تكثر شواهد الرحمة والتكافل الاجتماعي في شهر رمضان بين طبقات المجتمع الإسلامي من الخليج إلى المحيط، حيث تقام موائد الرحمن لإفطار الصائمين، وتنشط الجمعيات الخيرية في جمع وتوزيع الصدقات، ويتوج ذلك في آخر الشهر بتوزيع زكاة الفطر.

للتعمق اقتصاديا في إسهام الزكاة في تخفيف حدة الفقر، تنقلت حلقة السبت 5/7/2014 من برنامج "الاقتصاد والناس" بين تجارب العديد من الدول العربية والإسلامية، متناولة أنشطة الهيئات الحكومية المختلفة المعنية بجمع وتوزيع الزكاة فيها.

وحول قيمة الأصول في البنوك الإسلامية -التي تبلغ 1.72 تريليون دولار ويبلغ مقدار زكاتها نحو 42 مليار دولار- قال المشرف الشرعي في صندوق الزكاة القطري فريد الهنداوي إن هذه الأموال يمكن أن تعيدنا إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز عندما لم يجد أحدا يقدم له الزكاة، إن تم استخدامها في مصارفها الصحيحة.

وأضاف أن مجموع زكاة 33 من شركات البورصة العاملة في قطر قارب مبلغ 2.250 مليار ريال قطري، مؤكدا أنه لو تم توزيع هذه الأموال بقطر فلن يبقى فيها فقير، وهي التي تتميز بضآلة نسبة الفقراء فيها أصلا.

وضرب الهنداوي مثالا آخر بدراسة أجرتها كلية التجارة بجامعة الأزهر قدرت أموال الزكاة في مصر بين 18 و35 مليار جنيه مصري.

video
فلسفة الزكاة
وفي رده على سؤال بشأن أن بند "العاملين عليها" في السودان مثلا يستهلك حوالي 25% من مجمل دخل الزكاة، قال الهنداوي إن هذا بند صرف أساسي لا ينبغي إهماله لأنهم يقومون بجمعها وإدارتها.

ونبّه إلى وسائل إدارية وإجرائية كثيرة يمكن أن تقوم بها الدولة لإجبار الأفراد والمؤسسات على دفع الزكاة، بربطها مثلا بتجديد التراخيص السنوية وإصدار تأشيرات العمالة.

ومن ناحية أخرى، أكد أستاذ السنة والحديث بكلية الشريعة جامعة قطر عبد الجبار سعيد أن مشاكل ومعوقات إدارة عملية الزكاة في هذا الزمان لا تتمثل فقط في عدم إخراجها من البعض، ولكن سوء إدارتها وتنميتها والاستفادة منها وحسن توزيعها، ودعا في الوقت ذاته إلى إنشاء مؤسسات لكي تقوم بعملية إدارتها.

ودعا إلى الاهتمام بـ"جوهر" فلسلفة الزكاة القائم على تمليك المحتاج مشروعا مهما صغر حجمه ليجني منه قوت يومه، بدلا من إطعامه لأن "قليل دائم خير من كثير منقطع".

وأوضح أن العديد من الدول لا تملك القوانين التي تجبر الأفراد أو المؤسسات على أداء الزكاة وتتركهم أحرارا في ممارسة هذه العبادة كل حسب ضميره.

وتحسر سعيد لعدم ثقته في حكومات العالم الإسلامي في ما يتعلق بإدارة ملف الزكاة، متخوفا من أن تنفق هذه الأموال في أغراض غير التي جمعت من أجلها حال وقوعها في أيدي الحكومات.

