فاتا أورلوفيتش، سيدة بوسنية نجت من مذبحة سربرنيتشا التي ارتكبتها القوات الصربية ضد المسلمين عام 1995، تعود إلى بيتِها بعد الحرب لتجدَ أن كنيسة صربية قد بنيت في حديقته الأمامية، وما زالت قضيتها مفتوحة منذ اثني عشر عاماً.

فاتا -وهي الآن في السبعين من عمرِها- تقاتل من أجل إبعادِ الكنيسة عن بيتها، رغم ما تواجهه من مشاكل وعراقيل.

هذه السيدة التي فقدت زوجها وكثيراً من أفراد عائلتها في سربرنيتشا تروي لحلقة 7/12/2014 من برنامج "عالم الجزيرة" أنها قضت سنتين ونصف السنة في سربرنيتشا و"كان ذلك رهيباً، قصف، وقتل، وذبح الناس بالآلاف" في إشارة منها إلى المجازر التي ارتكبها الصرب في حق المسلمين خلال الحرب.

وبسبب تلك الأوضاع غادرت فاتا قريتها كونْيَفيتش بولي، ثم عادت بعد الحرب، لكن الصرب منعوها من دخول بيتها الذي تحول إلى كنيسة. تقول إنهم ذبحوا صاحب الأرض ثم بنوا عليها كنيسة "إنهم خاطِفون، قتلة" وتضيف "أنهم أطلقوا عليها اللعنات وضربوها، وعندما سألت الأسقف التالي: ما الذي تفعله هنا؟ "ليس هناك صرب هنا"،  فقال "إنها مِلكُنا الآن.. الجمهورية".

جادلت فاتا الأسقف كاتشافيندا فشكاها إلى المحكمة، وبينما يؤكد محاميها أن هناك اتفاقاً بينه وبين الأسقف لنقل الكنيسة إلى قطعة أرضٍ أخرى قريبة من منزلها، يؤكد الأسقف أن هناك مسيحيين أرثوذوكس يعيشون في كونـْيَفيتش بولي وهم يحتاجون إلى الكنيسة.

بعد خمسة أشهر من سقوط سربرنيتشا اضطر الجانبان تحت الضغط الدولي للجلوس إلى طاولة المفاوضات، وقد أنهى اتفاق دَيتون الذي وُقّع 1995 تلك الحرب، لكن السلام الذي أوجده ذلك الاتفاق كان يعاني من عيوب.

قُسّمت البوسنة إلى قسمين: الاتحادِ البوسني، الذي معظمُ سكانه من المسلمين، وحول هذا الاتحاد هناك "الجمهورية الصربية"، التي يسيطر عليها صرب البوسنة. هذان "الكيانان"، كما يسمونهما، في حالة توتر دائمة.

وقد أُعطِيَ المسلمون والصرب الذين هجّرتهم الحربُ الحقَّ في العودة إلى منازلهم في عموم البوسنة.

أعمال وحشية
في كونْيَفيتش بولي -حيث تعيش فاتا- عاد سكان مرحلة ما قبل الحرب، وأصبحت القرية التي يصل تَعدادُ سكانِها إلى ثلاثةِ آلاف وخمسِمائة فرد، مرة أخرى قرية مسلمة بكاملها تقريباً، لكن المشكلة هي أن هذه القرية تقع داخل جمهورية الصرب. ويبدو أن بعض أولئك الذين في السلطة لا يرغبون بكل بساطة في إبعاد الكنيسة.

ورغم الجدل الذي تثيره الكنيسة التي بنيت فوق بيت فاتا، هناك معلومات تتداول عن كنيسة يجري بناؤها على مقربة من مقبرة المذبحة الجماعية في سربرنيتشا وهي المعلومات التي رفض القس تأكيدها أو نفيها.

