سلط برنامج "خارج النص" الضوء على مسيرة الشاعر العربي الشهير نزار قباني. واختارت الحلقة التي بثت الأحد (2017/4/30) التحوّل الكبير في شعره مع الضربة الصاعقة التي تلقاها العرب صباح الخامس من يونيو/حزيران 1967، والتي اختصرت بالنكسة.

غير أن معادلة الغزاة والطغاة التي لا يكف المواطن العربي عن ترديدها، لم تدفع قباني إلى الاستقالة من السلك الدبلوماسي السوري فحسب، بل دفعته إلى توجيه ناره الشعرية ضد المحتل والمستبد.

وكان قباني في السلك الدبلوماسي في بلدان عدة حول العالم إلى أن وقع انقلاب عسكري في سوريا تمثل في استلام ضباط بعثيين للسلطة كان منهم حافظ الأسد.

دفتر النكسة
قصيدة "هوامش على دفتر النكسة" الطويلة وجدت موقعها في الوجدان العربي الذي كسرته الهزيمة القاسية.

يقول وزير الإعلام السوري الأسبق محمد الزعبي إنه فور قراءته القصيدة التي تدين سلطة حزب البعث وجّه بنشرها في الصفحة الأولى من صحيفة البعث، مضيفا أن مكالمات عديدة تلقاها من شخصيات نافذة، لكنه أصر على نشرها.

كانت قصائد نزار قباني تتوالى وتضرب الوعي بالسياط، كما يشير الكاتب والسياسي فاتح الراوي.

بعد عام من النكسة، كتب قصيدة "الممثلون" التي يقول فيها:

وصوت فيروز، من الفردوس يأتي: "نحن راجعون"/ تغلغل اليهود في ثيابنا، و"نحن راجعون"/ صاروا على مترين من أبوابنا، و"نحن راجعون"/ ناموا على فراشنا، و"نحن راجعون"/ وكل ما نملك أن نقوله: "إنا إلى الله لراجعون".

تسلم الأسد
في عام 1971 حدث غير عادي في سوريا تمثل في تسلم حافظ الأسد رئاسة سوريا، فكان أول رئيس من الأقليات يحكم سوريا.

لم يستطع نزار قباني ابن دمشق الوقوف صامتا، فكتب قصيدة تصف الواقع الجديد الذي تقبل عليه البلاد:

فرشت فوق ثراك الطاهر الهدبا/ فيا دمشق لماذا نبدأ العتبا؟

هذا العتب تشرحه سميرة مسالمة رئيسة تحرير صحيفة تشرين سابقا فتقول إن دمشق عاصمة الأمويين "لم نستطع المحافظة على حضارتها وقيمها"، وإن السلطة الاستبدادية عملت خلال خمسين عاما على تغيير المنظومة القيمية لدمشق وسوريا عموما.

استحضار الأمويين
بدوره يقول الكاتب الصحفي محمد منصور إن قباني حين يستحضر الأمويين فإنما يستحضر كل الأمجاد التي ينتمي إليها، مضيفا أن استهداف رموز الأمويين في دمشق منبعه طائفي، يستهدف روح المدينة التي تغنى بها شاعرها.

بل إن فاتح الراوي يقول إن الأمر وصل إلى بيت نزار قباني بما فيه من رمزية وارتباط بقلوب الدمشقيين، حيث جرى تحويله إلى مزار شيعي.

هذا البيت الذي حفزت أرجاؤه شغاف القصيدة فقال:
هنا جذوري/ هنا قلبي هنا لغتي/ فكيف أوضح؟ هل في العشق إيضاح؟

رحل نزار قباني عام 1998 وحملت جثمانه حشود من السوريين في دمشق، مثيرة الهاجس الأمني للنظام الذي جيش رجال الأمن على طول مسير الجنازة في شارع النصر، ولم يكتف بذلك بل أصدر أوامر بمنع أي خبر عن قباني، وفق ما يقول محمد منصور.

رحل قباني لكن شعره السياسي -على الرغم من منع تداوله- ما زال يلهم الشعوب العربية في ثوراتها على الظلم والاستبداد.