اسم البرنامج: الاقتصاد والناس

عنوان الحلقة:

الزكاة في الوطن العربي.. معوقات وحلول

مقدم الحلقة:

أحمد بشتو

ضيف الحلقة:

- فريد الهنداوي/المشرف الشرعي بصندوق الزكاة القطري

- عبد الجبار سعيد/أستاذ السنة والحديث بكلية الشريعة جامعة قطر

تاريخ الحلقة:

5/7/2014

المحاور:

- أهمية دور الزكاة في علاج مشكلة الفقر

- فلسفة الزكاة في الإسلام

- استغلال الزكاة في روافد غير مخصصة لها

- غايات نقل الزكاة من الدول الغنية للفقيرة

أحمد بشتو:

مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الاقتصاد والناس، ما زلنا في أيام الرحمة من رمضان الشهر الذي تكثر فيه شواهد التكافل الاقتصاديّ والاجتماعيّ بين الناس سواء في شكل تبرعاتٍ عينية للمحتاجين أو إقامة موائد للرحمن أو صدقاتٍ تنفق طوال الشهر ليتوج الشهر الكريم في نهايته بدفع الزكاة الفرض الثالث في الإسلام ما بين ديوان الزكاة في السودان والإمارات وما بين بيت الزكاة في الكويت ومصلحة الزكاة في السعودية، وحتى بيت الزكاة والصدقات المزمع إنشاؤه في مصر، إلى أي مدى ساهمت الزكاة بطريقة جمعها وتوزيعها الحالية في تقليل الفقر وتخفيف حدة العوز عند الفقراء، هل نحسن إخراج الزكاة بأنواعها؟ هل يمكن الاعتماد على الزكاة فقط في تقليل حدة الفقر؟ هذا ما سوف نناقشه في هذه الحلقة مع ضيفينا الكريمين الشيخ فريد الهنداوي المشرف الشرعيّ في صندوق الزكاة القطريّ، والدكتور عبد الجبار سعيد أستاذ السنة والحديث بكلية الشريعة جامعة قطر. الشيخ الهنداوي بدايةً قيمة الأصول المصرفية في البنوك الإسلامية فقط تقدّر حسب آخر إحصاء بتريليون وسبعمائة وعشرين مليار دولار، بحسبة بسيطة قيمة ما يخرج عنها من زكاة لا يجب أن يقل عن 43 مليار دولار، هل ترى أثراً لهذه الأموال الكبيرة على حياة الناس؟

أهمية دور الزكاة في علاج مشكلة الفقر

فريد الهنداوي:

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد الأموال الزكوية لو استطعنا استطاع صناديق الزكاة سواء في قطر أو في الكويت أو في السودان أو في السعودية أو في أي دولة إسلامية، استطاعت هذه الدول أن تُحسن استغلال وأن تؤديّ هذه الأموال وأن تستطيع جباية هذه الأموال بالكامل أقول سنعود إلى عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه الخليفة الراشد عندما لم يجد أحداً يقدم له الزكاة.

أحمد بشتو:

معنى ذلك هو الحال حالة الفقر هذه بين المسلمين وبين العرب، إذن لا تؤدى الزكاة بالشكل المطلوب، أليس كذلك؟

فريد الهنداوي: بالتأكيد، إحنا الآن على سبيل المثال نضرب مثلاً هنا من قطر، شركات البورصة شركات البورصة إلي هي 33 شركة نستخرج الشركات التي مثلا فيها ربا وما إلى ذلك، نحن نتكلم عن 33 شركة في البورصة القطرية هنا العام بل هذه السنة حسبناها طلع كم الزكاة فقط، الزكاة فقط 2 مليار و250 مليون يعني 2 مليار وربع مليار.

أحمد بشتو:

ريال قطريّ.

فريد الهنداوي:

نعم ريال قطريّ، 2 مليار و250 مليون قطريّ، إلي إحنا جمعناه بجمعه صندوق الزكاة بجمع كم؟ يجمع صندوق الزكاة في السنة الوحدة لا يتعدى الـ 170 مليون، 170 مليون تخيل يا أخ أحمد إنه هذه الأموال أقول نصفها، نصف الـ 2 مليار خليه مليار ونصف كانت هذه فرض على أرض قطر، هل يبقى على أرض قطر ونسبة الفقر في قطر ضئيلة جداً جداً، هل يبقى في دول الخليج فقط بالأموال بتاعت الـ 2 مليار فقير؟

أحمد بشتو:

وحتى لو خرجت إلى دولٍ أخرى ستخفف بالفعل، نعم.

