امتد حكم الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي أكثر من 24 عاما، قضاها في ممارسة أشد الأساليب القمعية في مواجهة معارضيه من مختلف الأطياف: إسلاميين ويساريين ونقابيين.

مع نجاح ثورة الياسمين في إسقاط النظام في ديسمبر/كانون الثاني 2011 عاد الكثير من معارضيه إلى تونس وبدؤوا استعادة مساحتهم التعبيرية في الكتابة الأدبية والصحافة والسينما.

من هؤلاء المخرج المنصف بربوش الذي عاد من كندا لينجز فيلمه الدرامي الأول "صراع"، وفيه يعالج موضوع الاعتقالات والقمع الذي كان يمارسه النظام السابق ضد معارضيه.

برنامج "خارج النص" خصص حلقة الأحد (2016/12/4) ليستمع إلى حكاية المخرج بربوش التي يقول إنها بدأت عام 1990 في مطار قرطاج حين كان في طريقه مع زوجته للسفر.

حرمة الإنسان
في ذلك اليوم جرى توقيفه والتحقيق معه وسؤاله عن الذين أنجزوا أفلاما ضد الحبيب بورقيبة وبن علي. ويقول إنه عذب واعتدي على بيته، مشيرا إلى أن سياسة النظام انتهجت الاعتداء على حرمة الإنسان الجسدية والفكرية، وحتى الاعتداء على أهل بيته.

حول فيلم "صراع" تقول الصحفية صباح توجاني إن العذابات التي صورها المنصف بربوش تقترب من الواقع الذي كان بشعا وهز الذين حضروا الفيلم "ورأيت نصف من في القاعة يضجون بالبكاء".

لم يتلق الفيلم دعما من وزارة الثقافة التونسية ضمن برنامج دعم الأفلام لتشجيع الحركة السينمائية في البلاد، كما لم يدرج ليمثل تونس في الدورة الخمسين لأيام قرطاج السينمائية عام 2014.

فقد جرت العادة أن تختار ثلاثة أفلام لتمثيل البلاد، لكن لجنة المهرجان اكتفت بفيلم واحد، الأمر الذي عدّه مخرج فيلم "صراع" وصحفيون وفنانون منعا صريحا للفيلم.

قانون اللعبة
لكن مديرة مهرجان أيام قرطاج السينمائي سابقا درة بوشوشة قالت ليس من الممكن أن تدخل كل الأفلام المنتجة في المهرجان، بل إن ثمة لجنة تختار، سواء أخطأت أو أصابت "فهذا قانون اللعبة كما يحدث في أي مهرجان بالعالم".

وأضافت "فوجئنا باختيار فيلم واحد للمسابقة الرسمية لكن لم نرغب في التدخل في عمل اللجنة".

أما بربوش فيرى أنه موقفه لم يكن أساسه استبعاد فيلمه بل كان نقدا لمخالفة قانون المهرجان في اختيار ثلاثة أفلام، وكذلك عدم السعي لمؤازرة الإنتاج التونسي.

حسن العشي رئيس الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي قال إن لجنة المهرجان مقتدرة ومتخصصة، لكن أن تتدخل ألاعيب سياسية "فهذا ما لا أستبعده".

الجانب الفني تناولته درة بوشوشة فرأت أن موضوع الفيلم مهم، لكن معالجته ينبغي أن تكون بمستواه، أما العشي فقال إن ثمة أدوات سينمائية في الفيلم لكن توظيفها هو ما غابت فيه الفنيات.

نجاح خارجي
هذه الفنيات هي حجة المنصف بربوش الذي يقول "لماذا اختير الفيلم في مهرجانات خارجية عديدة وعبر لجان تقييم محايدة؟"

تزامن فيلم "صراع" مع انتهاء الولاية المؤقتة للرئيس المنصف المرزوقي والتحضير للانتخابات الرئاسية الأولى في تونس.

ولأن الفيلم تناول معاناة السجناء الإسلاميين، توجست وزارة الثقافة من أن يكون لذلك تأثير على نتيجة الانتخابات، فقررت عدم ترخيص عرضه إلا بعد انتهاء الانتخابات.

الصحفية توجاني تقول إنه كان لديها بصيص أمل في أن يراجع المثقفون مواقفهم، ويطالبوا بعرضه، غير أن هذا لم يحدث، ونجح الفيلم في الخارج وفرض نفسه في الداخل.

وفي الذكرى الرابعة للثورة في 2015، وبعد الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية، بدأ العرض التجاري للفيلم، وشكل توقيت العرض رمزية خاصة لطاقم العمل وللجمهور التونسي الذي استقبل الفيلم بإقبال كبير.

***
للمشاركة في النقاش حول مواضيع البرنامج على صفحته الخاصة في فيسبوك: https://business.facebook.com/AJA.OutOfText/