يذكر أنه في عامِ 1995، اجتاح صربُ البوسنةِ بلدةَ سربرنيتشا ونفذوا أبشعَ الأعمال الوحشية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث قـُتل أكثر من ثمانية آلاف مسلم، رجالاً وأولاداً ذكورا، في ما وصفته الأمم المتحدة بإبادة جماعية.

وكانت سربرنيتشا ملاذاً أممياً آمناً، لجأ ألوف المسلمين البوسنيين القادمين من المنطقة المحيطة إلى هذا المكان سعياً وراء الأمان من الصرب الذين كانوا يزحفون على المنطقة. صدّقوا وعودَ الأمم المتحدة بأن القواتِ الهولندية الأممية التي تتمركز هناك ستحميهم، غير أن الهولنديين وقفوا وقفة المتفرج بينما كان الرجال يتم تسليمُهم لصرب البوسنة.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة                                

عنوان الحلقة: المنزل الذي لم تبنه "فاتا"                                    

ضيوف الحلقة:

-    فاتا أورلوفيتش/مالكة الأرض

-    فاهريا كاركين/محامي فاتا

-    ليديا زيلوفيتش/مترجمة

-    مودراغ لونتشاروفيتش/نائب رئيس بلدية براتوناتس

-    وآخرون

تاريخ الحلقة: 7/12/2014

المحاور:

-    مرحلة ما قبل الحرب

-    الجدل الدائر حول بناء الكنسية

-    حالة تعايش غير مريحة

-    موقف الكنيسة

سامي/مراسل صحفي: كونْيَفيتش بولي قريةٌ بوسنيةٌ تغفو في قلب أوروبا، لكن هذه الطبيعة الوادعة  تخفي ماضياً رهيباً مظلماً، فقبل أقل من 20 عاماً كانت هذه حقول القتل في الحرب البوسنية، على مسافة 30 كيلومتر في هذا الطريق تقع بلدة سربرينيتسا اسمٌ حُفرت حروفه في التاريخ، في عام 1995 وفي ذروة الحرب اجتاح صرب البوسنة بلدة سربرينيتسا ونفذوا أبشع الأعمال الوحشية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، قُتِلَ أكثر من 8 آلاف مسلم رجالاً وأولاداً ذكوراً فيما وصفته الأمم المتحدة بإبادةٍ جماعية، كانت سربرينيتسا ملاذاً أُممياً آمناً، لجأ ألوف البوسنيين المسلمين القادمين من المنطقة المحيطة إلى هذا المكان سعياً وراء الأمان من الصرب الذين كانوا يزحفون على المنطقة، صدّقوا وعود الأمم المتحدة بأنّ القوات الهولندية الأممية التي تتمركز هناك ستحميهم، غير أنّ الهولنديين وقفوا وقفة المتفرّج بينما كان يتم تسليم الرجال لصرب البوسنة ولم يبقَ غير الأطفال والنساء، إحدى هؤلاء النساء كانت فاتا أورلوفيتش التي هربت مع أسرتها من كونْيَفيتش بولي، قبل بضع سنواتٍ حكي لي أحدهم قصةً عن امرأةٍ بوسنية بدا لي أنها تُلخص ما كان يجري إنها قصة فاتا أورلوفيتش إحدى الناجيات من مذبحة سربرينيتسا تعود إلى بيتها بعد الحرب لتجد أنّ هذه الكنيسة الصربية قد بُنيت في حديقتها الأمامية، فعزمت على العودة إلى البوسنة لاكتشاف المزيد ومن تلك النقطة تبدأ رحلتنا، لماذا بُني هذا المبنى؟ ولماذا لم ينقلوه إلى مكانٍ آخر؟ إنه حقيقي تماماً وهو يقع على التقاطع مباشرةً بحيث يمكن أن يراه الجميع وهو أمام بيت فاتا تماماً، أنا أتطلع للقائها وآمل أن تساعدني لغتي على ذلك.

فاتا أورلوفيتش/مالكة الأرض: أُدخل.

سامي: مساء الخير.