فريد الهنداوي:

بضميمة بيت الزكاة الكويتي، بضميمة أموال الزكاة في البحرين في الإمارات في عمان في السعودية، ثم بضميمة أموال الزكاة في العالم. في دراسة في كلية التجارة جامعة الأزهر ، دراسة تقول أن الزكاة في العام الواحد تتراوح ما بين 18 إلى 35 مليار جنيه.

أحمد بشتو:

جنيه مصريّ.

فريد الهنداوي:

تتراوح، دي دراسة من كلية التجارة جامعة الأزهر، تتراوح بين 18 إلى 35 مليار جنيه مصريّ، هذه مصر فما بالنا في السعودية فما بالنا بقطر فما بالنا بالكويت.

أحمد بشتو:

دكتور عبد الجبار، في هذا السياق هل يجب إذن أن تخرج الزكاة بشكل مؤسسيّ أم أن تترك إلى الأفراد وتعاملاتهم مع بعضهم، إلى ضمير كل فرد؟ هل الواجب أن توجد مؤسسات؟

عبد الجبار سعيد:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أنا أعتقد أن مشكلة أموال الزكاة والتعامل مع الزكاة في هذا الزمن ليست فقط في عدم الإخراج بمعنى أن هناك قطاعٌ كبيرٌ من الناس والمؤسسات لا يخرجون زكاتهم ابتداءً وبالإضافة إلى هذا بعد ما يخرج من أموال الزكاة أنا أعتقد أن هنالك سوء إدارةٍ لأموال الزكاة على مستوى العالم الإسلامي كلّه سواءً من حيث الاستثمار لها وتنميتها والاستفادة منها أو من حيث حسن التوزيع، تاريخياً بلا شك كان جمع أموال الزكاة مهمة الدولة الإسلامية إلى أن جاء عثمان رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين وحوّل المسألة إلى ضمير الفرد المسلم وعلاقته بالله تبارك وتعالى كما هي الصلاة، لكن أنا أعتقد أنّ اليوم ظروفه مختلفة وعالمه متشابك ومصالحه معقدة، أنا أعتقد أن الأمر يحتاج إلى مؤسسات وليس إلى مؤسسة واحدة لإدارة أموال الزكاة وتوظيفها واستثمارها وتنميتها وأيضاً حسن توزيعها، الإشكال الرئيسي في تقديري أنّ ذهن كثير من المسلمين ينصرف إلى أن واجبه الشرعيّ تحقق بمجرد أنه أخرج المال وأداهُ إلى الجهة التي تُزكّي وهذا من الناحية الشرعية صحيح، لكن السؤال الذي ينبغي أن يكون مطروحاً دائماً، هل أدت أموال الزكاة هذه دورها في المجتمعات الإسلامية؟ أنا أتصور أننا لو وقفنا على كثير من الحقائق والأموال والأرقام وحجم الفقر في العالم الإسلامي الذي يزداد ولا ينقص مع ازدياد نسبة دافعي الزكاة نسبيا في تزايد، السؤال الرئيسي يكمن في كيفية توجيه أموال الزكاة وتوفيرها وتوظيفها، هل المطلوب مني أن أُطعم الفقير وجبته ثم ينتهي الأمر أم أنّ الأجدر وأعتقد أن هذه فلسفة الزكاة وجوهر الزكاة أن أُوفر له مشروعاً ولو صغيراً يدرُّ عليه دخلاً دائماً غير منقطعٍ ولو كان قليلاً، قليلٌ دائمٌ خيرٌ من كثيرٍ منقطع يحلُّ إشكاله حلاً جذرياً ولا أعود له في وجبةٍ أخرى.

