفلات المرتبطة بالصخب والرقص، خاصة إذا كانت لأهداف خيرية.

أسئلة أخرى تطرح عن دور الهيئات الشرعية التي فضلت التزام الصمت والنأي بالنفس عن صناعة الترفيه في المملكة وما أثارته وتثيره من جدل.

انشطار الذات
بشأن هذا الموضوع، يقول أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان الدكتور محمد المختار الشنقيطي إن السبب في كل هذه الضجة هو المفارقة العميقة، وانشطار الذات الذي بدأت السعودية تعاني منه.

واعتبر الشنقيطي أن الضحية من كل هذا -سواء هيئة الترفيه أو هيئة الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر- هو الوسطية، فلا توجد مساحة للوسطية، حيث يستطيع أن يتعبد الناس لله عبودية لرب العباد لا للحكام، ولا يفرض عليهم تدين ولا لادينية، هذه هي المساحة الضائعة الآن هناك.

ويرى أن السعودية فقدت البوصلة، فمن هيئة تتدخل في أدق تفاصيل عقائد الناس وسلوكهم الأخلاقي إلى حفلات تفترش فيها راقصة علم التوحيد.

وتابع أن خصوصية السعودية كبلد يضم الحرمين الشريفين لا يمكن التقليل من شأنها، لذلك ليس من المستغرب أن يكون هناك رأي عام مصدوم من مظاهر لم يعتدها ويرى خصوصية لبلاده ليست بالضرورة موجودة في بلاد أخرى.

وتساءل أستاذ الأخلاق السياسية "لماذا يبدأ الانفتاح بحفلات رقص بدلا من فتح السجون وإفراغها من السجناء؟ أين مساحة الوسط التي يمكن أن يجتمع فيها الليبرالي السعودي والمتدين؟ فحملة الوسطية سواء السياسية أو الدينية جميعا في السجون اليوم، فإذا كان هناك صدق فعلا في الانفتاح فلتبدأ بما هو أهم حتى نصدق أنك فعلا تريد سياسة انفتاح".

تطور طبيعي
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور محمد قواص أن ما يحدث حاليا أن هناك توجهات جديدة في السعودية يجب أن تصطدم مع رأي عام يقول نعم ولا، ويعبر عن ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأضاف أن المجتمع السعودي أصبح يشبه تماما مجتمعات الكويت والإمارات والبحرين، وهو شيء طبيعي أن يكون هناك جدل وتيارات تتلمس معالم المملكة الجديدة التي نكتشفها كل يوم.

واعتبر قواص أن المجتمع السعودي استطاع أن يتقبل ويتعايش ويكون جزءا من فعاليات فنية وثقافية وغنائية، وكنا نعتقد أن هناك صداما سيحدث هنا أو هناك، لكنه لم يحدث.

لذلك فهو يرى أن المجتمع السعودي انتقل من حالة نفاق اجتماعي إلى حالة طبيعية عادية، وشيء طبيعي أن يكون هناك رفض.

نفاق اجتماعي
أما الباحث في العلوم الإنسانية الدكتور حسن بن حسن فيرى في الجدل الدائر ما يمكن أن يشبه "الشجرة التي تخفي الغابة"، فظاهر الأمر حفل فني في مجتمع محافظ، وباطنه إرادة المرور من نمط من الشرعنة السياسية إلى نمط آخر مختلف، وكلاهما مشكوك في جدواه.

وأوضح حسن بن حسن أن النظام السعودي يقوم على ضبط دين المجتمع عبر الشرطة الدينية، والسلطة السياسية في جهة، والسلطة الدينية وظيفتها ضبط المجتمع وشرعنة أداء السلطة السياسية.

ويرى أن هذا النمط من الشرعية يتآكل، والمؤشرات على تآكله كثيرة، وهناك موجة من الوعي تسري في الشباب السعوديين يمكن تلمسها بوضوح على شبكات التواصل، موجة الوعي بالحرية والتحرر والانعتاق، كذلك الأدب النسائي السعودي الذي يحمل ثورة حقيقية على النفاق الديني والاجتماعي.