فاتا أورلوفيتش: مساء الخير.

سامي: أنا سامي

فاتا أورلوفيتش: يُسرّني لقاؤك.

مرحلة ما قبل الحرب

سامي: فاتا أورلوفيتش يسرني لقاؤك، أنا سعيدٌ حقاً أن ألتقيكِ آخر الأمر، كان ذلك أداءً رهيباً. فاتا الآن في الـ70 من عمرها فقدت زوجها وكثيراً من أفراد عائلتها في سربرينيتسا، أُخِذَ من أمامها ذات يوم ولم تره مذ ذلك الحين، قبل 7 سنوات تعرفوا على رفاته وتم دفنه، غير أنّ أولاد فاتا نجوا وانتقلوا جميعاً باستثناء إحدى بناتها للعيش في الولايات المتحدة وهم لا يرغبون في العودة إلى هنا. كيف كانت الأمور قبل الحرب؟

فاتا أورلوفيتش: كانت جيدة كنت أعيش هنا كنا نزرع الذرة والقمح، ذهب التلاميذ إلى المدرسة وكان كل شيءٍ جيداً ثم وقعت هذه المأساة هذه الحرب، قضينا سنتين ونصف السنة في سربرينيتسا، كان ذلك رهيباً قتلوا الجميع قصفٌ وقتلٌ وكان علينا أن نُغادر رأينا ذلك كانوا يضربون الناس ويأخذونهم بعيداً، ذُبِحَ الناس لم يُذبح شخصٌ واحد فقط وإنما الآلاف لم يعد أحدٌ أبداً، عندما عدت بعد الحرب لم يسمح لي الصرب بدخول بيتي هنا أطلقوا عليّ اللعنات وضربني أحدهم على ذراعي لكنني تمكنت من الدخول لم يتبقَ لي شيء كل شيءٍ ذهب لا أستطيع تفسير ذلك الإحساس حاولت الاحتفاظ بشجاعتي.

سامي: سألت فاتا عن الكنيسة وفيما إذا كانت قد تحدثت مع سلطات الكنيسة.

فاتا أورلوفيتش: سألت القس ما الذي تفعله هنا ليس هناك صربٌ هنا؟ فردَّ عليّ: إنها ملكنا الآن الجمهورية، فقلت إنني لست مهتمةً بجمهوريتك أبعدها عن أرضي جادلته فشكاني إلى المحكمة وما زالت القضية مفتوحةٌ منذ 12 عاماً، حتى لو كانت مسجداً إنهم لم يسألوني أريد إبعادها عن أرضي.

الجدل الدائر حول بناء الكنيسة

سامي: بُنيت كنيسة كونْيَفيتش بولي فور انتهاء الحرب لصرب البوسنة الذين انتقلوا للعيش في المنطقة، وبما أنهم جميعاً تركوها فارغة فإنها تُفتح مرةً واحدةً في السنة لإقامة صلاةٍ رمزيةٍ فيها لعددٍ قليلٍ من الصرب الذين ما زالوا في المنطقة، بعد 5 أشهر من سقوط سربرينيتسا اضطرَّ الجانبان تحت الضغط الدولي للجلوس إلى طاولة المفاوضات وقد أنهى اتفاق الدايتون الذي وُقّع عام 1995 تلك الحرب لكن السلام الذي أوجده ذلك الاتفاق كان يُعاني من عيوب، قُسّمت البوسنة إلى قسمين: الاتحاد البوسني الذي معظم سكانه من المسلمين وحول هذا الاتحاد هناك الجمهورية الصربية التي يسيطر عليها صرب البوسنة، هذان الكيانان كما يسمونهما في حالة توترٍ دائمة، وقد أُعطي المسلمون والصرب الذين هجّرتهم الحرب الحق في العودة إلى منازلهم في عموم البوسنة، في كونْيَفيتش بولي حيث تعيش فاتا عاد سكان مرحلة ما قبل الحرب وأصبحت القرية التي يصل تعداد سكانها إلى 3500 فرد مرةً أخرى قريةً مسلمةً بكاملها تقريباً، المشكلة هي أنّ هذه القرية تقع داخل جمهورية الصرب ويبد أنه بعد أولئك الذين في السلطة لا يرغبون بكل بساطةٍ في إبعاد الكنيسة، يصل فاهريا كاركين محامي فاتا من سراييفو ومعه بعض الأخبار الطيبة.

