في عيادته الباريسية، يتساءل عالم النفس المصري مصطفى صفوان عن العبودية المختارة، ولماذا لا يكون العرب أحرارا؟ معتبرا أن الحل الوحيد للخروج من العبودية للحاكم هو تغيير نظام التعليم.

وتحدث -في حلقة 15/10/2015 من "المشاء"- عن علاقة المصريين عموما وشعوب ما بين النهرين بالحاكم، واصفا الدولة بالكائن العجيب الذي يقدم نفسه على أنه المشرع والمعاقب في الوقت نفسه.

ويرى أن الدولة تمنع الناس من الكتابة والتفكير، ليتحول المرء مع مرور الوقت إلى عبد للحاكم.

وفي تحليله لبنى الاستبداد وآليته، يضيف صفوان أن الدولة تفشل في جميع واجباتها التعليمية والاقتصادية والاجتماعية، مما يدفع الفرد للإحساس بالظلم فيلجأ للعنف. متوقعا أن تكون السنين القادمة خطيرة على العالم العربي.

عصر الظرفاء
في هذه الحلقة، يعود مصطفى صفوان إلى سنوات صباه في الإسكندرية، ويروي أنه خرج إلى الضوء في عصر تفتحت فيه الأقلام العربية، فتحول إلى عصر كبار الكتاب الذي ارتبط بنهضة في اللغة العربية بعد ركود شديد.

يصنف صفوان نفسه ضمن مواليد "عصر الظرفاء"، على اعتبار أن تلك الفترة اشتهرت بانتشار النكتة بما فيها من خفة وعمق.

ويمضي صفوان في سرد تفاصيل أثرت في تكوين وتشكل ملامح شخصيته، وتحديدا عندما ألقي القبض على والده بتهمة الشيوعية.

ويسترجع صفوان تفاصيل اللحظة والسنوات الثلاث التي تلتها خلال طفولته.

كان صفوان يقضي الكثير من الوقت في شوارع الإسكندرية التي كانت تضم آنذاك ستمئة ألف نسمة، فيهم اليونانيون والقبارصة والإيطاليون والفرنسيون والإنجليز، مما جعل المدينة الساحلية بوتقة انصهرت فيها العديد من الثقافات، نهل منها صفوان الكثير وكيف تعلم مما سماه "درس الشارع" أو كيف تعيش بالكلام.

وعن تحوله إلى التحليل النفسي بعد ولعه بالفلسفة، يسترجع صفوان بعض يومياته في جامعة السوربون في باريس التي لم تكن كما تصورها، ليدخل بعدها عالم التحليل النفسي ويتغير مجرى حياته برمته.

اسم البرنامج: المشّاء

عنوان الحلقة: مصطفى صفوان.. سرير الإسكندرية

مقدم الحلقة: أحمد الشيخ/كاتب وإعلامي مصري

ضيف الحلقة: مصطفى صفوان/عالم نفس مصري مقيم في فرنسا

تاريخ الحلقة: 15/10/2015

المحاور:

-   نتاج عصر الظرفاء

-   مدينة الحلم والعلم

-   عبودية مختارة

-   ظواهر عنف

زاد: حلم الإسكندر مدينة أفلوطين المفضلة المكتبة المنارة عصا الحكيم عبقرية الدرويش صمت كفافيس الإسكندرية، هنا ولد مصطفى صفوان وهنا صرخ صرخة الرعب الأولى عندما أخذوا أباه إلى السجن وهنا تاه في كرنفالات النفس البشرية وهنا تفلسف بين جدران الجامعة قبل أن ينتقل سنة 1945 إلى جامعة السوربون في باريس وهو الآن شيخ علماء التحليل النفسي في فرنسا ولكنه أبداً يؤوب إلى نفائس الإسكندرية.

أحمد الشيخ:  دكتور صفوان؛ من أين نبدأ معك وأنت ربنا يديك الصحة والعافية والعمر المديد وصلت الآن 95 سنة فخبرة ممتدة في العلاج النفسي أكثر من 6 عقود في مجال التأليف مجموعة هامة من الكتب النظرية، هل نبدأ من النهاية من آخر كتبك أم نبدأ نقول عودة المحلل إلى صباه ونبدأ من الطفولة من الإسكندرية من أين تريد أن نبدأ الحوار؟

مصطفى صفوان: نبدأ من البداية عشان نستريح من النهاية.

