وضجّ موقع الفيسبوك -الأكثر شعبية عند الفلسطينيين- بوسوم هزلية مختلفة، منها "كمين العَجَل (الإطار)" و"غزوة ذات البناشر" و"البنشرجي (الشخص الذي يبدّل إطارات السيارات التالفة)".
وانفجرت الحادثة بعد إعلان المدير العام للشرطة الفلسطينية اللواء حازم عطا الله الليلة الماضية توقيف مدير شرطة محافظة الخليل العقيد أحمد أبو الرب عن العمل وإحالته إلى لجنة تحقيق، وتكليف نائبه بتسيير أمور المحافظة، دون إبداء الأسباب.
لكن مدير الشرطة المقال صادف حظا عاثرا وفي توقيت سيئ، حين نشر أحدهم صورا له وإلى جانبه مسؤول حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في مدينة يطا جنوب الخليل. وكان مدير الشرطة بلباسه العسكري يجثو على ركبتيه لإصلاح إطار مركبة "جيب" عسكرية إسرائيلية بوجود عدد من جنود الاحتلال.
تعطل دورية
وقد أعلنت حركة فتح تشكيل لجنة تحقيق في الصور التي يجري تداولها، وجاء في بيان أصدره عضو اللجنة المركزية للحركة جمال المحيسن أن اللجنة ستحقق مع العقيد أبو الرب، ومسؤول الحركة في يطا كمال مخامرة للوقوف على الحادثة واتخاذ الإجراءات المناسبة.
وقبل ذلك قال مخامرة إن الحادثة جاءت بعد مشاركة الأجهزة الأمنية وممثلين عن الرئاسة الفلسطينية في إغاثة منطقة "مسافر يطا" المهددة بالاستيطان، حيث تعطل جيب إسرائيلي أدى إلى إغلاق الطريق أمام موكب المشاركين، وقال "طلبت منهم إزاحة الجيب لمرور الموكب".
وذكر مخامرة لوكالة "معا" المحلية أنه "تبين لنا أن عطلا أصاب أحد إطارات سيارة الدورية، فطلب الجنود معدات لتغيير الإطار، وفعلا تم ذلك، وحاول الجنود تغيير الإطار ولم يتمكنوا من ذلك، وبعد وقت طويل من الانتظار تقدم العقيد أبو الرب وعرض المساعدة، وفعلا نجح في ذلك".
وفي إطار من الكوميديا السوداء، عبّر نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي عن سخطهم من الحادثة بموجة منشورات هزلية تنتقد بشكل لاذع تبديل مسؤول الشرطة إطارا لمركبة عسكرية إسرائيلية بالتزامن مع "انتصار المقاومة في غزة".
انتصار المقاومة
ونشرت صور الحادثة بعد يوم واحد من وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، فيما اعتبره الفلسطينيون "انتصارا" إثر إحباط المقاومة محاولة وحدة إسرائيلية خاصة للتسلل إلى قطاع غزة ليلة الاثنين، ثم استهدافها حافلة كانت تقل العديد من الجنود الإسرائيليين بصاروخ من نوع "كورنيت" موجّه.
وهو أيضا التوقيت الذي اختارت فيه ألوية الناصر صلاح الدين -إحدى أذرع المقاومة في غزة- بث شريط يصوّر كمينا أعده عناصرها عبر تفخيخ سارية علم فلسطيني ثم تفجيرها بعدما انتزعه جندي إسرائيلي وذهب به إلى قوة تضم عددا من الجنود.
وأدى اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة وإسرائيل إلى ارتدادات سياسية كبيرة في الأوساط الإسرائيلية، أعلن على أثرها وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان استقالته، وسادت المظاهرات الغاضبة مختلف المستوطنات المحيطة بقطاع غزة، بعد اتهامات للحكومة الإسرائيلية بالفشل في ردع المقاومة الفلسطينية.
وقارن المعلقون الفلسطينيون بين العمليات التي نفذتها المقاومة في الأيام الأخيرة وبين حادثة تبديل الإطار جنوب الخليل، في سياق انتقادات حادة للتطبيع والتنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي.
وكتب رسام الكاريكاتير الفلسطيني محمد سباعنة "ليس هناك سخرية أكبر من أن تنحني هامة مرفوع عليها علم فلسطين لخدمة الاحتلال"، في حين كتب رقيب السلطان -وهو أحد النشطاء المدونين للاعتقالات السياسية بالضفة الغربية- يقول "أسد عليّ وللمجندة بنشرجي".
وبشكل ساخر نشر نشطاء دعوات للاتصال على رقم الشرطة الفلسطينية المجاني عند الحاجة إلى "بنشر"، أي خدمة تبديل الإطارات.
ولم تفوّت صفحة "مش هيك" الساخرة هذا الحدث، بل تجاوزت شخص العقيد المسؤول عن تبديل الإطار إلى الرئيس محمود عباس حين نشرت تصميما يظهره بلباس مصلح سيارات يحمل إطارا ومعدات تبديل، تحت عنوان "السلطة الفلسطينية لإصلاح جميع أعطال السيارات"، وقالت في تصميم تهكمي آخر "السلطة الفلسطينية تعلن أنها ستقوم بنشر فيديو HD لعملية تغيير البنشر".
وفي منشور آخر، ذكرت الصفحة أن إقالة مدير شرطة الخليل "صاحب موقعة البنشر" هدفها امتصاص الفضيحة وتحويلها إلى قضية فردية، متهمة السلطة الفلسطينية بخدمة الاحتلال من خلال التنسيق الأمني، وقالت إن الحادثة أحرجت السلطة "بعد إنجازات المقاومة في غزة والتفاف الفلسطينيين حولها".
ولاقت المواجهة الأخيرة في قطاع غزة تأييدا جماهيريا واسعا في أوساط الفلسطينيين من مختلف أطيافهم. وأصدرت حركة فتح -الخصم السياسي الأبرز لحركة حماس– بيانا قالت فيه إن "الشعب الفلسطيني موحد ضد العدوان الإسرائيلي".
وحيث صادفت مشاهد إصلاح مركبة الاحتلال إحياء الفلسطينيين ذكرى إعلان وثيقة الاستقلال عام 1988 التي تؤكد فيها السلطة الفلسطينية على حقها في السيادة على أراضي الدولة الفلسطينية، تساءلت شبكة "قدس" -الأكثر انتشارا في أوساط الفلسطينيين على مواقع التواصل الاجتماعي- عن "مصير السيادة الفلسطينية" بعد صور مدير شرطة الخليل.
ورغم الانتقادات الحادة، انبرى نشطاء آخرون لاستذكار دور الأجهزة الأمنية والشرطة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال خلال انتفاضة الأقصى، بعدما أوعز الرئيس الراحل ياسر عرفات لها بذلك، ونشروا صورا للشهيد أمجد السكري الشرطي الفلسطيني الذي نفذ عملية إطلاق نار استهدفت جنودا إسرائيليين قبل عامين عند مدخل مدينة رام الله وسط الضفة الغربية.
