فاهريا كاركين/محامي فاتا: كانت هناك بعض الأخبار الإيجابية في قضيتك، نقضت المحكمة العليا في جمهورية الصرب حكم المحكمة هنا وهكذا ستبدأ الدعوة كلها من جديد، كل شيءٍ جيد وافقت على تسويةٍ مع رئيس الوزراء وتكلّمت مع كاتشافيندا على الهاتف وإن شاء الله سينتهي ذلك الآن.

فاتا أورلوفيتش: وسيهدمونها؟ ذلك هو الاتفاق يهدمونها.

فاهريا كاركين: لا فقط نقلها.

فاتا أورلوفيتش: يمكن وضعها وسط الطريق لا يهمني ما دامت ليست في حديقة منزلي.

سامي: أودُّ أن أعرف ما إذا كان التطور الأخير بالأهمية التي يبدو عليها، ولهذا فأنا في طريقي للقاء رئيس المحكمة الابتدائية في سربرينيتسا التي رفضت طلب فاتا بنقل الكنيسة، ويبدو أنّ هناك اتفاقاً تم التوصل إليه وراء الستار، السؤال الآن هل ستنفذ المحكمة الابتدائية هذا الاتفاق؟

قاضي: كلا كان هناك كلامٌ شفهي خارج اتفاق المحكمة، لكن هناك مشكلةٌ أخرى دعني أُوضّح لك الأمر، هذه هي الكنيسة وهذا هو الطريق وهذا بيت فاتا وهذه قطعة الأرض التي يُفترض أنهم سينقلون الكنيسة إليها، ومع ذلك فقطعة الأرض هذه تخضع لجدالٍ بشأن مَن يملكها وهذه القضية ينبغي حلُّها أولاً.

سامي: يبدو أنني كنت على حق، الأمر رائعٌ إلى حدٍ أنه لا يمكن تصديقه، يبدو أنّ السلطات الكنيسية مستعدةٌ لنقل الكنيسة، لماذا لا يختارون قطعة أرضٍ أخرى لا نقاش بشأنها؟ ما بدا يتضح هو أنّ الكنيسة تملك مفتاح حل المشكلة، واضحٌ أنّ فاتا عُرِض عليها موضوع التعويض لكنها رفضت فاستمرت الدعوى ويبدو أننا في مواجهة الجدار، يبدو أنا كل شيء يتوقف الآن على الأُسقف إنه صانع القرار.

ليديا زيلوفيتش/مترجمة: نعم إنه صانع القرار.

سامي: حسناً إذاً فلنذهب إلى الأُسقف مباشرةً هيّا، لديكِ رقمه أليس كذلك؟

ليديا زيلوفيتش: مساء الخير ليديا زيلوفيتش تتكلم هل معي الأُسقف كاتشافيندا؟ إننا نصور فيلماً وثائقياً وأتساءل إن كنت ستمنحنا 5 دقائق من وقتك؟

كاتشافيندا/الأسقف: نعم تفضلي.

ليديا زيلوفيتش: نحن نصور فيلماً وثائقياً عن فاتا أورلوفيتش سمعنا أنه كانت لديكم أسبابٌ لعدم نقل الكنيسة وأود أن أعرف إن كنت ترغب في الحديث معنا بهذا الشأن.

كاتشافيندا: مَن يعمل هذا الفيلم، أي مؤسسة؟

ليديا زيلوفيتش: نحن منظمةٌ دولية.