أحمد الشيخ: طيب تفضل يا أفندم.

مصطفى صفوان: لا هو الشيء اللي أنا اعترف كان فرصة كبيرة سهلت علي الحياة هي إن أنا خرجت للضوء زي ما يقولوا في عصر كانت فيه الأقلام العربية تفتحت.

أحمد الشيخ: آه.

مصطفى صفوان: عصر كبار الكتاب في الوقت نفسه دا ارتبط بنهضة في اللغة العربية إلي اتصالها بعد ركود شديد اتصالها بالغرب واتصال الغرب بها، دخول الغرب عليها أدى إلى ظهور أقلام جديدة ابتداء من عبد الرحمن الرافعي وكتبه عن تاريخ مصر ومحمد علي وغير بقى الأقلام إلي كل الناس تعرفها يعني لغاية الآن زي العقاد اللي كنا لسه نتكلم عنه أو طه حسين أو المازني أو أحمد أمين غير لجنة التأليف والترجمة والنشر، وكان في حركة ترجمة غير معقولة إلى درجة أنه أحياناً كانت الترجمة تفوق الأصل في جمالها زي ترجمات الصاوي لأناتول فرانس أو ترجمات الله يرحمه فخري أبو السعود لروايات توماس هاردي "تس" مثلاً كان له اتصال بمقولات جديدة وتصورات جديدة فكان في تفتح الأذهان ومناقشة لهذا كله، دا غير الترجمات العلمية لأنه في العصر دا ظهرت ترجمات دارون وماركس إلى آخره، كان عصر انتشر فيه النكتة في إلي هي بسموها في الفرنساوي Le Monde Des Séries...

أحمد الشيخ: نعم.

مصطفى صفوان: كل ما فيها من خفة ومن عمق في آن معاً كان هذا العصر إلي هم يسوه عصر الظرفاء.

أحمد الشيخ: آه.

نتاج عصر الظرفاء

مصطفى صفوان: فأنا عشان أعرف نفسي وأعرّف غيري بنفسي أنا وليد عصر الظرفاء، عصر الظرفاء دا كان يتجسد أو يعني مثله الأكبر فين؟ في لقاء جماعة مكونة من أحمد شوقي الشاعر وحافظ إبراهيم الشاعر والشيخ عبد العزيز البشري وكانوا دائماً يلتقوا في قهوة في الجيزة اسمها..

أحمد الشيخ: سان سوسي.

مصطفى صفوان: سان سوسي وكان كل كلمة ظريفة تخرج منهم تنتشر بسرعة البرق أهم حدث في حياتي هو أن أبوي قُبض عليه متهم بالشيوعية ..

أحمد الشيخ: رغم أنه كان أزهري حسبما أسمع.

مصطفى صفوان: أبوي كان أزهري ولكن اعتقد أنه كان حتى نقيب عمال حاجة زي كدا، فقبض عليه أنا كان عندي 3 سنين هو قبض عليه سنة 1924 وأول يعني صورة إلي هي افتكرها عن حياتي هو نازل عن السلم ومصحوب بناس وحسيت أنه دول مش نازل مع أصدقاء دا نازل مأخوذ رغماً عنه مقبوض عليه فشعرت بالفرق فصرخت، قضى 3 سنين في السجن خرج سنة 1927 حاجة زي كدا ثلاث سنين قضيتهم مع جدتي والدة أبوي وعمي أخو أبوي ودول كانوا أظرف سنين في حياتي لأن كنت تربى مع جدتي وعمي كأنهم أصدقاء مش أصحاب نفوذ علي، وكانوا يعاملونني كصديق فكانت طفولة ما فيهاش أي دواعي للأزمات النفسية لما خرج أبوي بقى الأمور تغيرت.

أحمد الشيخ: آه.

مصطفى صفوان: لأن ظهر أبوي بقى فابتدأت السلطة الأبوية تأخذ شكلها الحقيقي فكان أول عرض من أعراض الطفولة عندي الطفشان، فالطفشان كان معناه إيه؟ كان معناه بقى المشي في الشوارع لأن الشوارع كان فيها العجب في مصر.

أحمد الشيخ: آه، آه.

