- هدف القرآن الكريم من ذكر الأمم السابقة
- المفهوم القرآني لأمراض الأمم وأهل الكتاب
- إنكار فضيلة الآخر والغلو واتباع الآخرين
- واجب الأمة الإسلامية في استعادة الريادة

عثمان عثمان
 يوسف القرضاوي
عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام على الهواء مباشرة من الدوحة  في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}[هود: 113] لماذا حكى القرآن الكريم قصص الأمم السابقة؟ وبماذا أصيب مسلمو اليوم من أمراض من قبلهم؟ ولماذا لم يتحقق الاعتبار بمشاكل الأمم السابقة فوقع المسلمون في بعضها وقلدوا فيها غيرهم؟ سنحاول في هذه الحلقة بإذن الله تعالى رسم ملامح الرؤية القرآنية لمشاكل الأمم السابقة وما وقع فيه المسلمون منها، وتدبر خطاب الله تعالى لهذه الأمة الذي ينهاها فيه عن مشابهة الأحوال السلبية للأمم أو الفئات أو النماذج السابقة. إذاً موضوعنا لهذا اليوم من برنامج الشريعة والحياة أمراض الأمم السابقة وحال المسلمين ومحدثنا هو فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

هدف القرآن الكريم من ذكر الأمم السابقة

عثمان عثمان: بداية، الناظر في كتاب الله تعالى يجد إكثارا من ذكر الأمم السابقة يتحدث عن أمراضها ومشاكلها، لماذا هذا الإكثار؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فإن القرآن العظيم كتاب فريد في نوعه هو آخر الكتب السماوية التي تضمنت كلمات الله الأخيرة للبشر، وضع الله فيه أصول الهداية وأصول التشريع وأصول التربية وأصول الإصلاح للفرد وللأسرة وللجماعة وللأمة وللإنسانية كلها، في هذا القرآن كما قال الله تعالى لرسوله {..ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}[النحل:89] فهو تبيان لكل شيء من رب كل شيء وتبيان بأوجز الألفاظ لأضخم المعاني، جوامع الكلم، ومن هنا اهتم القرآن بأن يعرض علينا قصص الأمم السابقين والرسل السابقين وأقوامهم المكذبين لهم وكيف انتهى الأمر بهذه الأمم، لم يذكر لنا القرآن هذه القصص لمجرد التسلية ولكن لنأخذ منها العبرة، {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب..}[يوسف:111] والعبرة في هذا ولذلك نجد القرآن لم يهتم بالتواريخ متى كان في أي عصر، لم نر في القرآن تاريخا ولا بالمكان في أي مكان كانت هذه إلا ما جاء تبعا، ليه؟ لكي نهتم برؤوس العبر والعبر هنا أن هذه الأمم تجري على حسب سنن الله في الكون وفي الاجتماع البشري، لا تسير الأمم جزافا بل تسير وفقا لقوانين وضعها الله لهذا الكون وربط بعضها ببعض على شبكة الأسباب والمسببات، ولذلك القرآن يؤكد كثيرا على هذه السنن {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}[آل عمران:137] {..فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا}[فاطر:43] هذه السنن من خصائصها أنها عامة تشمل المسلمين وغير المسلمين، المطيعين والعاصين، العادلين والظالمين ولا تحابي أحدا ولا تلين لأحد ومن ناحية أخرى هي دائمة لا تتبدل ولا تتحول، ومن يقرأ القرآن يجد أن سنن الله في هذه الأمم أن الأمم يأخذها الله بالعقاب إذا انحرفت عن هداية الله عز وجل واتبعت سبيل المجرمين وسبيل الظالمين، الظلم من مهلكات الأمم {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا..}[النمل:52] {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا..}[الكهف:59] الترف {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا}[الإسراء:16] الغرور بالقوة المادية التي تؤدي إلى الظلم والإفساد كما ذكر القرآن { ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد}[الفجر:6-10] بعضهم يفسر الأوتاد دي بالأهرام، يعني كأنها جبال أوتاد من صنع الإنسان {الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد}[الفجر:11، 12] طغيان اقترن بالإفساد وأدى إلى الإفساد {فصب عليهم ربك سوط عذاب}[الفجر: 13] أحيانا العلم المادي، الغرور بالعمل المادي {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم..}[83:غافر]، {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} [الروم:7]، {..وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}[غافر:83] كل هذا يؤدي إلى الهلاك، التفرق والاختلاف أيضا فالقرآن حينما يذكر لنا هذه القصص لا يذكرها لمجرد أن نتسلى بقراءتها ولكن لنأخذ منها العظة والعبرة حتى لا نقع فيما وقعوا فيه، {..فاعتبروا يا أولي الأبصار}[الحشر:2] خذوا منها العبرة { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}[ق:37].

