سلافة جبور-دمشق

لم يفرق اتفاق الخميس الماضي بين النظام السوري ومقاتلي المعارضة السورية في مدينة داريا -والذي يقضي بإجلاء كافة قاطني المدينة- بين عسكريين ومدنيين أو كبير وصغير، أو مسلح وأعزل.

كانت أوامر النظام واضحة: اخرجوا وإلا ستنهال عليكم القذائف والحمم لتقتل من بقي منكم حيا، وتهدم ما بقي صامدا من منازلكم وشوارعكم.

عانت المدينة المحاصرة منذ أربعة أعوام، الحصار والجوع والقصف اليومي بمختلف أنواع الأسلحة، وتعرضت خلال الأسابيع الماضية لتصعيد غير مسبوق من قبل قوات النظام التي لم تترك سلاحا إلا ووجهته ضدها، وهو تصعيد لم يترك الكثير من الخيارات أمام أهلها الذين أنهكتهم الحرب.

وعن كواليس هذا الاتفاق، يفيد المكتب الإعلامي لـ"لواء شهداء الإسلام" بأن وفدا تفاوضيا للنظام برئاسة كنانة حويجة -وهي مذيعة بالتلفزيون الرسمي وابنة العميد إبراهيم حويجة مسؤول الدفاع الجوي بقوات النظام- وصل داريا الأسبوع الماضي، وخلال اللقاء الأول طرح وفد النظام على وفد مقاتلي المعارضة والمجلس المحلي لداريا "تسوية أوضاع من يرغب داخل المدينة وخروج من لا يرغب بالبقاء إلى دمشق مع تسليم سلاحه للنظام".

واعترضت الشروط التي طرحها وفد النظام -وفق المكتب الإعلامي- بعض الخلافات بخصوص المنشقين عن جيش النظام، والمتخلفين عن خدمة العلم. إلا أن اليوم التالي حمل مفاجآت لأهالي داريا، حيث طرح وفد النظام شروطا قاسية منها إفراغ المدينة بشكل كامل بناء على قرارات من القيادة العليا وفق حويجة التي طلبت "عدم إبقاء أي أثر لأي شخص داخل داريا، مع التهديد بالاجتياح وإبادة المدينة بمن فيها في حال الرفض".

كنانة حويجة ترأست وفد النظام إلى داريا (مواقع التواصل الاجتماعي)

وبسبب هذه التهديدات ولحرص وفد المعارضة على سلامة أرواح المدنيين خاصة النساء والأطفال، تم التوصل للاتفاق الذي قضى بإفراغ المدينة خلال 72 ساعة، عن طريق خروج المقاتلين بسلاحهم الخفيف والمدنيين غير الراغبين بتسوية أوضاعهم إلى محافظة إدلب، والعائلات والمدنيين الراغبين بتسوية أوضاعهم إلى مراكز إيواء بمنطقة حرجلة بغوطة دمشق الغربية، حيث أعطيت لهم وعود بتسوية الوضع وحرية التحرك خلال خمسة أيام.

ويقول الإعلامي أيهم محمد "إن الجميع خرجوا واضعين أرواحهم على أكفهم، فلا ضمانات لاتفاق يتم مع النظام مباشرة، ولم يكن لأي من المنظمات الدولية كـالأمم المتحدة والصليب الأحمر والهلال الأحمر أي دور أو حضور سوى عند بدء عملية إفراغ المدينة".

وفي حديث للجزيرة نت، تحدث الناشط الإعلامي مالك الرفاعي عن مشاعره المختلطة لحظة الخروج من مدينته قائلا "كان شعوراً بالغصة ممزوجا بعدم الثقة المطلقة بالنظام، واحتمال تلاعبه أثناء تنفيذ الاتفاق، لكن وجود أعداد كبيرة نسبيا من المقاتلين الخارجين مع أسلحتهم أشاع بيننا بعضا من الثقة والطمأنينة، وكان سلاحنا الضامن الأكبر لنا".

وأضاف الرفاعي وهو من أهالي داريا الذين وصلوا ضمن الدفعة الثانية إلى إدلب "لحظات شعرنا فيها بخوف النظام من ثوار المدينة، وذلك حين أصيبت بعض الحافلات بأعطال، واضطرت للتوقف لفترة، حيث أحاطنا عشرات المقاتلين والعديد من السيارات المحملة بالرشاشات خوفا من أي تحرك غير محسوب لشباب مدينتنا".

وأكّد الرفاعي حضور الهلال الأحمر العربي السوري عند بداية خروج المدنيين "إلا أن عدم ثقتنا بهذه المؤسسة التابعة لمخابرات النظام السوري دفعتنا للتواصل مع الأمم المتحدة والصليب الأحمر والتأكيد على أهمية حضورهم وضمان تنفيذهم للاتفاق". وأضاف بأن الأمم المتحدة أكدت أنها ستعمل على ضمان حماية وسلامة المدنيين الخارجين إلى مراكز الإيواء في مناطق سيطرة النظام.

المصدر : الجزيرة