أحمد بشتو:

لكن دكتور، في الإجمال هل تعتقد أن الزكاة يمكن أن تقوم بهذا الدور أن تخفف حدّة الفقر أو أن تنهيه بالفعل؟ هناك من يقول أنها تخفف إلى لحظةٍ ما إلى شهر فقط أو إلى أسبوعين مشكلة فقير، لكنها لا تحلّ المشكلة بشكل عام.

عبد الجبار سعيد:

أنا لا أزعم أنها تحلُّ المشكلة بشكلٍ عام وجذريّ وحدها، الأموال في الدولة الإسلامية روافدها متعددة، الزكاة واحدة من هذه الروافد وهناك روافد أخرى كثيرة، لكنها بلا شك تساهم في تخفيف حدّة الفقر إلى قدرٍ كبيرٍ جداً بدلا من أن يبقى هذا الفقر في تزايد الحقيقة ويتغول على الناس، نستطيع بحسن إدارة أموال الزكاة وتوفير بعض المشاريع الصغيرة للمحتاجين التي تحلّ مشكلة الفقر لبعض الأفراد جذريّاً بحيث لا نعود له في عامٍ آخر أو في شهرٍ آخر على أنّه فقير يمكن أن نعالج المسألة علاجاً بنيوياً تدريجياً في المجتمع الإسلامي شريطة إحسان إدارة هذه المؤسسات وهذه الأموال وحسن استثمارها وتوظيفها وتوجيهها.

فلسفة الزكاة في الإسلام

أحمد بشتو:

شيخ فريد، في بعض التجارب كديوان الزكاة في السودان بند العاملين عليها فقط يستهلك 25% أو ربع ما يحصله الديوان من زكاوات، هل هناك تقسيم غير عادل أحياناً يحدث في بعض أوجه التحصيل فيضيع على المستحق الفعليّ أو الحقيقيّ حقه في الزكاة؟

فريد الهنداوي:

لا هو طبعاً مسألة العاملين عليها هذا مصرف من مصارف الزكاة نص عليه القرآن في الآية الـ 60 من سورة التوبة.

أحمد بشتو:

لكنه بند من ثمانية.

فريد الهنداوي:

نعم لكن لا نغفله بالكامل، لا نغفل هذا البند وإلا من أين آتي بالموظفين؟ من الذي يقوم بالجباية؟ من الذي يقوم على كتابة الفقراء على المساكين على جمع الأموال؟ مَن؟ إن لم يكن هذا البند موجود، طبعاً بالنسبة هنا لقطر بند العاملين عليها غير موجود لأن الدولة هي التي على إيه تنفق على صندوق الزكاة، لكن أنا عاوز أتكلم إنه موضوع إعطاء الزكاة يختلف باختلاف الأحوال، يعني كما تفضل فضيلة الدكتور جزاه الله كل خير إني أنا فعلاً أعمل مشاريع صغيرة وأبتدئ إني أنا أيه كما قال سيدنا عمر بن الخطاب إذا أعطيتم فأغنوا، نعم لكن هناك في حالات يا أخ أحمد إلي هي ما تحتمل هذا حالة بيت يتامى، كبير السن، أعمى، مريض مثل هذه الأمور تستدعي تدخل صندوق الزكاة أو المال الزكوي في علاج هذه الحالة في ساعتها، يعني بيت يتامى، كيف يعملون؟ لا بدّ أن أُنفق، أما موضوع توزيع الزكاة هذه تحتاج إلى مؤسسة، عندنا في صندوق الزكاة إدارات كاملة بالكامل تقوم على دراسة كلّ فقير، على دراسة كلّ محتاج حسب حاجته. فمثلاً يعمل اللي يدخل يأخذ الرقم ثم بعد ذلك يدخل للمشرف الاجتماعي يبدأ دراسة الحالة، بعد دراسة الحالة يبتدئ يعرضها على اللجنة، اللجنة تقرر هل يستحق أم لا؟ حسب كل نوع.

أحمد بشتو:

طيب أحياناً مع زيادة هذا الروتين يضيع الحق، ربما أحياناً إذا تأخر الحق ففيه ضياع.