عثمان عثمان: طبعا نحن فضيلة الدكتور سنتحدث عن أمراض الأمم السابقة وحال المسلمين اليوم في سياق الحلقة، ذكرتم أن هذه القصص إنما كانت للاعتبار والتذكر وهناك دعوات قرآنية متكررة تدعو للسير في الأرض والنظر والاعتبار في الأمم السابقة، {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم..}[غافر:82]..

يوسف القرضاوي (مقاطعا): {..فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا..}[غافر:82] تكررت هذه فلم سيروا في الأرض..

عثمان عثمان: (مقاطعا): نعم هذا السير، هذا السير والنظر كيف يكون؟

يوسف القرضاوي: هو الإنسان هنا ليس المقصود أنك بس تمشي في الأرض سائحا لأن المقصود أن تأخذ العبرة من هؤلاء القوم. لما زار النبي صلى الله عليه وسلم وهو رايح على غزة تبوك مروا على ديار ثمود فقال لهم لا تدخلوا ديار الظالمين إلا وأنتم باكون حتى لا يصيبكم ما أصابهم. خذ العبرة ثمود الذين جابوا الصخر ونحتوا من الجبال قصورا وتركوا ما تركوا، ما الذي، المهم الإنسان يأخذ العبرة من هؤلاء، لماذا أصاب هؤلاء القوم مع أنهم كانوا في رغد وفي سعة وفي بنيان وفي آثار، أثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها، لماذا مع هذا العمران ومع هذه القوة المادية {أمدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون}[الشعراء:134،133] إلى آخره كما قال عن قوم عاد {أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع قصورا لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين}[الشعراء:128-130] ما الذي أصاب، فالقرآن يعلمنا أن نأخذ العبرة من هؤلاء فنتجنب الرذائل والسلبيات التي أصابتهم، لأن ربنا لا ينزل عقوبته بقوم ظالما لهم {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}[هود:117] مستحيل، لازم يكون عملوا شيء حتى، زي قوم شعيب يعني أفسدوا في الأرض وطففوا المكيال والميزان وبخسوا الناس أشياءهم فجاءتهم الصيحة فأخذتهم، قوم لوط ارتكبوا فاحشة لم يسبقهم بها أحد من العالمين، الشذوذ الجنسي {أتأتون الذكران من العالمين، وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم..}[الشعراء:166،165] هذا اللي يسمونه الآن في عصرنا المثلية، كانوا يسمونه الشذوذ كلمة فيها إنكار فحتى لا يكون هناك أي شيء من الإنكار أعطوها اسما لا يعطي أي لون من الإنكار على هذه الرذيلة التي لو استقر الناس عليها وعمموا استباحتها لفنيت البشرية بعد جيل أو جيلين، فالله سبحانه وتعالى يأخذ الأمم بظلمهم { إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون}[يونس:44] {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود:102].



المفهوم القرآني لأمراض الأمم وأهل الكتاب

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا حديثنا عن أمراض الأمم السابقة وطبعا المرض معروف، هناك المرض العضوي وهناك المرض النفسي لكن القرآن الكريم تحدث عن مرض جديد فقال في قلوبهم مرض، أو في قلبه مرض، ما المفهوم القرآني لهذا المرض؟

يوسف القرضاوي: المرض المذكور في مثل هذه الآيات أحيانا يذكر القرآن المرض الحسي لمن كان مريضا أو على سفر، إنما أحيانا يذكر بصيغة الذم، مثل في قلوبهم مرض، أو الذين في قلوبهم مرض، المرض هنا مرض ليس حسيا ولا عضويا ولكنه مرض معنوي، مرض العقول بالشك، مرض القلوب بالنفاق، مرض هذه الأنفس بالرذائل، الحسد البغضاء الكذب الرياء. النبي عليه الصلاة والسلام قال "دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء" والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، دي أدواء أمراض، الأمراض هذه المعنوية هي الأمراض الخطيرة على الأمم ولذلك فالقرآن لما جاء بها جاء بها بصيغة الذم وجعلها من شأن الهالكين من المنافقين والمشركين، فحذر من هذ الأمراض الخطيرة التي تهلك الأفراد وتهلك الجماعات والأمم.