مصطفى صفوان: يعني الشوارع كان مهرجان مستمر بين الحاوي وبين القرداتي وبين البناتي خليفة إلي يمر بالصندوق.

أحمد الشيخ: آه أيوه.

مصطفى صفوان: فكنت أمشي بقى وراهم أسيب سبكتكل وأخش في الثاني لغاية ما أتوه ما أعرفش البيت فين فيدوروا علي يلاقوني.

أحمد الشيخ: نعم، نعم.

مصطفى صفوان: لكن دا يعني ربى عندي إلى جانب عصر الظرفاء لأنه درس في الحياة كيف تعيش بالكلام.

أحمد الشيخ: نعم.

مصطفى صفوان: وتلاقي في الكلام ما يفرج عنك حاجات كثير تعرف تستخدم الكلام، فده درس الشارع يعني..

أحمد الشيخ: آه، آه.

مصطفى صفوان: درس يتعلق بعلاقتي بالحياة زي ما عصر الظرفاء درس يتعلق بعلاقتي باللغة.

مدينة الحلم والعلم

أحمد الشيخ: آه آه الإسكندرية كانت كدا في الفترة دي تنوع وطوائف..

مصطفى صفوان: أولاً الإسكندرية كانت مليانة بتاعت 600 ألف تقدر على الأقل فيهم 100 ألف على الأقل إذا ما كنش 150 ألف يعني الربع..

أحمد الشيخ: إيطاليين ويونان..

مصطفى صفوان: إيطاليين ويونان في المحل الأول والباقي بقى..

أحمد الشيخ: قبارصة.

مصطفى صفوان: آه الإنجليز والفرنسيين وجميع الجنسيات وكانت دي أثناء الحرب الإسكندرية بقى نفسها كانت عالم ثاني آخر.

أحمد الشيخ: آه.

مصطفى صفوان: بمعنى أنها إلى جانب التنوع السكاني ترتبت عليه أشياء كثير أولاً كان الأوبرا الطلياني بتيجي كل شهر أو كل موسم على الأقل أوبرا روما وأوبرا ميلانو وكان أيام الحرب كان في ما كنا عارفين أن دا أوركسترا سيبقى الأوركسترا بتاعت إسرائيل لكن كان اسمه  Palestine symphony orchestra كان بيجي مع نوابغ في القيادة يعني فاكر فيم غارتنر نفسه جاء..

أحمد الشيخ: سنة كم دا يا أفندم؟

مصطفى صفوان: بأيام الحرب دي.

أحمد الشيخ: آه بأيام الحرب.

مصطفى صفوان: بأيام الحرب.

أحمد الشيخ: آه.

مصطفى صفوان: دا وكانت إسكندرية نفسها تقدر تقول يعني ميدان تصارع فالشوارع كانت دائماً عراك وكنا يعني نقضي الوقت في متابعة هذا العراك وفضه وكدا، فكان اتصالنا يعني الثقافي مش بس مقصور على الأدب والترجمات إلي تكلمت عنها من مدة إنما مقصور حتى على المظاهر الفنية الأخرى يعني لما جاءت سنة 1939 إلي هي السنة إلي أدخل فيها الجامعة.

أحمد الشيخ: أيوه.

مصطفى صفوان: دي السنة إلي ابتدأت فيها في السفر حركة اسمها  linguistic turnإلي كلها قضايا فلسفية مبنية على وضع خاطئ للمسائل والخطأ جاي من ضلال اللغة.

أحمد الشيخ: نعم.

[فاصل إعلاني]

أحمد الشيخ: خلينا في الجامعة وأساتذتك إلي تعلمت عليهم يوسف كرم أظن.

مصطفى صفوان: مرحلة الجامعة كانوا أساتذتنا يوسف كرم في اللغة ففي الفلسفة اليونانية الفلسفة القديمة وكان الدكتور أبو العلا عفيفي.

أحمد الشيخ: نعم.

مصطفى صفوان: ولما جاء في جامعة الإسكندرية هو إلي بقى رئيس القسم وكان يدرس لنا منطق أظن المنطق في المحل أوله فلسفة إنجليزية لوك وهوبز والحاجات دي.

أحمد الشيخ: دراستك كانت فلسفة.

مصطفى صفوان: أيوه فمن هنا جئت لباريس لأنه.

أحمد الشيخ: أيوه سنة 1946.

مصطفى صفوان: سنة 1945.