كاتشافيندا: لا نريد التورط في هذا.

ليديا زيلوفيتش: ولمَ لا؟

كاتشافيندا: ليست لنا حاجةٌ للتورط.

ليديا زيلوفيتش: أتفهم ذلك فأنتم لديكم أسبابكم ولكنني في الواقع أرغب في أن أسمع منكم، لدي إحساسٌ بأنك إن لم تقل شيئاً فإنّ وسائل الإعلام لن يكون بمقدورها غير التخمين.

كاتشافيندا: دعيني أقول لكِ لن تكون هذه المرة الأولى التي يقوم فيها شخص بنشر معلوماتٍ مضلّلةٍ عن الكنيسة ونحن لا نريد أن نكون طرفاً في عملية التضليل.

ليديا زيلوفيتش: هذا لن يكون.

كاتشافيندا: الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أقوله لكِ هو أنني آسفٌ حقاً.

ليديا زيلوفيتش: صدقني هذا هو السبب أود الحديث معك وهذا هو الذي يجعل من الأهمية بمكانٍ أن نسمع القصة من جانبكم لوقف التلاعب.

كاتشافيندا: حسناً، حسناً لكننا لا نستطيع مناقشة هذا الأمر على الهاتف.

ليديا زيلوفيتش: ليس على الهاتف كنت آمل أن نلتقي.

كاتشافيندا: أرجو المعذرة هاتفي يرن، نتفق على موعد.

ليديا زيلوفيتش: ممكن الآن؟

الأُسقف كاتشافيندا: لا أستطيع أنا مشغولٌ الآن.

ليديا زيلوفيتش: هل بإمكاني الاتصال مرةً أخرى؟

كاتشافيندا: اتصلي بعد يوم الأحد.

ليديا زيلوفيتش: الأحد شكراً جزيلاً سيد كاتشافيندا، اتفقنا.

حالة تعايش غير مريحة

سامي: سربرينيتسا بعد 17 سنةً من الحرب المسلمون والصرب يعيشون الآن جنباً إلى جنب، بالنسبة لكثيرين عاشوا خلال المذبحة فإنّ الأمر هو حالة تعايشٍ غير مريحة.

شاهد محمي: لا أستطيع النوم ما زلت أرى تلك الصور في مخيلتي أنا شاهدٌ وأحد الناجين، سُجنت في كرافيتسا وأدليت بشهادتي في المحكمة، أنا شاهدٌ محمي كي لا أعرض أُسرتي ونفسي للخطر وخصوصاً عائلتي، لن تكون هناك قيمةٌ لحياتي إن رآني أحدٌ على شاشة التلفاز وأنا أتحدث عما مررت به.

حسن حسنوفيتش/شاهد: ازدحمت سربرينيتسا بـ60 ألف لاجئ تعرّض المدنيون لمجاعةٍ كبيرة لم يكن لدى الناس ما يكفي من أي شيء.

محمد دوراكوفيتش/شاهد: نقصٌ في المواد الغذائية ونقصٌ في التجهيزات الطبية ونقصٌ في مساحاتٍ للعيش ونقصٌ في الماء لا تتوافر الضرورات الأساسية، لم تكن هناك كهرباء ولم يكن هناك أي شيء، كانت سربرينيتسا تبدو مثل معسكر اعتقالٍ كبير، كان هناك أكثر من 10 آلاف إنسانٍ يتوجهون سيراً على الأقدام إلى توزلا وكل من وقع في قبضتهم مات حتى بعد كل هذه السنين لا أفهم الوحشية التي ارتُكِب بها كل ذلك، لم يكن ذلك مثل أي شيءٍ تعلمته عن المحرقة حيث كانت هناك مصانع الموت التي كان يُقتل فيها الناس بأعدادٍ هائلةٍ يومياً، ما جرى كان ذا طبيعةٍ شخصيةٍ أكثر كان هذا مذبحةً وعملية قتلٍ ارتكبها جيراننا أُناسٌ كنت تعيش معهم طيلة حياتك.