عثمان عثمان: نتحدث عن الأمراض الأخلاقية والسلوكية التي انتشرت في الأمم السابقة، فضيلة الدكتور لو أردنا أن نقوم بمقارنة بين المسلمين وأهل الكتاب، الله تعالى يقول { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم..}[المائدة:18] البعض يقول، المسلمون اليوم يقولون نحن خير أمة أخرجت للناس، السؤال يعني هل المنطق واحد؟ وهل يمكن أن يقال للمسلمين أيضا لم يعذبكم الله بذنوبكم في الدنيا؟

المسلمون لم يقولوا نحن خير أمة أخرجت للناس إنما الله هو الذي قال لهم هذا {كنتم خير أمة أخرجت للناس..} اليهود والنصارى قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن شعب الله المختار، ويريدون أن يفضلوا أنفسهم على الأمم 
يوسف القرضاوي:
فرق كبير بين الموقفين، أولا المسلمون لم يقولوا نحن خير أمة أخرجت للناس إنما الله هو الذي قال لهم هذا {كنتم خير أمة أخرجت للناس..}[آل عمران:110] اليهود والنصارى قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، اليهود قالوا نحن شعب الله المختار ويريدون أن يفضلوا أنفسهم باعتبارهم جنسا وعرقا على الأمم، ويريدون أنه هم لن ينالهم عذاب الله مهما فعلوا، القرآن ينفي هذا، ما فيش أمة علشان العنوان اللي أخذته أنه دول يهود وأن نصارى أو مسلمين مش بالعنوان تنجو الأمم أو تفوز بالجنة، القرآن في آية في سورة النساء يقول {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا}[النساء: 124،123] العمل هو الذي عليه أمر الإنسان، الإنسان يسعد ويشقى بإيمانه وعمله لا بعنوانه بانتسابه إلى أمة عيسى أو أمة موسى أو أمة محمد،الانتساب لا قيمة له، فهم لمجرد انتسابهم يريدون فقال لهم فلم يعذبكم بذنوبكم؟ باعترافهم هم قالو لن تمسنا النار إلا أيام معدودة، يعني حيعذبهم، طيب ليه حيعذبكم إذا كنتم أبناء الله وأحباؤه، ربنا يحب أبناءه وأحباءه، يعذبهم؟! إنما قال الله للمسلمين {كنتم خير أمة..}[آل عمران:110] مش باعتبارهم عربا أو باعتبار سواد عيونهم أو احمرار خدودهم، لا، هذا تفضيل معلل، لأنه قال {..تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..}[آل عمران:110] فالمعلول يدور مع علته وجودا وعدما، إذا كنتم فعلا مؤمنين بالله آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر داعين إلى الخير متمسكين بفضائلكم وقيمكم فأنتم خير أمة، ولذلك سيدنا عمر في حجة من الحجات رأى من الناس دعة وتكاسلا فصاح فيهم وقرأ الآية {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر..} ثم قال من سره أن يكون من أهل هذه الآية فليؤد شرط الله فيها. يؤدي شرط الله يعني يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويؤمن بالله. ففرق كبير بين الموقف الإسلامي والموقف اليهودي والنصراني في قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، سيدنا عمر قال نحن كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نلتمس العزة بغيره أذلنا الله، بالإسلام والإسلام أيمان وعمل وأخلاق.

عثمان عثمان: يعني ألا ترون أن أمتنا أيضا اليوم تورطت في موضوع عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني البعض يشبه حالهم بحال بني إسرائيل {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه..}[المائدة: 78، 79]؟

يوسف القرضاوي: إذا فعلت الأمة ذلك أخذت نصيبها من عقوبة الله عز وجل، لتأمرن بالمعروف أو تنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة..}[الأنفال:25]، لماذا ذكر الله في القرآن هذا {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}[المائدة:78] ماذا كان عصيانهم واعتداؤهم؟ قال {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}[المائدة:79] وجاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أن أحدهم كان يلقى أخاه وهو يفعل المنكر فيقول له اتق الله يا فلان ولا تفعل هذا، ثم يظل معايشا له يصابحه ويماسيه حتى ضرب الله قلوبهم بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود. حتى لا يكتفي القرآن بأنك تقول له اعمل كذا ولكن تعايشه وأنت مصاحبه، لا، لازم تقاطعه أقل شيء، فالإسلام هذا، إذا لم تفعل كذا أصابكم ما أصاب القوم من قبلكم، لأن السنن واحدة يعاقب الله من شاع فيهم فعل المنكر ولم يجد من يصده، لذا في حديث سيدنا أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده. هذا ما لا شك فيه.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا من مشاكل وأمراض أهل الكتاب أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، اليوم ربما في ساحتنا الإسلامية في حياتنا الإسلامية نجد هناك من يقدس الشيخ هناك من يقدس بعض الأئمة وينسب لهم العصمة حتى أن ابن عربي قال يعني إنه تلقى فصوص الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، كيف يمكن هنا المقاربة أو المقارنة بين ما فعله أهل الكتاب وبين ما يفعله عدد أو جمهور من المسلمين؟