أحمد الشيخ: 1945 بس كان ممكن تكمل فلسفة بباريس أنت توجهت توجه آخر.

مصطفى صفوان: لا أنا جيت باريس لقيت الجامعة سوق السوربون..

أحمد الشيخ: سوق.

مصطفى صفوان: آه طبعاً لأن إحنا كنا في الإسكندرية جامعة فالمهم يعني فكان الإشراف والتعاون مع الأساتذة والكلام معهم والتعليم متصل بالاتصال بالأساتذة.

أحمد الشيخ: انطباعك إيه بعد السنين دي كلها؟

مصطفى صفوان: أنها تبيضت.

أحمد الشيخ: لا غير أنها تبيضت.

مصطفى صفوان: آه ما عدش في صلة ولا حتى صلة عاطفية.

أحمد الشيخ: آه ما فيش.

مصطفى صفوان: ما فيش.

أحمد الشيخ: رغم أنك أنت تهتم بالذكريات..

مصطفى صفوان: لا لا لا السوربون دي جامعة فرنسية يعني سوق.

أحمد الشيخ: سوق.

مصطفى صفوان: سوق هي أيامها ما كنش في طلبة كثير فكنا نبقى سبعة ثمانية في amphitheatre بتاع 200 نفر ويجي الأستاذ لوسين يقعد على المنصة ويقعد بتكلم كلام ما لوش أول من آخر وبعدين الأستاذ المهم يقول الأسطوانة بتاعته ويقفل وراه ويمشي وأنا ليك أي صلة به فيعني عاوز..

أحمد الشيخ: طيب السوربون دي سمعتها في العالم كله سمعة يعني أرقى جامعات.

مصطفى صفوان: لا لا ما لهاش أي سمعة.

أحمد الشيخ: ما لهاش أي سمعة.

مصطفى صفوان: لا لا لا ولا العشرين حتى لا لا بعد كده لا لا ولذلك هي تصوير الأمور درجات العلم على أساس مستوى الجامعات تصوير خاطئ أو مضل بالنسبة لفرنسا، لأن فرنسا العلم فيها أو دراسة العلم فيها مش بالجامعات وإنما بالمدارس العلمية يعني أنا لو كنت دخلت cole des chartes كنت سأخرج واحد ثاني لا دي علاقة ثانية خالص.

أحمد الشيخ: آه أنت كدا أمال لو قارناه بجامعاتنا أحنا ستقول إيه بقى.

مصطفى صفوان: والله جامعاتنا أيام أيامنا إحنا يعني قبل الثورة.

أحمد الشيخ: آه.

مصطفى صفوان: كانت جامعات ممتازة أولاً مصر جامعة القاهرة دي درس فيها كوارييه نفسه وإبرييه  نفسه ويالند كل دول درسوا في جامعة واك كان اسمها جامعة ما فيها أي معاني الجامعة كما عرفتها أو كما كنت منتظره فلقيت نفسي في حوسة إلي يسموها حوسة فقلت لزيور أعمل إيه لأن الدكتور زيور جاء معي على نفس المركب.

أحمد الشيخ: آه أيوه.

مصطفى صفوان: لأنه كان عليه أبحاث يخلصها هنا في سانت آن فلما قلت له أعمل إيه قال لي تحلل فرحت أتحلل ومن هنا ابتدئ الطريق الجديد، ابتدئ الطريق الجديد لأنني كمان قابلت واحد اسمه لاكان، لاكان يتكلم كثير عن اللغة وعن الكلمة ووظيفة الكلمة.

أحمد الشيخ: آه، آه.

مصطفى صفوان: كان كلام يعني من شأنه أن يلفت نظري جداً.

أحمد الشيخ: آه.

مصطفى صفوان: فمشيت بالطريق دا وتغير مجرى حياتي كله تغير.