سامي: فجأةً كان الأمر أكثر واقعيةً مما كنت أعتقد، يختلف الأمر بين أن تسمع قصةً وتُخمّن وتُقابل الأشخاص حتى وإن كنت قد رأيت الصور، ولكن عندما تأتي إلى هنا فعلياً تشعر بأنّ الأمر أكثر بكثيرٍ في كآبته وواقعيته، لكل شاهد قبرٍ من هذه الشواهد قصةٌ يرويها، لعلّ هذه أهم نقطةٍ في رحلتنا بكاملها.

ليديا زيلوفيتش: صباح الخير ليديا زيلوفيتش تتكلم اتصلت بك الأسبوع الماضي.

كاتشافيندا: تفضلي.

ليديا زيلوفيتش: ألديك دقيقة؟

كاتشافيندا: نعم لا بأس.

ليديا زيلوفيتش: طلبت مني أن أتصل بك بعد يوم الأحد للترتيب لإجراء لقاء.

كاتشافيندا: ولكنه يوم عيد.

ليديا زيلوفيتش: آه آسفة أيُّ عيد؟

كاتشافيندا: عيدٌ ديني.

ليديا زيلوفيتش: متى ينتهي العيد؟

كاتشافيندا: لحظة فقط، اتصلي في غضون أسبوع، أهذا للإذاعة أم للتلفزيون؟

ليديا زيلوفيتش: إنه للتلفزيون، سنُغادر في نهاية الأسبوع، أهناك أي فرصةٍ يمكن أن تجد فيها وقتاً للقائنا قبل ذلك؟

كاتشافيندا: لحظة فقط، الأربعاء صباحاً.

ليديا زيلوفيتش: عظيم، أين في بيلينا؟

كاتشافيندا: بيلينا الساعة الثامنة.

ليديا زيلوفيتش: حسناً أين في بيلينا؟

كاتشافيندا: كنيسة القديس فاسيلي.

ليديا زيلوفيتش: القديس فاسيلي الساعة الثامنة الأربعاء.

الأُسقف كاتشافيندا: نعم.

ليديا زيلوفيتش: سنكون هناك شكراً جزيلاً لك.

سامي: رائع، قلت لكِ إنّ التفاؤل مفيد، أعتقد أننا نصل إلى الذروة هنا لعله الجزء الأكثر حسماً في رحلتنا، لأننا في الواقع في طريقنا إلى بيلينا لنتحدث مع الأُسقف أنا بالحقيقة قلقٌ قليلاً بشأن يوم غد، أتمنى أن تسير الأمور بشكلٍ جيد أتمنى أن لا يُلغي المقابلة معنا.

حسن حسنوفيتش: نحس بذلك في الأجواء بأنّ هناك شيئاً مريباً شيئاً ما ليس صحيحاً، الناس يعيشون كلٌ لحاله في بعض الأحيان يكلمون بعضهم بعضاً لكن ليست هناك صداقةٌ حقيقة كما كانت عليه الحال قبل الحرب.

سامي: التحدي الذي يواجه مسألة العودة إلى الديار هو كما يقول مسلمو براتوناتس تحدٍ يعرفونه جميعهم بشكلٍ جيد ويشعر العائدون أنهم مستهدفون في كل شيء من العثور على وظيفةٍ إلى الحصول على مساعدةٍ لبدء العمل في حقولهم مرةً أخرى، إذاً ولتتضح الأمور لي ما تقولونه هو ليس هناك تمييزٌ ضد العائدين وإنّ عدد المسلمين ليس قليلاً جداً في مؤسسات الخدمات العامة.

مودراغ لونتشاروفيتش/نائب رئيس بلدية براتوناتس: كلا بالتأكيد كلا، أستطيع أن أقول لك إننا في المدارس وتستطيع أن تتأكد من ذلك بنفسك لدينا مدرسون بوسنيون مسلمون وهو يقومون بتدريس مواد دراسية احترافية وهم بيننا هنا في الحكومة المحلية.