يوسف القرضاوي: هو فعلا هذه الآية وأمثالها تحذرنا أن نفعل مثلما فعل من كان قبلنا، القرآن يسمينا نحن أمة الصراط المستقيم نقول كل يوم على الأقل 17 مرة في الصلوات {اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}[الفاتحة:6، 7] نحن لنا طريق والمغضوب عليهم من الله والضالين لهم طريق آخر، فلا يجوز أن نتبع طريق هؤلاء. وذلك ابن تيمية له كتاب اسمه اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم، وأخذه من الآية، لأنه بتقول الصراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب، هؤلاء لهم صراط وهؤلاء لهم طريق فلذلك حذر من أن نتبع هؤلاء فإذا سرنا وراء هؤلاء أصابنا ما أصابهم، نحن عندنا أيضا من متعصبة المقلدين لأئمة الفقه من يرى إمامه كما يقول الإمام عز الدين بن عبد السلام يرى إمامه وكأنه نبي يوحى إليه، يرى ضعف أدلة إمامه ومع هذا يأخذ بقوله والقول ضعيف ولا يجد دليلا عليه، يستدل بحديث ثبت أنه ضعيف أو لا أصل له أو موضوع ومع هذا يأخذ به، فأنكر عز الدين عبد السلام على أصحاب المذاهب هذا الأمر، الأئمة كلهم حذروا من تقليدهم وقال خذ من حيث أخذت لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا تقلد كذا والإمام الشافعي يقول إذا صح الحديث فهو مذهبي وأبو حنيفة يقول علمنا هذا رأيي فمن جاءنا بأحسن منه قبلناه. لم يدع أحد منهم العصمة، لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو وحده الذي قال الله فيه {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى}[النجم:3، 4] في حد أوحي إليه ووحي يوحى بعد محمد صلى الله عليه وسلم؟ لا أحد، كلهم بشر يصيب ويخطئ، صحيح حتى وإن أخطؤوا فهم مأجورون لأنهم بلغوا مرتبة الاجتهاد وتحروا فهم لا ذنب عليهم إنما الذنب على من عرف ضعف أقوالهم وضعف أدلتهم واتبعهم، هذا في الفقه. في السلوك نرى أيضا المتصوفة يصبح يجعل أحدهم شيخه كأنه نبي، يعني أعرف واحدا وأنا في شبابي كان متصوفا وتكلم عن شيخه كذا، بعدين قلت له يا أخي ده شيخك بيقولوا إنه بيأخذ أفيون وكذا وبتاع قال لي يا أخي لعل له هو عنده كشف معين فرأى هذا مباحا، قلت له لا، الأحكام ما فيش فيها كلام من ده، إنما هذا لأن التربية تقول له من قال لشيخه لم؟ لا يفلح، لا يفلح، لا تقل لي لم، مع أن الصحابة كانوا يعني أحيانا يعارضون النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا عمر لما بعث أبو هريرة يقول لهم من قال لا إله إلا الله.. قال له يا رسول الله الناس يتكلون، خلهم يعملون، قال لهم خلهم يعملون، نزل عند رأيه، فنحن في التصوف كثيرا ما يربى المريد كما قالوا المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل، عند الصوفية يقولون لك من اعترض انطرد ومن باح راح، يعني اللي يبوح بالسر حتى لو شفت حاجة يعني اكتمها ولا تقلها، هذا أشبه {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله..}[التوبة:31].

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا استطرادا هناك مشاكل كثيرة، الله تعالى يقول {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء..}[البقرة: 113] منطق إنكار أي فضيلة للآخر أو أي وجود أو أي منطق عنده وهناك أيضا كل فئة تدعي أنها الفئة الناجية وأن الآخرين في النار يعني كيف يمكن أن تعالج هذه المشكلة؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

إنكار فضيلة الآخر والغلو واتباع الآخرين

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي والتي نتحدث فيها عن أمراض الأمم السابقة وحال المسلمين. فضيلة الدكتور، إنكار أي فضيلة للآخر، هناك بعض فئات المسلمين ربما وقعت في ذلك، ألا ترون هذا الأمر فعلا موجود؟