عبودية مختارة

أحمد الشيخ: دكتور مصطفى أنت بباريس بقى لك سنوات عديدة بباريس ولكن قلبك وعقلك متعلق بمصر وما يحدث في مصر يعني، في الفترة الأخيرة هناك كلام كثير عن تغيرات تحدث في مصر ليس فقط على الصعيد السياسي والأمني والعسكري ولكن حتى على صعيد الشخصية المصرية، كيف ترى هذا الأمر ما الذي حدث للمصريين من الناحية النفسية تحديداً يعني؟

مصطفى صفوان: أنا لي وجوه متعددة أولاً مسألة علاقة المصريين بالحكم لأن المصريين هم مع وادي النهرين يعني منطقة وادي النهرين منطقة بابل، البلاد إلي ظهر فيها هذا الكائن العجيب إلي اسمه الدولة، كائن عجيب لأنه هو الشيء الوحيد إلي له الحق باستخدام العنف حينما يرى وجوبه كعقاب فيبقى هو المشرع وهو المعاقب واستخدامه للعنف إلي هو استخدام العنف لازم يكون له مبرر، فالدولة دي لما نشأت مين إلي أداها سلطة استخدام العنف المشروع في حالتها ومحرم في كل الحالات الأخرى تبريرها مش هيجي إلا من طرف ثالث أعلى منك ومني، الدولة تستمد شرعيتها من هذا الثالث هذه الطريقة في استمداد المشروعية من الثالث تخليك ما لك رد على أي وعلى كل ما يصنعه الحاكم لأنه استمد شرعيته من إلي فوق منك ومني وإلي أنت مؤمن به زيي أنت هنا في نظام من الحكم.

أحمد الشيخ: نعم.

مصطفى صفوان: الحاكم فيه غير مسؤول إلا قدام ربنا إلي هو الثالث يعني أو حتى..

أحمد الشيخ: ولا حتى قدام ربنا..

مصطفى صفوان: هو وضميره بقى دا موضوع ثاني، ولذلك هي جريمة الطغاة إلي سواء أرادوا أو لم يريدوا هي تشبه بالإله التأله فرأيي بشعبنا أولاً أنه أنشأ دولة أصبح هو نفسه عبد لها عبد للحاكم فيها، دا يستدعي أن الكتابة لما ظهرت الدولة خلتها تكنولوجيا خاصة بها بحيث أنها لا تعلم للشعب فهو دا الخنوع إلي فضلنا عليه لأن الدولة كمان تستفرد بكل فرد لا تسمح كما أنها لا تسمح بالتفكير وتأذن بالكتابة فهي لا تسمح أيضاً بالتعاون بين الأفراد في أي شيء يعني ما فيش حاجة اسمها تعاون وبالتالي يبقى كل الجميع لا يربطهم إلا زعيم فإذا الزعيم راح ليس لهم حل غير ينتظروا الزعيم الثاني.

أحمد الشيخ: لكن أنت أغبطتني بنكتة عن صاحب المنشورات.

مصطفى صفوان: آه دي حكاية أظن قلتها لك زمان كان رجل ينشر منشورات بعلق منشورات على الحيطة.

أحمد الشيخ: أيوه.

مصطفى صفوان: فقبضوا عليه وودوا السجن وبعدها البوليس في القسم وبعد ما هلكوا بالضرب جابوه يسألوه وجابوا بقى الجريمة إلي هي المنشورات.

أحمد الشيخ: آه، آه.

مصطفى صفوان: فجايين بقى يواجهوا بالمنشورات ففتحوها فلقوها ورق فاضي.

أحمد الشيخ: آه بيضاء.

مصطفى صفوان: آه فالبوليس نفسه أسقط في يده كما يقال فقالوا له إيه يا واد دا؟ قال لهم ما هو دي المنشورات، منشورات إيه يا ابن الكلب دي ورق فاضي! قال لهم ما هو دا إلي انتم ضبطوني فيه، قال ضبطناك في إيه عاوز تقول إيه؟ قال لهم راح أقول إيه ولا إيه ولا إيه.

أحمد الشيخ: لا جميل هل الروح الحلوة دي ما أنا إلي أسألك بداية سؤالي..

مصطفى صفوان: ما إحنا عندنا الحقيقة عمرها ما غابت لأن الحقيقة لا تغيب.

أحمد الشيخ: آه.

مصطفى صفوان: أنا أقول لك عشرات النكت تدل على أن الشعب عارف فاهم كويس جداً كل إلي يحصل..

أحمد الشيخ: كويس.

مصطفى صفوان: فإلي حاسيته بمصر كان شيء يخض.

أحمد الشيخ: آه.

مصطفى صفوان: أنه مجتمع متبعثر في أفراد شبه مقطوعة الصلة بأي حقيقة من حقائق الحياة كل واحد بأفكاره والكلام الفارغ دا وخلاص.

