انقلبت حملة تستنكر استفادة محافظ الرباط من أرض تابعة للدولة بثمن بخس إلى موجة غضب عارمة بعدما انبرى وزيرا الداخلية والاقتصاد للدفاع عنه، وبعدما تبين أنهما أيضا -بالإضافة إلى موظفين آخرين كبار- استفادوا من أراض مماثلة.

الحسن أبو يحيى-الرباط

يجتاح غضب عارم وسخرية لاذعة مواقع التواصل الاجتماعي بالمغرب بعد ظهور وثائق تظهر استفادة مسؤولين كبار من أراض تابعة للدولة مقابل أسعار بخسة في وقت تشتكي فيه فئات كثيرة من ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات فضلا عن انتشار السكن العشوائي.

وبدأ الجدل يحتدم مع ظهور وثائق تثبت استفادة والي جهة (محافظ) الرباط من بقعة أرضية مساحتها 3755 مترا مربّعا مقابل 350 درهما للمتر المربع الواحد (نحو 35.7 دولارا) وسط حي تزيد أثمنة العقار فيه عن 5000 درهم للمتر المربع (نحو 510 دولارات).

محمد حصاد (يسار) استفاد هو الآخر من قطعة أرضية وعبد الإله بنكيران آثر الصمت في الموضوع (الجزيرة نت)

"خدام الدولة"
وما إن أصدر وزير الداخلية محمد حصاد (مستقل) بلاغا مشتركا مع وزير الاقتصاد والمالية محمد بوسعيد (من حزب التجمع الوطني للأحرار) يقول إن القطعة الأرضية موضوع الجدل "جزء من تجزئة سكنية مخصصة لموظفي وخدام الدولة منذ عهد الملك الحسن الثاني" حتى تفجّرت موجة غضب جديدة ضد وزيري الداخلية والاقتصاد والمالية بسبب ورود اسميهما في لائحة جديدة تضم إلى جانب محافظ الرباط أسماء وزراء سابقين، ومحافظين ومستشارين للملك، ورؤساء أحزاب وغيرهم، وانتشرت موجة من السخرية مما أصبحت معروفة عند المغاربة بـ"تجزئة خدام الدولة".

وانتقد رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العام محمد المسكاوي موقف الوزيرين اللذين استغربا الحملة المنتقدة لتمليك القطعة الأرضية لمحافظ الرباط ووصفاها بأنها "حملة انتخابية سابقة لأوانها" يقودها حزب معين، في إشارة إلى حزب العدالة والتنمية الذي انخرط أنصاره في حملة استنكار هذا التفويت.

وقال المسكاوي للجزيرة نت "نحن أمام سند غير قانوني لهذه الاستفادة، ونعتبر أن الموضوع يدخل ضمن نسق الفساد وسياسة الريع التي ما زالت قائمة بالمغرب منذ الاستقلال، وهو مؤشر على استمرار غياب الإرادة الحقيقية لمحاربة الفساد".

عبد العزيز أفتاتي اتهم المستفيدين من تفويت أراضي الدولة بالاغتناء غير المشروع (الجزيرة نت)

"ابتزاز واضح"
وفي تصريح للجزيرة نت، قال عضو كتلة حزب العدالة والتنمية بمجلس النواب عبد العزيز أفتاتي إن حديث الوزيرين عن وجود حسابات سياسية "ابتزاز واضح"، وتخويف للناس من الاستمرار في مناقشة هذا الموضوع، وزاد أن "المرسوم (الصادر خلال عهد الملك الحسن الثاني) الذي تحدث عنه الوزيران مشبوه ولم يُنشر في الجريدة الرسمية وفاقد للمشروعية، وهو مرسوم لجماعة من القوم بهدف الإثراء غير المشروع".

من جهته قال عضو كتلة الاتحاد الاشتراكي بمجلس النواب حسن طارق إن عملية التمليك هذه تنتمي إلى نمط للحكم من الماضي السلطوي للبلاد، ولذلك فإن "غضب الرأي العام تأجج أكثر بعد البلاغ البليد الصادر عن الوزيرين المحترمين، لأن فكرة خُدام الدولة لا مكان لها في ثقافة سياسية تتعزز يوما بعد يوم داخل أوساط الشباب الذي فتح أعينه على أفكار المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص، والذي عايش الملك محمد السادس وهو يعلن أنه ملك مواطن".

ولم يصدر رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران منذ اندلاع هذه الضجة أي تعليق، كما دعا أعضاء حزبه (العدالة والتنمية) إلى عدم التعليق أو الإدلاء بأي تصريح بهذا الخصوص. وقال في لقاء مع أعضاء حزبه إنه "في عالم السياسة توجد لغة الكلام، ولغة الصمت كذلك".

حسن طارق: لا يمكن بناء هيبة الدولة على أنقاض المساواة والمواطنة (الجزيرة نت)

دعوة للمساواة
وفي حين اعتبر حزب التجمع الوطني للأحرار أن تمليك الأراضي موضوع الجدل تم في إطار القانون، وأنه "ينبغي التمييز بين معرفة الحقيقة كمطلب مشروع، وبين عمليات التشهير الممنهجة والمسّ بمؤسسات الدولة وهيبتها"، عبّر المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية عن "تشبثه بسيادة مبادئ المساواة بين المواطنين في الولوج إلى ممتلكات الدولة".

وفي السياق ذاته يعتبر حسن طارق أنه "لا يمكن بناء هيبة الدولة على أنقاض المساواة والمواطنة والدستور"، وقال للجزيرة نت إن الأجيال الجديدة بالمغرب "لا يمكن بتاتا أن تقبل الجمع بين فكرة الملك المواطن وبين فكرة المواطنة الامتيازية للنخب".

وبينما طالب طارق باعتذار الوزيرين عن بلاغهما أو تقديم استقالتيهما، دعا أفتاتي إلى عزل الوالي "لأنه مارس استغلال النفوذ واستفاد بشكل مشين"، وشدّد على أن يشمل قرار العزل أيضا وزير الداخلية الذي يدافع عن الإثراء غير المشروع، وذلك بعد أن يكشف للرأي العام عن لائحة باقي المستفيدين بالمغرب.

وعلى صعيد آخر، استبعد المسكاوي أن تعمد الحكومة إلى إلغاء المرسوم الذي بموجبه تتم هذه الاستفادة، معتبرا أن معالجة هذه المشكلة يمكن أن تحدث من خلال إنشاء وكالة مستقلة للعقار العمومي تكون تحت مسؤولية رئيس الحكومة.

المصدر : الجزيرة