يوسف القرضاوي: القرآن ذكر هذا، ينكر على اليهود والنصارى هذا القول، إنهم لم ينصف كلاهما الآخر لأن اليهود قالت ليست النصارى على شيء مع أن النصارى عندهم الإنجيل وبعث إليهم المسيح ولكن أنكروا هذا المسيح الذي بشر به موسى في التوراة، وكما أن النصارى أنكرت على اليهود مع أن المفروض أن النصارى يؤمنون بتوراة موسى وعيسى عليه السلام قال "ما جئت لأنقض الناموس" يعني التوراة، ما جئت لأنقض بل لأتمم، هذا كلامه في الإنجيل، ولكن مع هذا أنكر أحدهما كل ما عند الآخر. الإسلام يعلم المسلمين العدل في الرضا والغضب، من ضمن الأدعية النبوية "اللهم إني أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا" فالمسلم إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل ويجب أن ينصف الناس حتى ولو كانوا أعداء. {..ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى..}[المائدة:8] ولذلك القرآن يعلمنا أنه لا يعمم الأحكام، يقول لا يؤمنون إلا قليلا يعني تكلم عن أهل الكتاب ثم قال {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون}[آل عمران:113] دائما يذكر أن في المجتمع فئة خيرة أو واحد خير على الأقل، يعني في قصة يوسف قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه، يظهر عنصر صالح. الإسلام يعلمنا هذا أن لا نعمم الأحكام ولا نطلقها جزافا فهذا ما ينبغي ولذلك يجب أن نكون عدولا بعضنا مع بعض، مش إذا عادى الإنسان شخصا يسلبه كل فضيلة، لا، لازم يعترف له بما عنده من فضل وما عنده من خير. ولكن في قضية أشرت إليها قضية الفرق أن ده متعلق بحديث الفرق "إن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة " فهذا الحديث أوجب لمن يعتنقه ويؤمن به أن في فرقة واحدة ناجية والباقي هالكون، هذا مقتضى الحديث وجمهور الأمة، أنا أضعف هذا الحديث إنما جمهور الأمة يأخذ به فلا بد.. ولذلك دائما يؤلفون في الفرقة الناجية التي تنجو من الهلاك وهي الجماعة وهي ما كنت عليه أنا وأصحابي يعني إلى آخره، فهذا غير القضية التي تعلمها لنا هذه الآيات.

عثمان عثمان: في خطاب الله تعالى لأهل الكتاب {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم..}[النساء:171] ولكن قد وقع أيضا في المسلمين اليوم غلو إلى حد كبير، وأنتم فضيلة الدكتور يعني شغلتم كثيرا من وقتكم في محاربة هذا الغلو، كيف تفسرون وقوع بعض المسلمين في هذا الغلو وفي أمراض، رب العالمين حذر الأمم السابقة من الوقوع فيها؟

يوسف القرضاوي: القرآن ذكر هذا ليعتبر المسلمون ولا يقعوا فيما وقع فيه من كان قبلهم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال "إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين". هذا التطرف، هذا التشدد هذا الجنوح إلى القسوة في كل شيء التعسير وليس التيسير والتنفير وليس التبشير هو الذي أهلك الأمم، هذا حديث ابن عباس. حديث ابن مسعود يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون" المتنطعون هم المتعمقون المتشددون المبالغون في الأقوال والأعمال الذين يشددون على الناس ويعسرون ما يسر الله ويعقدون ما بسط الشرع، الشرع جاء بالتيسير {..وما جعل عليكم في الدين من حرج..}[الحج:78]، {..يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر..}[البقرة:185]، {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا}[النساء:28]، {..ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم..}[المائدة:6]، ولذلك جاء بالرخص، إن الله يحب أن تؤتى رخص كما يكره أن تؤتى معصية.. جاء بالضرورات التي تبيح المحظورات، جاء بالتخفيفات جاء بالقواعد الاستثنائية، الاستثناء من القواعد العامة، جاء كل هذا للتخفيف عن الإنسان ولكن هؤلاء للأسف نسوا هذا كله وأمسكوا بالتشدد وحده وشددوا على خلق الله فبغضوا الله إلى خلقه، المفروض ان الإنسان العالم والداعية يحبب الله إلى خلقه، كيف تحبب الله إلى خلقه؟ بأن تيسر عليهم، هذا الدين لم يجئ ليعنت الناس {..ولو شاء الله لأعنتكم..}[البقرة:220] ولكن الله لم يعنت الناس ولم يوجب عليهم حكما فيه أي عنت ولو كان هناك أي عنت في حكم من الأحكام فليس من الشريعة في شيء، كما قال ابن القيم وإن أدخل في الشريعة بالتأويل. الشريعة ليس فيها عنت ولا فيها قسوة ولا فيها تشديد مبالغ فيه، أبدا ولا فيها شيء يخرج عن مقدور أوساط الناس، هذا هو الذي يعني ينبغي معرفته.