فريد الهنداوي:

هذه بالنسبة للإدارة الإدارة تقدر لكل حالة، فمثلاً في بعض الحالات تأخذ مال الزكاة الآن خلال ساعات يكون واخذ إيه المال، في حالات تستدعي إنه أنا أنتظر، في حالات بعض الناس قد يأتي ليأخذ الزكاة وليس من حقه أن يأخذها، هنا الذي يقوم بهذه الباحث الاجتماعي يعرضه على اللجنة، اللجنة فيها شرعيين وفيها اجتماعيين هم الذين يقومون على توزيع هذه الأموال، ففعلاً يحتاج إلى تنظيم مؤسسي ودي أعتقد أنها تحققت بنسبة 80% في صندوق الزكاة القطريّ.

أحمد بشتو:

طيب دكتور عبد الجبار، هل تعتقد انه حالياً لا توجد وسائل لإجبار الناس على إخراج الزكاة بحسابات تخرج ما لديهم من مستحقات زكوية؟

عبد الجبار سعيد:

يعني كوسائل إجبار أنا أعتقد إنه ما في، لا يوجد يعني إلا أن تسن بعض الدول قوانين مثل قوانين الضرائب تشير فيها إلى مسألة الزكاة وتحاسب عليها وهذا فيما أعلم نادر في العالم الإسلامي ومن يريد التهرب يستطيع التهرب، المجبر الوحيد الآن العلاقة بين العبد وربّه واستشعار أهميّة إخراج هذه الزكاة أولا حتى من الناحية الاقتصادية ما نقص مالٌ من صدقة في استثمار المال وزيادة نمائه بالتصدّق منه والبذل يعني حتى في النظرة الاقتصادية المصلحية، لكن أنا أحبّ أن أشير إضافةً إلى ما أشار له فضيلة الشيخ يعني حتى العائلة التي لا تستطيع أن تعمل بدل ما أنا أُصرف وأُنفق وأُزكّي لها المال بشكل مستمر دون أن تنتج شيئاً ممكن مجموعة عائلات محتاجة من هذا القبيل أصنع لها مشروعاً يعمل فيه مجموعة من الفقراء، أحلّ مشكلتهم وأحلّ مشكلة هذه العائلات بحيث توفّر لها دخلاً مستمراً، الإشكالية في فلسفة الزكاة يا أستاذنا أننا نُصر أننا نؤدي دورنا فقط إذا أطعمنا هذا الجائع وجبةً أو وجبتين شهراً أو شهرين، ويبقى جائعاً باقي السنة. يعني أنا أقول أن فلسفة الزكاة في الإسلام وفهم الزكاة في الإسلام هو في بناء هذه الحالة الاقتصادية المتدحرجة وهذا النماء في المجتمع الإسلامي بحيث يُقضى أو تنتهي ظاهرة الفقر تدريجياً، لا نستطيع أن نحلّها في سنة واحدة ولا في سنتين، عمر بن عبد العزيز وصل إلى هذه الحالة أنا في تقديري من فهمه لهذا المضمون، حل مشكلة الفقراء والفقر جذرياً بحيث يتوافر لمجموعة من هذه الأسر مشروعاً يدرّ دخلاً دائماً فتنتهي مشكلة الفقر معهم. عندي في الدولة 50، 60، 70 أستاذ عضو هيئة تدريس من أموال الزكاة ببني مدرسة وبعلّم الناس وبشغل الأساتذة الفقراء والمعلمات الفقيرات وأحل المشكلة جذرياً وينمو المجتمع، بعمل مصنع صغير في من الزكاة أبقار في من الزكاة إبل في من الزكاة أراضي في من الزكاة.. إلى آخره، يعني هذا التنوع في أموال الزكاة يمكن أن يوفر باقة وأنواع كثيرة من المشاريع التي تُحلّ مشاكل الناس جذرياً.