ظواهر عنف

أحمد الشيخ: الأخطر دكتور صفوان هو ميل الشخصية المصرية الهادئة المسالمة دي إلى العنف.

مصطفى صفوان: بالنسبة للعنف أولاً الفردية إلي قلنا لها لأنها الأسرة تفككت والصلات الأسرية والتقاليد التي كانت تربط الفرد بغيره راحت، فأصبحت الأمة أمة مبعثرة، دي الوقتِ لو كان النظام السياسي ناجح في إرضاء حاجات الناس، الناس قابلة العبودية والخنوع وكل دا ومسالمة ويبقى من ألطف المخاليق إلي ممكن تتعامل معها هو إلي يسموه الرجل المصري يعني المصريين معروفين بترحابهم وسماحتهم وحسن لقاءهم وظرفهم وميلهم للخير كل دا كان موجود، بس لما الحاكم لما الدولة إلي ابتدينا بالكلام عنها تفشل في جميع واجباتها الحربية والسياسية والاقتصادية والمالية والتعليمية والصحية وحتى في أكل العيش يبقى الشخص بقى سيحس إنه مظلوم فمدام حس أنه مظلوم هنا بقى سيلجأ للعنف دا محتوم، يعني العنف أنا أربطه بفشل النظام وسيطرة الفردية، في هوة مبنية على سياسة الدولة إلي أشرت لها وإلي مش حد قادر يفهمها لغاية النهار دا ويفهم أهميتها إلي هي منع الشعب عن الكتابة بما يؤدي إلى انعدام كل فكر عند هذا الشعب يعني بحيث أنه العبودية تبقى عندهم شيء طبيعي جداً وأن غير كدا غير إن فكرة أن الحاكم يتحاكم تبقى فكرة متناقضة، وإحنا كلنا كمثقفين كلنا ما لناش أي تأثير عميق في هذا الوضع إلي هو مفروض من آلاف السنين ومن الحاجات التي ذهلت لها أنا في أيام التحرير في أيام الربيع سمعت بنت تصرخ تقول أنا مش قادر أفهم إحنا ليه معزولين عن الشعب كدا أنا ما كنتش أعرف إن إحنا معزولين.

أحمد الشيخ: معزولين.

مصطفى صفوان: معزولين قلت لها فعلاً أنتِ ما عرفتِ إلا دي الوقتِ، فهذه العزلة المُرة لن نخرج منها وبالتالي مش سنخرج من موقفنا أبداً إلا إذا..

أحمد الشيخ: آه هي دي إلي عايزها إلا إذا..

مصطفى صفوان: إلا إذا تغير نظام التعليم بالإطلاق بالإطلاق وغير كدا إذا كان في إمكانيات نشر الحقائق فلتنشر وهذه الحقائق كلها مخفية عن الناس، فلازم أقل ما يمكن على المثقفين يعملوه أنهم يكتبوا كتب عن تاريخ مصر وتاريخ مصر الحديث وبما امتلأ به من الأكاذيب والجرائم والعبط وكل ما هو قاتل ومميت ومحزن فيما نراه اليوم.

أحمد الشيخ: قبل 80 سنة في سؤال أرسلان، شكيب أرسلان كان في قدر من التفاؤل في سؤالك لماذا العرب ليسوا أحراراً لا أشعر كثيراً بالتفاؤل؟ وكيف ننشر هذا التفاؤل أو أن نعيد الثقة للناس حتى نغير بلدنا؟

مصطفى صفوان: إمكانية الرد يمكن ستكون أحسن في السنين القليلة المقبلة لأنها سنين خطيرة.

زاد: كلما غاص مصطفى صفوان في أدغال النفس البشرية كلما عاد إلى طفولته في المدينة السعيدة وكلما عالج مرضاه الباريسيين كلما بحث عن الترياق الشافي من أمراض بلده، رجلٌ من تفسير وتنوير ومن قدرة وندرة يجلس في عيادته الباريسية يضرب عقدة أديب بعقدة إلكترا ويراجع تعاليم فرايد، رجل من كلام وسلام ومعنى وأفق يجلس في الخامسة والتسعين من عمره ويتساءل عن العبودية المختارة ويسأل: لماذا لا يكون العرب أحرارا؟