رميساء خلابي-جاكرتا
لا يتعلق الأمر بشخصية سياسية بل بمسؤولين عن مجموعة "ليبّو" الاستثمارية، وليس الموضوع ترويجا لمرشح الانتخابات الرئاسية الوشيكة، بل عن رجال أعمال صينيين يدعون أن مدينة في منطقة "بيكاسي تشيكارانغ" ستكون بديلا عن العاصمة جاكرتا التي أتخمت بالبناء وبات ازدحام المرور خانقا والتنقل غاية في الصعوبة، فضلا عن تكاليف المعيشة المرتفعة فيها.
إنها مدينة "ميكارتا" الموعودة التي لا ينتهي الحديث عنها على مستوى شاشة التلفاز، بل إن طريقا سريعا لا تكاد تخلو من لوحة إشهارية عنها.
اتجهنا إلى ميكارتا ذات المساحات الشاسعة. البناء فيها شبه متوقف، لكن بالونات إعلانية ملونة تحلق في سماء المدينة غير المكتملة. يقول القائمون على المشروع إن المدينة ستفتح أبوابها للسكن عام 2021، فالمواطنون بدؤوا بيع ممتلكاتهم وشراء "وعد بشقق مفروشة"، وهم ينتظرون بفارغ الصبر الانتقال للاستقرار.

في مدينة سولاويسي الجنوبية، التقينا بمدير قسم المشاريع الحكومية لدائرة "تاكالار" محمد إيرزان سابري، الذي أكد أن كل المشاريع الصناعية والعقارية في مدينته يملكها مستثمرون صينيون.
وجهت السؤال ذاته إلى والي المدينة "شمسهاري تيكا". بدا معترضا في البداية على استخدامنا مصطلح "الصيني" لكونه مواطنا إندونيسيا بحسب القانون، لكنه أخبرنا بالحرف الواحد أخيرا "ليست تكالار فحسب، ولا القطاع الصناعي والعقاري فحسب، بل إن اقتصاد كل جزيرة سولاويسي يُسيطر عليه الصينيون".
لائحة الأسماء المتوفرة معنا لأغنى رجال إندونيسيا تخبرنا القصة، فمن بين عشرة أثرياء صينيين يستعملون أسماء محلية لتسهيل معاملاتهم التجارية، نجد إندونيسيين اثنين فقط؛ ولا مجال للمقارنة بين ثروة أغنى رجل صيني وأغنى رجل إندونيسي.
ثروة الابنين الوريثين لرجل الأعمال الصيني المعروف أوي وي غيوان صاحب شركة سجائر دجاروم العملاقة التي مقرها في "مدينة القدس" بجاوا، تقدر بـ32.3 مليار دولار، في الوقت الذي لا تزيد فيه ثروة خير الدين تانجون أغنى رجل أعمال إندونيسي عن 3.6 مليارات دولار.

يشكل الصينيون في إندونيسيا أقل من ثمانية ملايين من أصل 250 مليون مواطن، وقد وصلوا البلاد مع الاحتلال الهولندي كعمال في المناجم والحقول. يدّعي المسلمون هنا أن أوائل الصينيين وصلوا مع وصول الإسلام، وهو ما دعا الرئيس الأسبق عبد الرحمن واحد – الذي كان يرأس منظمة نهضة العلماء، أكبر جمعية دينية في إندونيسيا وأقدمها- لرفع كل أنواع الحظر التي مورست عليهم منذ استقلال البلاد سنة 1945، ويعلي من صلاحياتهم أكثر من أي رئيس سبقه.
يقول فخري حمزة نائب رئيس البرلمان الإندونيسي "استطاع الصينيون الاستفادة بشكل ذكي من وضعهم غير المستقر لعقود، فعندما تم عزلهم عن الحياة السياسية، وفرض أنواع مختلفة من الحصار على حياتهم الاجتماعية -كمنعهم من بناء دور العبادة الخاصة بهم، أو التحدث بلغة الماندرين في الأماكن العامة- فإنهم لجؤوا لتعزيز مكانتهم في البلاد عن طريق المشاريع الخاصة".
ويقول إيرزان صبري إن الصينيين نجحوا بالفعل بعمل دؤوب ودون إحداث أي ضجيج، فـ"أكثر من ثلثي أموال البلاد اليوم في جيوب الصينيين". ويضيف "علاوة على ذلك، نجحت هذه الأقلية في فرض نفسها في الحياة الثقافية أيضا، فلديها اليوم صحف ورقية وقنوات فضائية بلغة الماندرين، ناهيك عن دور العبادة، بل إنهم أصبحوا مؤخرا يتطلعون إلى مناصب سياسية".
يقول والي تاكالار إن "تجي جين هوان استطاع بصمت أن يبني مدنا بأكملها. لا أحد كان يعرف أن شخصا واحدا من سولاويسي يدير مشاريع ضخمة في كل جزيرة جاوا".