أحمد بشتو:

لكن دكتور أن هناك مفارقة أن نسبة الفقر العربيّ عند 25 إلى 30 % بينما أصحاب المليارات زادوا بنحو 4% العام الماضي حسب تقديرات مجلة فوربس، مشاهدينا نعود مرة أخرى إلى النقاش ولكن بعد الفاصل، وتابعونا.

[فاصل إعلاني]

أحمد بشتو:

مشاهدينا أهلاً بكم من جديد إلى هذه الحلقة من الاقتصاد والناس، يقول الأمام ابن حزم: "فرضٌ على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك".

الإمام الشاطبي قال: "إذا خلا بيت المال وارتفعت حاجات الناس وليس فيه ما يكفيهم فللإمام أن يُضف على الأغنياء ما يراه لهم في الحال إلى أن يظهر مال في بيت المال".

نرحب إذن بضيفينا مرةً أخرى في هذه الحلقة الشيخ فريد الهنداوي المشرف الشرعيّ في صندوق الزكاة القطريّ، والدكتور عبد الجبار سعيد أستاذ السنة والحديث في كلية الشريعة جامعة قطر. شيخ فريد مرةً أخرى، هل هناك من وسائل لإجبار الناس على دفع الزكاة؟

فريد الهنداوي:

كثير، طبعاً مش عاوز أتكلم عن الدول بعينها لكن سهل جداً جدا الإجبار يعني يجبرهم السلطان، أول شيء عدم استخراج أي شركة، عدم استخراج الترخيص، السجل التجاري إلا بإعطاء الزكاة، عدم إعطاء أي فيزا للعمال إلا بعد دفع الزكاة، عدم تخليص بعض الأمور التي تتعلق بالدولة إلا بعد إعطاء الزكاة، كثيرة جدا استخراجها بمنتهى السهولة.

استغلال الزكاة في روافد غير مخصصة لها

أحمد بشتو:

لكن دكتور عبد الجبار هناك خشية من أن الحكومة تقوم على أموال الزكاة فتستغلها استغلالات أخرى غير الروافد الشرعية المخصصة لها.

عبد الجبار سعيد:

والله أنا بكل أسف مضطر أقول في هذا المقام أنا لا أثق بحكوماتنا في العالم الإسلامي لتدير أموال الزكاة، أنا أتحدث عن مؤسسات وقفية مستقلة أو مؤسسات ذات طابع شرعي أيضاً مستقل يقوم عليها جملة من الناس، الرموز الاجتماعية أو الشرعية أو ما شابه ذلك وترعى هذه المسألة حق رعايتها وتستعين بخبراء اقتصاديين بخبراء اجتماعيين بكل من يلزم لحسن إدارة واستثمار وتوزيع أموال الزكاة. أما أنا أخشى على أموال الزكاة إن وضعت في أيدي الحكومات أن تذهب كما يذهب غيرها من الأموال ولذلك أنا أتحدث عن حسن...

أحمد بشتو:

لكن إذا أُديرت هذه الأموال بشكل عشوائي في تعاملات مشتركة بين الناس دون رقابة يمكن أن تذهب القيمة منها. لا تنظم بشكل مشروعات مثلاً

عبد الجبار سعيد:

لا أنا ليس عندي مشكلة أن تتوفر الرقابة من الجهات المعنية وأن تدار وفق الأصول، أنا لا أتحدث عن إدارة عشوائية أنا أريد أن أخلص من العشوائية إلى التنظيم إلى الترتيب، أريد أن أخلص من الفردية إلى المؤسسية، أريد أن تصبح هذه الأموال بهذه الأرقام التي ذكرتموها في بداية الحلقة وهي أرقام هائلة ذات جدوى في حل مشكلة المسلمين، هناك ثقافة متعلقة بالزكاة، هناك إيمان هناك عقيدة يجب أن تنتشر بين الناس وأن يصبح دافع الرقابة بين العبد وربّه هو الأولى والأول في دفعه لتقديم ما يجب عليه، بل إن انتشار هذه الثقافة وهذا الفقه بين الناس يزيد عطاء المسلم أضعاف أحياناً الزكاة المفروضة. هذا أولى من القوانين فقط يعني.