عثمان عثمان: يعني في حديث القرآن الكريم أيضا عن أهل الكتاب أنه قال {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم..}[المائدة:66] هل ينطبق هذا أيضا على إقامة القرآن الكريم في حياة المسلمين؟

يوسف القرضاوي: طبعا يعني نحن فيما سبق ذكرنا في حلقة من الحلقات مثل هذا، ذكرنا قوله تعالى {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض..}[الأعراف:96] وقال {وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا}[الجن:16] {..ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب..}[الطلاق:2 ،3] وذكرنا أن منهج الله منذ أنزل آدم وحواء إلى الأرض منهج الله {..فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا..}[طه:123، 124] فاتباع هداية الله واتباع منهج الله، ومنهج الله ليس مجرد أن تصلي وتصوم فقط، لا، منهج الله أن تعمر الأرض، منهج الله أن تسعى في مناكبها وتأكل من رزقه، منهج الله أن تتبع السنن وتأخذ بالأسباب والمسببات، فكلمة {..يرثها عبادي الصالحون}[الأنبياء:105]، مش بس الدراويش، لا، عبادي الصالحون الذين يصلحون لعمارة الأرض كما كان الصحابة والتابعون الذين أقاموا حضارة العلم والإيمان وأقاموا دولة العدل والإحسان، هذا هو المقصود فهذا كما ينطبق على أهل الكتاب وحتى أهل الكتاب قال {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم..}[المائدة:66] يعني لو أنهم بقوا حتى جاء القرآن يجب أن يتبعوا القرآن حتى يأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، هذه سنة من سنن الله عز وجل.

عثمان عثمان: طبعا فضيلة الدكتور يعني بالانتقال إلى أمراض أخرى من أمراض الأمم السابقة حكى القرآن الكريم عن المشركين منطقهم القائل {..إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}[الزخرف:23] وقوله أيضا {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا..}[البقرة:170] هذه الآبائية الموجودة ألم يبتلى بها المسلمون اليوم أيضا؟ دائما الحديث عما فعل الآباء حديث عن العادات والتقاليد حديث عما وجدنا عليه من سبقنا.

القرآن جاء ليحرر عقل الإنسان من التبعية، يريد أن يفكر الإنسان برأسه هو لا برأس أحد غيره
يوسف القرضاوي:
لا شك أن القرآن جاء ليحرر عقل الإنسان من التبعية، يريد أن يفكر الإنسان برأسه هو لا برأس أحد غيره، لماذا أعطاه الله هذا العقل وميزه عن الحيوان وجعل هذا العقل أساس التكليف؟ يعني حينما يقول يا أيها الناس أو يا أيها الذين آمنوا، يخاطب العقلاء، المجانين لا دخل لهم هنا والصبيان الصغار لا دخل لهم، من أوتوا العقول هم.. فالعقل، هذا العقل يجب أن يتحرر لأن مما يسجن العقل أن يتبع الإنسان غيره سواء كان اتباع الآباء والأجداء، {..إنا وجدنا آباءنا على أمة..}[الزخرف:23] أو اتباع السادة والكبراء، {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا}[الأحزاب:67] أو اتباع عامة الناس كما جاء في الحديث " لا يكن أحدكم إمعة" قالوا كيف يكون إمعة؟ قال "يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساؤوا أسأت. ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن لا تظلموا" يعني يجب حتى لا يكون يمشي مع الجمهور، لا، لازم يكون عنده فكر هو خاص. الله تعالى قال لرسوله {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا..}[سبأ:46] مثنى يعني أنت مع صاحبك أو صديقك تفكروا معا أو أنت لوحدك، إنما العقل الجمعي عادة يخلي الناس تعمل كما.. يعني واحد أمسك حجرا ورمى بتاع يروح الثانيين ماسكين حجارة دون تفكير، فهذا ما جاء به الإسلام وخصوصا في بناء العقائد، حينما نريد أن نبني عقيدة لازم نبنيها على اليقين لا على الظن {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا}[النجم:28] الظنون لا يجوز أن تبنى عليها العقائد، الأهواء، لازم تكون موضوعي مش تتبع العواطف ولذلك ذم الله المشركين بقوله {..إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس..}[النجم:23] {..ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله..}[ص:26] لا تقلد، لا بد أن تنظر في الكون {أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء..}[الأعراف:185] في التاريخ ولذلك يقول انظروا كيف كانت الأمم قبلكم أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها؟ لأنه مش مهم أنك تمشي في الأرض ولا تستفيد شيئا، لازم يكون لك عقل تفكر به، أذن تسمع بها وتعرف كيف يعني توجه الكلام وكيف تفهمه وكيف تستفيد منه؟ ربنا أنكر على أمم أخذت بظلمها وهي خاوية على عروشها، {..وبئر معطلة وقصر مشيد}[الحج:45] شوف، الأمم كيف تهلك، البئر لأن ده أداة إنتاج عنصر إنتاج بئر المفروض تسقي الزرع وتسقي الحيوان وتسقي الإنسان، معطلة. ولكن قصر مشيد، الترف، الترف يهلك الأمم. فلا بد أن نعمل عقولنا، الإسلام أنشأ العقلية العلمية التي لا يمكن أن تقوم حياة إلا بها وأنكر التقليد وخصوصا في العقائد يعني ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "صيد الخاطر" يقول "اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلد فيه، وقبيح بمن أوتي شمعة أن يطفئها ويمشي في الظلمة" اعتبر المقلد أطفأ شمعة العقل وماشي في الظلمات حيث يوجهه غيره، فهذا، ونحن عندنا كنا بندرس التوحيد في معاهد الأزهر في كتاب كده اسمه "جوهرة التوحيد" وفيه يقول "إذ كل من قلد في التوحيد إيمانه لم يخل من ترديد" يعني المقلد في الإيمان إيمانه غير يقيني غير مقبول، لا بد أن يستعمل النظر والتفكير ولو كان إجماليا يعني مش ضروري يكون قادرا على تأليف دليل منطقي فيه مقدمة وفيه نتيجة وفيه كذا إنما لا تقول له مثلا يعني أنت ليه آمنت بالله؟ يقول لك الله، أمال مين اللي خلقني؟ أمال مين اللي خلق السموات والأرض؟ آه، هذا دليل. ليه آمنت بمحمد؟ يقول لك الله! أمال القرآن ده جاي منين؟ أمال مين اللي نصره في بدر ومين نصره في كذا وهو ضعيف؟ ده اسمه دليل إجمالي. فلا بد أن يكون عند الإنسان نوع من الدليل حتى يقبل إيمانه، إنما وجدنا.. طيب ما هم اليهود وجدوا آباءهم فأصبحوا يهودا، والنصارى وجدوا آباءهم نصارى فأصبحوا، والبوذيون أصبحوا كذا، ولذلك لا بد أن يعمل الإنسان عقله حتى تقبل عقيدته.