ولد "تجي تجين" سنة 1931 في "سولاويسي الوسطى" لأبوين من الصين. إنه أحد هؤلاء الذين تمكنوا في صمت من بناء ثروة خيالية، فهو صاحب مجموعة تشيبوترا العملاقة، ويملك أضخم المشاريع العقارية في البلاد.
ومشاريع الأقلية الصينية لا تنحصر في العقارات فقط، بل يملكون أهم البنوك وشركات التأمين والطيران والنفط أيضا.
يدعي بعض المعارضين لسيطرة الأقلية الصينية على اقتصاد البلاد، أن الرئيس الحالي "جوكوي" من أصول صينية؛ وهو ما يعني -إن صح ادعاؤهم- عزله من منصبه وسجنه، إذ لا يزال تولي غير الإندونيسي منصب رئيس دولة هنا غير مسموح، كما يُمنع على غير السكان الأصليين الانخراط في الخدمة العسكرية.
ورغم ذلك فإن الصينيين نجحوا في الوصول إلى قبة البرلمان، وتقلدوا وزارات عديدة، ليس أقلها أهمية وزارة الاقتصاد التي يترأسها الصيني "لوهوت بينسار بانجايتان"، المتهم بتسهيل المعاملات القانونية أمام المستثمرين الصينيين بالخصوص.
يقول فخري حمزة "لا يوجد دليل حقيقي لإدانتهم، لهذا ستجدين أن التهم التي وجهتها المحكمة لكل من يقبع الآن خلف القضبان لم تكن ذات صلة بالمال".
في 5 مايو/أيار 2017، تم الحكم على "أهوك باسوكي تشاهايا بورناما" -حاكم جاكرتا السابق- بالسجن مدة عامين. كان الرجل يستعد لولاية جديدة، بعدما أخفق لسنوات في تقلد المنصب ذاته في مسقط رأسه في إقليم "بانكابيتون". كانت التهمة الموجهة له: الإساءة للقرآن الكريم، وهو ما يستحق عليه السجن وفق مبادئ "بانتشاسيلا"، أو المبادئ الخمسة التي تقوم عليها الجمهورية.

وفي مارس/آذار الماضي، ألقت الشرطة القبض على "آرييسمن ويدجاجا" الصيني مدير المجموعة العملاقة "أغون بودومورو لاند" التي يملكها الصيني "أنتون هاليمان"، بتهمة رشوة بقيمة مليار روبية (حوالي تسعين ألف دولار)، تسلمها العضو البرلماني عن حزب "إندونيسيا العظمى" محمد سنوسي فزج به في السجن أيضا. غير أن المشكلة الحقيقية لم تكن مسألة فساد مالي، بل مشروعا ضخما ملاكه والمستفيدون منه صينيون.
انتبه وزير الاقتصاد السابق "ريسال رملي" لهذه المسألة فأمر بوقف مشروع الجزر، غير أن الرئيس جوكوي ويدودو -المتهم بدعمه للصينيين والذي بيده الصلاحية التامة في إقالة أو تعيين الوزراء دون ذكر السبب- أقال الرجل بعد ستة أشهر فقط من توليه المنصب؛ غير أن الأصوات المعارضة للأخطبوط الصيني الذي يكاد يخنق البلد، طالبت الرئيس بعدم السماح باستكمال مشروع الجزر مهما كان.
يقول فخري حمزة إن من أسباب رفض الشعب للمشروع -والذي تمثل في مظاهرات شهدتها العاصمة- هو تراجع كمية الأسماك في بحر أنتشول، أحد أهم موارد سكان جاكرتا من الأسماك والثروة البحرية.
غير أن الرئيس جوكوي، وبدلا من الاستجابة لصوت الشعب، قام مباشرة بتعيين وزير الاقتصاد الجديد، موكلا له صلاحية الملف الشائك، ومن غير المفاجئ أن قرار الوزير الجديد الصيني كان الموافقة على إكمال المشروع.
لكن المشروع لم يتم، لأن حاكم جاكرتا الجديد أنيس باسويدان -الذي تعود له القرارات لا إلى الوزير بحسب الدستور المحلي- لم يسمح بتنفيذه.