أحمد بشتو:

طيب دكتور، شيخ فريد هناك تجارب ناجحة قامت بها الدول في إدارة أموال الزكاة في جمعها وإنفاقها، هناك تجارب ربما ليست على المستوى المطلوب، هناك تجربة جديدة في مصر يُزمع إقامتها ما الذي يجب أن تأخذه كنموذج جيد؟ ما الأسس؟ ما الخطوات الجيدة التي يجب أن تتبعها؟ ما الخطوات السيئة التي يجب أن تتغافل عنها؟

فريد الهنداوي:

هو طبعاً جمع الأموال، طبعاً الجمع يوكل إلى إذا أوكلنا الأمر إلى الأفراد وإلى العلاقة التي بينه وبين ربه سبحانه وتعالى هذه قد يكون الأموال أموال ضئيلة جداً، لكن على فرض أولاً أول خطوة هي كيفية جمع هذه الأموال، ثم بعد ذلك تحديد المصارف التي ستصرف فيها هذه الأموال، ثم بعد ذلك هناك لا بد أن تكون هناك إدارات، هذه الإدارات تختص بالأسر، هذه تختص باستثمار أموال الزكاة، هذه تختص بعمل المشاريع التي تقوم على خدمة هذه البيوت أو على خدمة الفقراء المعنيين بصندوق الزكاة، دي تحتاج إلى عمل مؤسسي، العمل المؤسسيّ موجود ولو استفدنا من التجربة الكويتية أو التجربة السودانية أو التجربة الماليزية، التجربة الماليزية من أعلى وأفضل التجارب المهنية على صندوق الزكاة التجربة الماليزية، فعندي التجربة الماليزية عندي التجربة السودانية عندي التجربة الكويتية عندي التجربة السعودية موجودة، وإن كانت التجربة القطرية لسه وليدة لكنها موجودة أيضا بقوة، هي فقط تحتاج إلى إدارات وتحتاج إلى مهنيين.

غايات نقل الزكاة من الدول الغنية للفقيرة

أحمد بشتو:

وهذه التجارب يجوز الاحتذاء بها، لكن دكتور عبد الجبار هناك دولة فقيرة كاليمن ليس فيها موارد ليس فيها أغنياء تقريباً، أو الموارد فيها إدارتها ربما لا تسير بشكل جيد، هل يجوز نقل أموال الزكاة من دول غنية كدول النفط مثلاً إلى دولة فقيرة كاليمن؟

عبد الجبار سعيد:

طبعاً في الأمر خلاف فقهيٌّ قديم معلوم، أنا من الذين يرون جواز بل أحياناً وجوب نقل أموال الزكاة الحقيقة من بلد إلى آخر، نحن أمّةٌ واحدة أولاً، هذه الأمّة الإسلامية أمّة واحدة من طنجة إلى جاكرتا بل في كل أرجاء العالم الإسلامي، بل في كل أرجاء العالم هناك مسلمون فقراء في غير الدول الإسلامية ويحتاجون منا أموال الزكاة هذه، وواقع الأمّة يقتضي أن ننقل أموال الزكاة ونعين بها الكثير من الدول والمجتمعات المحتاجة، أنا أُحب أن أُؤكد أخي أحمد على مسارين، المسار القانوني والتشريعي رئيسي ومهم في معالجة مسألة الزكاة وإخراجها وتشجيع المزكيين بإعفائهم من الضرائب مقابل الزكاوات التي يدفعون ما تفعله بعض الدول الإسلامية، هذا مسار مهم وضروري جداً، لكن هناك مسارٌ إيمانيٌ تثقيفيٌ شرعيٌ يجب أن يكون موازياً، وهناك مسارٌ ثالث عقليٌّ مؤسسيٌّ استثماريٌّ اقتصاديٌّ اجتماعيٌّ يرعى هذه الآثار ويحسن التعامل معها ويحسن توزيعها سواءً كانت في اليمن وبالمناسبة هناك الكثير من الأغنياء في اليمن وإن كان في المسألة أحياناً سوء إدارةٍ هنا أو هناك كما هو الحال في معظم الدول العربية والإسلامية، أنا أعتقد أن ما لدينا من رصيد سواءً لدى الأفراد أو لدى المؤسسات أو حتى لدى الدول من الأموال التي لو أخرجت زكاتها في أصولٍ صحيحة وكما ينبغي وكما يُراد لحكمة الزكاة أن تتحقق، أنا مرة أخرى لا أقول أن الزكاة ستنهي ظاهرة الفقر في المجتمعات الإسلامية لكنها ستنهيها تدريجياً أو على الأقل ستقضي على جزءٍ كبيرٍ منها جذرياً وبالتالي تساهم الزكاة إلى جانب الرؤى المالية الأخرى والموارد المالية الأخرى. أخي في الدول الإسلامية الأخرى فوارق أسعار البترول بالمبالغ التي تعلم تحل مشكلات أمما وشعوبا كاملة ونحن نعلم أن هناك الكثير من الأموال لا نقول لا تُدفع زكاتها فقط بل تُصرف في غير ما ينبغي أن تصرف له مما لا يرضي الله عزّ وجل ومما يعني لا يشكل حاجةً للأمّة الإسلامية بل الأمّة الإسلامية أولى به من غيرها،هذه ثقافة وهذا دين وهذا معتقد ينبغي أن يسود في الأمّة لنحسن التعامل مع الزكاة مصدراً وتوزيعاً.

أحمد بشتو:

شيخ فريد هناك ربما فلسفة أخرى في دفع الزكاة أنها تزيد القوة الشرائية لدى الناس فيستطيع الغني صاحب التجارة أو الصناعة أن يُسوقها في السوق وبالتالي تدور دورة رأس المال بشكل كبير، هناك يعني حراك تحدثه هذه الزكاة.

فريد الهنداوي:

نعم ولذلك سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه يقول: "لا تدعوا أموالكم تأكلها الزكاة" وعلماء الاقتصاد يقولوا أن هذه الجملة من سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه تعمل حركة رأس المال في المجتمع، حركة رأس المال في المجتمع لو رأى الإنسان أنه كلما أخرج الزكاة سنة عن سنة تتناقص هذه الأموال لا بدّ هو مجبر لا أقول مجبر لا بدّ أن يفعل هذا حتى يدير حركة المال في المجتمع، ده قد يؤدي أن يديرها على هيئة مشروع، هذا المشروع يستدعي استقطاب عدد كبير جداً من العاملين، يبقى كده الزكاة مش بس تقضي على مشكلة الفقر دي تقضي أيضا على مشكلة البطالة في المجتمع ودي مسألة قد يعني لا ينتبه إليها كثير من الناس، فائدة الزكاة أنها تقضي على مشكلة الفقر ومشكلة البطالة في المجتمع، أيضاً مشكلة التسوّل في المجتمع تقضي عليها الزكاة، مشاكل كثيرة في المجتمع هنا في قطر مثلاً أو في السعودية أو في مصر أو في المغرب.

أحمد بشتو:

على الأقل إن لم تقضِ عليها فهي تخففْ.

فريد الهنداوي:

تخففْ بالتأكيد، خففت كثيراً.

أحمد بشتو:

أشكرك جزيل الشكر ضيفنا في هذه الحلقة الشيخ فريد الهنداوي المشرف الشرعيّ في صندوق الزكاة القطريّ، كما أشكر ضيفي أيضاً الدكتور عبد الجبار سعيد أستاذ السنة والحديث في كلية الشريعة بجامعة قطر، كما أشكركم مشاهدينا على طيب المتابعة، تقبلوا أطيب التحية من أشرف إبراهيم، ثائر الياسري، منال الهريسي وتحيات أحمد بشتو شكراً لكم وإلى اللقاء.