تناول كتاب "الدولة والكنيسة" للمفكر والقاضي المصري طارق البشري الشأن القبطي في بلاده عبر رؤية معمقة، ومن ذلك علاقة الكنيسة القبطية بالدولة المصرية.

وعقب صدور الكتاب عام 2011 ألقى حجرا في بركة راكدة، فرأى فيه البعض إثارة لفتن طائفية وتحريضا على الكنيسة، مطالبين بمنع تداوله، ورأى آخرون أن ما يطرحه البشري ينزع رأس النعامة من الرمال، ويواجه الواقع ويتعامل معه بمسؤولية.

رغم أن الكتاب لا يتجاوز مئة صفحة، فإنه كان كافيا ليخوض البشري حقلا من الألغام الفكرية، والقضايا التي يفضل الجميع -دولة وكنيسة وجماعة ثقافيةً- السكوت عنها.

الجماعة الوطنية ونظام الملة
يأبى البشري إلا أن يفتتح كتابه بأسخن القضايا تحت عنوان "الإدارة الكنسية بين الجماعة الوطنية ونظام الملة"، وركز فيها على تقزم دور الدولة المصرية أمام الكنيسة القبطية في القضايا المشتركة بينهما، مقدما أدلة وقرائن موثقة.

ثم ينتقل الكاتب إلى الأزمة المجتمعية المتمثلة في عزلة الأقباط وانفصالهم عن محيط العيش المجتمعي، ويعقب ذلك خوضه في منطقة اشتباك إسلامي مسيحي حول المادة الثانية من الدستور المصري، إذ يتصدى إلى الدعاوى القبطية الرافضة لاستخدام الشريعة الإسلامية في التشريع القانوني.

وأخيرا يفتح الكاتب في الفصل الأخير من الكتاب نافذة أمل في الاندماج بين عنصري الأمة عبر مشروع إسلامي مرّ عليه نحو قرن كان نموذجا مثاليا للرؤية التي تتسع للجميع، دون أن تسلخ هوية الأمة أو تقوض دعائم قيمها الأصيلة.

دولة داخل دولة
يمثل الكتاب تيارا مصريا عريضا يرى أن الكنيسة تحولت إلى دولة داخل الدولة، مستغلة حالة الضعف التي وصل إليها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في السنوات العشر الأخيرة من حكمه، حسب ما يقول الكاتب والباحث السياسي عبد المنعم منيب لبرنامج "خارج النص" في حلقة (2017/12/17).

أما رئيس تحرير جريدة القاهرة سيد محمود فيرى الخطورة في كتابات البشري في تطرفها، خاصة في سياق متوتر كانت تشهده مصر قبيل ثورة يناير، مما يؤجج الصراع الطائفي بدل تعزيز تراث المواطنة، وهو الأمر الذي مارسه البشري في مرحلة سابقة من تاريخه.

ومن الأمثلة البارزة التي تعرض إليها البشري اتخاذ القضاء المصري عام 2010 قرارا بأحقية المطلقين الأقباط في الزواج الثاني، لكن الكنيسة رفضت، وأنذر الأنبا شنودة من يتزوج زواجا مدنيا بحرمانه من العودة للكنيسة.

الكنيسة تكسب قضائيا
غير أن نجيب جبرائيل -محام ومستشار للكنيسة القبطية- ينفي اتهام الكنيسة بمناطحة الدولة ورفض تنفيذ أحكام القضاء، مبينا أنها لجأت إلى السبل القانونية وطعنت في الأحكام أمام المحكمة الدستورية التي أقرت إبطال الأحكام السابقة.

ويرفض جبرائيل قول البشري إن الدولة امتنعت منذ سنوات عن ذكر عدد الأقباط بضغط من الكنيسة، متسائلا: "كيف يحدث هذا والأنبا شنودة أعلن قبل سنوات غير مرة أنهم لا يقلون عن 15 مليونا، مما يعد إشارة للدولة كي تحصي عددهم".

عزلة القبطي
يورد البشري جملة من التحولات التي رأى أنها ضغط من الكنيسة على الدولة، معتبرا أنها أدت إلى عزلة الأقباط وانسحابهم من الجماعة الوطنية.

ويوضح سامح سامي المحرر الثقافي بجريدة الشروق الجديد أن الكنيسة أصبحت للقبطي بديلا عن النادي والحزب السياسي والمجتمع ككل، وهذا خطأ تتقاسمه الكنيسة والدولة والأحزاب السياسية.

أما الباحث عبد المنعم منيب فيشير إلى أن رعاة الكنيسة -خاصة في عهد شنودة- استثمروا في تغذية خوف الأقباط من المجتمع المسلم والأحزاب الإسلامية حتى يضمنوا ولاءهم.