واجب الأمة الإسلامية في استعادة الريادة

عثمان عثمان: وحتى لا يقع فيما وقع به من قبله من أهل الكتاب. فضيلة الدكتور عندما تحصل الأمراض، عندما يحصل العصيان لله عز وجل يكون هناك استبدال واستخلاف. الله تعالى يقول {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين}[الأنبياء:11] ويقول أيضا {..وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}[محمد:38] هل يمكن لهذا الاستبدال أن يقع في المسلمين؟ البعض يتحدث أن الله تعالى استبدل الحضارة الغربية الآن بالحضارة الإسلامية، هذا الاستبدال هل يكون بمسلمين ملتزمين مستقيمين على أمر الله أم ممكن أن يكون بأمم وحضارات وشعوب أخرى؟

يوسف القرضاوي: هي الحضارات ونهضات الأمم، الأمم يعني ترقى وتهبط وتحيا وتسقط، ليس ذلك اعتباطا ولا من باب المصادفات، الكون لا يقوم على المصادفات، صحيح بعض الناس ممكن يفهم من قوله تعالى {..تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء..}[آل عمران:26] أن ده القدر بيضرب خبط عشواء، لا، هذا مبني على سنن، الأمة التي تأخذ بأسباب النهوض وبأسباب الحضارة وتقوم تعد لأعدائها ما استطاعت من قوة، تنشئ الزراعة وتنشئ الصناعة وتعمل بقوله تعالى {..وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..}[الحديد:25] تزرع ما يكفيها ولا تحتاج إلى غيرها، لا تجد قوت يومها وأرضها زراعية كما نحن المسلمين الآن، الأمم التي تعمل هذا تستحق أن تبقى، الأمم التي لا تفعل هذا لا بد أن تشيخ وتهرم ويجري عليها ما يجري على الآخرين. كما ذكر ابن خلدون في مقدمته أن الأمم مثل الأفراد، الأفراد تصيبهم صحة وتصيبهم أمراض ومرض قد يكون قاتلا ومرض قد ينجو الإنسان منه ويشفى ومرض يأخذ به إلى النهاية، الأمم كذلك الأمم تشيخ كما يشيخ الأفراد. هناك فلاسفة التاريخ وفلاسفة الاجتماع لهم أقوال كثيرة في نهوض الأمم وسقوط الأمم، التوينبي معروف كان، المفكر الجزائري الأستاذ المالك له أكثر من كتاب من كتبه في كتب الحضارة والنهضة يذكر هذا أن في أحيانا مرحلة الروح، الأمم تغلب عليها الروح كما الأمة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، وبعدين العقل كما في عهد الحضارة العباسية وبعدين الشهوة، شهوات الناس وهذا مؤدي إلى السقوط، يعني هذا يخضع لأمور كثيرة فالمسلمون في وقت من الأوقات استحقوا أن يكونوا هم أمة الأمم، استحقوا موقع القيادة والريادة، كانوا على رأس القافلة وظلوا على ذلك أكثر من ثمانية قرون يعلمون الأمم ويأخذ الغرب عنهم، الغرب أخذ المنهج التجريبي والاستقرائي يعني فرانسيس بيكون وروجار بيكون هؤلاء أخذوا من الحضارة الإسلامية كما شهد بذلك مؤرخو العلم أنفسهم ولكن لما فرط المسلمون في هذا بدؤوا يعني ينامون وغيرهم يستيقظ، يسكنون وغيرهم يتحرك، يتكاسلون وغيرهم ينشط يجهلون وغيرهم يتعلم انتقلت شعلة الحضارة منهم إلى غيرهم والتاريخ يعني شاهد على هذا يعني تجد في وقت من الأوقات كانت الحضارة قيادة الحضارة كانت في يد أهل الشرق، الحضارات