موقف الكنيسة

سامي: مشاكل اليوم تبعث آلام الماضي وأينما درت بناظريك وجدت الذكريات المؤلمة، في كل عام ما زالوا يعثرون على الجثث الجديدة ويدفنونها، كأنما الريف الذي حولنا هنا مخضّبٌ بالدم، أولاً أود أن أطمئن إلى أننا نفهم موقف الكنيسة بشكلٍ صحيح، نفهم من خلال الحديث مع محامي فاتا أنّ هناك اتفاقاً بينك وبين محامي فاتا لنقل الكنيسة إلى قطعة أرضٍ أخرى قريبةٍ من منزلها، هل هذا ما تفهمه أنت؟

كاتشافيندا: أنت تفهم بشكلٍ صحيح، نقل الكنيسة ليس مشكلة لكن لا بُد من بقائها في المنطقة لأنّ لدينا مؤمنين هناك، لكن هناك مشكلةٌ أخرى القطعة التي يُفترض أن ننقل الكنيسة إليها لقد اشتراها شخصٌ آخر وهناك قضايا ملكية يجب أن تُحل أولاً.

سامي: أيمكنني التوضيح، هل تقول أنّ هناك مسيحيين أرثوذكس يعيشون في كونْيَفيتش بولي؟ لأننا حاولنا العثور على بعضهم ولم نجد غير بعض الناس يعملون في المنطقة، أتعرف أُناس مسيحيون أرثوذكس يعيشون فعلياً في ذلك الحي؟

كاتشافيندا: لا يهم عدد الموجودين فهم يحتاجون لكنيسة، نحن لا نفتعل أي مشاكل بشأن عملية نقل الكنيسة، هناك شخصٌ ما ولأسبابه الخاصة يتلاعب بالأمر، وهناك أسئلة أهم بكثيرٍ عليكم أنتم القادمين من الغرب أن تسألوها، هل سأل أحدٌ إذا كان الناس في كونْيَفيتش بولي صرباً وبوسنيين لديهم شيئاً يعيشون عليه سقفٌ يُظلل رؤوسهم أو عمل.

سامي: السبب الذي يجعلنا نثير هذه القضية يا سيدي هو أننا نسمع من الناس أنها قضيةٌ تؤثر في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، وأود أن أعرف رأيكم وموقف الكنيسة بشأن كنيسةٍ أخرى يجري بناؤها على بعد 20 متراً من مقبرة بوداك الجماعية، هل توافقون على شيءٍ مثل هذا؟

كاتشافيندا: لماذا تُغيّر الموضوع الآن؟ لن أُناقش هذا، أتقول أنه لا يوجد مؤمنون أرثوذكس هناك، لو كنت أعرف أنك ستسأل أسئلةً مثل هذه لما كنت وافقت على الحديث معكم، لا أريد الإجابة على هذا السؤال أراه استفزازياً، انتهت المقابلة.

سامي: لعلي كنت ساذجاً إذ فكرت بأنني أستطيع المساعدة في هذا الأمر، يبدو سهلاً حينا تأتي من الخارج لكنك لن تحتاج إلا لحك السطح لتُحس بالتوترات التي تقوم عليها الحياة اليومية في هذا البلد الجديد، ولأنّ فاتا أسيرة هذا الوضع فقدت وجدت نفسها وقد تحولت لمزارٍ سياحي ما زالت تقاتل من أجل إبعاد الكنيسة في حال استمرار هذه القضية لسنين، ومأسورٌ معها أيضاً ملايين البوسنيين من مواطنين مسلمين وصرب وكروات، وسواءً كانت المسائل العالقة في أماكن العبادة أو فرص العمل أو بناء الطرق فإنّ تعنُّت البعض في البوسنة غالباً ما يشل حياة كثيرين.