الفرعونية والفينيقية والآشورية والبابلية والكلدية والفارسية والصينية والهندية، الحضارة كانت عند الشرق وبعدين انتقلت إلى الغرب أيام اليونان والرومان والإسكندر الأكبر والحضارة الرومانية وبعدين انتقلت إلى الحضارة الإسلامية والآن في يد الحضارة الغربية، والحضارة الغربية لم تحسن القيادة لم تحسن أن تؤدي للقيادة دورها، خانت الأمانة أفلست الحضارة الغربية قدمت المادة على الروح قدمت المنفعة على الأخلاق آمنت بالتحلل أجازت الشذوذ وباركته، الحضارة الغربية لم تعد أهلا لهذا ولكننا للأسف لسنا مستعدين لوراثة الحضارة الآن لأن تحتاج إلى أن الأمة يعني تحتاج إلى من ينفخ فيها الروح تحتاج الأمة أن تعرف السنن والقوانين الأمة تعد نفسها، لا نحلم أننا نصل، البعض مجرد ما حدثت الأزمة العالمية المالية يقول إحنا حنورث أميركا، أميركا فين نحن وأميركا؟ نحن تكلمنا هذا في الأسبوع الماضي.

عثمان عثمان: في الأسبوع الماضي تحدثنا بشكل مطول في هذا الموضوع. فضيلة الدكتور ربما الوقت ضاق جدا. رب العالمين خاطب الأمة بخطابات متلونة أو بألوان عدة من الخطابات وكان هناك خطاب مباشر لهذه الأمة أيضا، الله تعالى يقول {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم..}[الحشر:19]، {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات..}[آل عمران:105]، {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون}[الأنفال:21] إلى آخر هذه الآيات، في أقل من دقيقتين فضيلة الدكتور كيف نقرأ هذا الخطاب القرآني المباشر لأمة محمد عليه الصلاة والسلام؟

يوسف القرضاوي: هذا يعلمنا أن نكون يعني طرازا جديدا على غير ما كانت الأمم السابقة، أن نتجنب الرذائل والسلبيات التي أهلكت الأمم من كان قبلنا، وهذا حذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم، من أن نتبع الأمم الأخرى ونمشي وراءهم ونفقد شخصيتنا. كما نرى نحن الآن للأسف لا نأخذ أفضل ما في الحضارة الغربية من العلم والتكنولوجيا وحسن التنظيم والإدارة والأخلاق الاجتماعية، نأخذ أسوأ ما عندهم من التعري ومن التفسخ ومن هذه الأشياء، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" إذا جحر الضب موضة، يعني ما دام الغرب دخل جحر الضب، ده العرب يذكرونه مثالا على الضيق والالتواء وسوء الرائحة كراهة الرائحة، إنما إذا دخل الغربيون جحر الضب يعني لازم نقول موضة جحر الضب. فلذلك هذه الآيات تحذرنا أن نقلد غيرنا أن نتبع غيرنا أن نصبح ذيلا للآخرين، لا يجوز لأمة أن تصبح ذيلا وقد جعلها الله رأسا، هذا شأن الأمة الإسلامية التي جعلها الله أمة وسطا لتكون شهيدة على الناس ويكون الرسول عليها شهيدا.

عثمان عثمان: بارك الله فيكم فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، جزاكم الله كل الخير، أشكركم فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وهذا عثمان عثمان يترككم برعاية الله، إلى الأسبوع القادم بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.